Site icon Palestinealyoum

الاحتلال يؤجل قطع الخدمات المصرفية عن البنوك الفلسطينية.. هل هي المشكلة الوحيدة؟

البنوك الفلسطينية

رام الله – المركز الفلسطيني للإعلام

أعلنت سلطات الاحتلال تأجيل قرار قطع خدمات المراسلة المصرفية بين البنوك الصهيونية ونظيرتها الفلسطينية في الضفة الغربية حتى نهاية العام 2026، في خطوة تبقي على قنوات التعامل المالي بين الجانبين مفتوحة مؤقتا، لكنها لا تنهي حالة عدم اليقين التي تحيط بمستقبل العلاقات المصرفية والاقتصادية.

وقال نائب محافظ “بنك إسرائيل”، آندرو أفير، إن الحكومة الإسرائيلية المقبلة ستكون مطالبة بإيجاد حل دائم يضمن استمرار تقديم الخدمات المصرفية المراسلة للبنوك الفلسطينية، مشيرا إلى أن تمديد المهلة ينقل مسؤولية حسم الملف إلى الحكومة التي ستتشكل عقب الانتخابات.

وأوضح “أفير”، أن الخيارات المطروحة قد تشمل إنشاء جهة حكومية بديلة تتولى التعامل مع البنوك الفلسطينية، أو الإبقاء على البنكين الإسرائيليين اللذين يقدمان هذه الخدمات حاليا، مؤكدًا أن أي حل مستدام يتطلب تحديد جهة دائمة ومسؤولة عن إدارة قنوات المراسلة المصرفية بين الجانبين.

ويأتي ذلك في ظل تشابك واسع بين النظامين الماليين والاقتصاديين الفلسطيني والصهيوني، إذ رجّح “أفير” استمرار الشيكل باعتباره العملة الأساسية المتداولة في الاقتصاد الفلسطيني، معتبرا أن الانتقال إلى عملة أخرى يظل أمرا غير مرجح في ضوء مستوى الترابط القائم بين الاقتصادين.

وكان من المقرر أن يوقف بنك “ديسكونت” خدماته للبنوك الفلسطينية اعتبارا من الأول من سبتمبر الجاري، على أن يلحق به بنك “هبوعليم” في أكتوبر المقبل، قبل أن تفضي المفاوضات مع وزارة المالية الصهيونية إلى تمديد العمل بالترتيبات القائمة حتى نهاية العام.

وتعتمد البنوك الصهيونية حاليا على إعفاءات وضمانات يوقعها وزير مالية الاحتلال، بما يسمح لها بمعالجة المدفوعات بالشيكل المرتبطة بالخدمات والرواتب التابعة للسلطة الفلسطينية، ويحميها من مخاطر قانونية محتملة مرتبطة باتهامات غسل الأموال أو تمويل الإرهاب.

وتكتسب هذه الخدمات أهمية بالغة بالنسبة للاقتصاد الفلسطيني، في ظل حجم الأموال التي تمر عبر النظام المصرفي الصهيونية، وبحسب تقديرات سلطة النقد الفلسطينية، يعالج البنكان الإسرائيليان معاملات للسلطة الفلسطينية تصل قيمتها إلى نحو 51 مليار شيقل سنويا، فيما تمر نسبة كبيرة من التجارة الفلسطينية، بما فيها السلع الأساسية كالوقود والأغذية والأدوية، عبر دولة الاحتلال.

اقتصاد مقيد  

ولا تنفصل أزمة المراسلة المصرفية عن الإطار الأوسع الذي يحكم العلاقات الاقتصادية الفلسطينية-الصهيونية، فقد صُمم بروتوكول باريس باعتباره ترتيبا انتقاليا لