Site icon Palestinealyoum

 اقتل ثم ابحث عن المبرر.. شهادات جديدة تكشف دموية جيش الاحتلال في غزة

جرائم الاحتلال بغزة

 القدس المحتلة – المركز الفلسطيني للإعلام

“أولاً نطلق النار ونقتل، ثم نفكر، ثم نحاول إيجاد سبب لحدوث ذلك”، بهذه العبارة يلخص نداف ويمان، المدير التنفيذي لمنظمة “كسر الصمت” الإسرائيلية، ما يقول إنها إحدى أخطر الممارسات التي تكشفها شهادات جنود صهاينة بشأن الحرب الصهيونية على قطاع غزة.

وفي مقابلة مع قناة فرانس 24، اتهم “ويمان” جيش الاحتلال باتباع ما وصفه بــ”التجريم بأثر رجعي”، أي قتل فلسطينيين خلال العمليات العسكرية، ثم البحث بعد ذلك عن معلومات أو أدلة يمكن استخدامها لتصنيف الضحايا باعتبارهم أعضاء في حركة “حماس” أو فصائل مقاومة، وبالتالي تقديم مبررات للهجمات أمام الجمهور الصهيوني والمجتمع الدولي.

ولا تقدم منظمة “كسر الصمت” الإسرائيلية هذه الرواية باعتبارها حادثة منفردة، بل تقول إن الشهادات التي جمعتها من جنود صهاينة تشير إلى نمط أوسع في طريقة إدارة العمليات العسكرية، وإلى قواعد اشتباك متساهلة سمحت، بحسب روايات الجنود، بوقوع انتهاكات واسعة بحق الفلسطينيين.

القتل أولاً.. والبحث عن المبرر لاحقاً

وفق رواية “ويمان”، تبدأ العملية العسكرية بالاستهداف ثم تأتي مرحلة البحث عن هوية الأشخاص الذين قتلوا والارتباطات المحتملة التي يمكن استخدامها لتفسير العملية.

ويقول إن أجهزة الاستخبارات الصهيونية تحصل بعد عمليات القتل على أسماء الضحايا، ثم تبدأ عملية فحص بياناتهم بحثاً عن أي صلة محتملة بحماس أو فصائل المقاومة الأخرى.

وقد يكون التبرير، وفق ما أورده، أن أحد الضحايا كان قريباً من مبنى اعتُبر مرتبطاً بالمقاومة، أو أن أحد أفراد عائلته له صلة بها، أو أنه كان في وقت سابق ضمن كشوف رواتب مرتبطة بأحد الفصائل.

وبعد ذلك، يقول “ويمان”، يجري بناء رواية تبريرية حول الضحايا لإثبات أن الهجوم استهدف أشخاصاً مرتبطين بالمقاومة، وبالتالي محاولة إضفاء صفة المشروعية على العملية العسكرية.

ويختصر “ويمان” هذا المسار بالقول، إن الجيش يبحث عن الأدلة بعد وقوع الهجوم، ثم يبني قضية حول أشخاص بعينهم ليقول إن وجود عناصر من حماس أو المقاومة كان سبباً في استهداف الموقع.

وتكتسب رواية “كسر الصمت” أهمية خاصة من قول “ويمان”، إن الجنود الذين ينفذون بعض الهجمات لا يمتلكون بالضرورة المعلومات التي تستخدم لاحقاً لتبريرها.

وضرب مثالاً بالهجمات التي تنفذها الدبابات، متسائلاً بصورة ساخرة عما إذا كانت الدبابة التي أطلقت قذائفها على موقع ما تحمل معلومات تفصيلية عن آلاف الأشخاص لتحديد هوية كل واحد منهم قبل إطلاق النار.

المغزى الذي أراد “ويمان” إيصاله هو أن عملية تحديد هوية الضحايا وتصنيفهم قد تأتي، وفق هذه الشهادات، بعد تنفيذ الهجوم وليس قبله.

وهذا يفتح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة المعلومات التي تستند إليها القرارات الميدانية باستهداف الأشخاص والمواقع، وحول مدى ارتباط التبريرات التي تُعلن لاحقاً بالمعلومات التي كانت متاحة فعلياً للجنود لحظة تنفيذ الهجوم.

“التجريم بأثر رجعي”.. تحويل الضحية إلى هدف

تقول منظمة “كسر الصمت”، إن ظاهرة “التجريم بأثر رجعي” ظهرت في عدد من شهادات الجنود التي جمعتها.

وبحسب المنظمة، فإن فلسطينيين قتلوا خلال العمليات العسكرية جرى تصنيفهم لاحقاً على أنهم مقاومون، رغم أن بعض الروايات، وفق المنظمة، تتحدث عن أشخاص عزّل أو حتى قاصرين دون سن الثامنة عشرة.

وهنا تتجاوز المسألة مجرد محاولة تبرير هجوم بعينه، لتطرح سؤالاً حول الطريقة التي يجري بها التعامل مع الضحايا بعد قتلهم: هل يجري التحقيق أولاً في طبيعة الهدف ثم اتخاذ قرار الاستهداف، أم يُنفذ الاستهداف في ظروف تسمح به قواعد الاشتباك، ثم يبدأ البحث عن معلومات يمكن استخدامها لتبريره؟

وتطرق “ويمان” إلى عمليات الجيش في محيط مستشفى ناصر، وأشار إلى واقعة مقتل 15 مسعفاً في رفح، باعتبارها أمثلة على العمليات التي أثارت أسئلة بشأن طبيعة الأهداف والمبررات التي قدمت لاحقاً.

وتأتي الإشارة إلى هذه الوقائع في سياق أوسع من الانتقادات الموجهة إلى العمليات العسكرية الصهيونية في محيط المنشآت الطبية والعاملين في المجال الإنساني.

وتقول منظمة “كسر الصمت” إن شهادات الجنود التي جمعتها تساعد في فهم الطريقة التي تُتخذ بها قرارات الاستهداف على الأرض، وما إذا كانت الحوادث التي يقدمها الجيش باعتبارها استثناءات منفردة تعكس في الواقع قواعد وممارسات أوسع.

قواعد اشتباك توسّع دائرة الأهداف

لا تضع المنظمة مسؤولية ما تصفه بالانتهاكات على قرارات فردية فقط، بل تربطها أيضاً بما تصفه بـ”قواعد اشتباك متساهلة”، وبحسب “ويمان” فإن توسيع هامش الاستهداف أدى إلى وقوع انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان خلال الحرب.

ويرى أن هذه القواعد لا تترك آثارها على الفلسطينيين الذين يوجدون في مناطق العمليات العسكرية فحسب، بل يمكن أن توسع دائرة الأشخاص والمواقع الذين يُنظر إليهم باعتبارهم تهديداً محتملاً.

ومن هنا، تتحول المسألة من سؤال حول تصرف جندي بعينه إلى سؤال أكبر يتعلق بالقواعد والتعليمات التي تحكم سلوك القوات في الميدان.

ومن أكثر الاتهامات إثارة التي تضمنتها رواية “كسر الصمت” ما يتعلق بالتعامل مع الكاميرات والصحفيين، وتقول المنظمة إن الجيش منذ 7 أكتوب 2023، تعامل مع الكاميرات في غزة باعتبارها تهديدات محتملة للقوات العاملة على الأرض، وإن قواعد الاشتباك سمحت بالتعامل معها باعتبارها أهدافاً عسكرية محتملة.

وترى المنظمة أن العدد الكبير من الصحفيين الذين قتلوا خلال الحرب يرتبط بهذه السياسة.

وتكتسب هذه القضية حساسية خاصة، لأن الصحفيين لا يؤدون دوراً ميدانياً في نقل الأخبار فحسب، بل يمثلون أيضاً إحدى الوسائل الأساسية التي يستطيع العالم من خلالها معرفة ما يجري في مناطق الحرب.

ومن ثم، فإن تحول الصحفي أو الكاميرا إلى “تهديد محتمل” يثير مخاوف واسعة بشأن قدرة الإعلام على توثيق الأحداث ونقل شهادات المدنيين في ظل العمليات العسكرية.

في نهاية المطاف، تختصر عبارة نداف ويمان،  “أولاً، نطلق النار ونقتل، ثم نفكر، ثم نحاول إيجاد سبب”، جوهر الاتهامات التي تطرحها منظمة “كسر الصمت”، فهي ترسم صورة لعملية تبدأ باستخدام القوة وتنتهي بالبحث عن رواية تبرر نتائجها.

وبينما تتواصل الحرب وتستمر أعداد الشهداء الفلسطينيين في الارتفاع، تبقى الأسئلة الأكثر إلحاحاً ليست فقط: من قُتل؟، بل أيضاً على أي أساس تقرر قتله؟ وماذا كان يعرف الجنود لحظة إطلاق النار؟ ولماذا تأتي هوية الضحية ومبررات استهدافه أحياناً بعد مقتله؟

تلك الأسئلة، التي تضعها شهادات الجنود الصهاينة أمام الرأي العام، تفتح الباب أمام واحدة من أكثر القضايا حساسية في الحرب، هل يجري البحث عن الهدف قبل إطلاق النار، أم يجري البحث عن المبرر بعده؟.

Exit mobile version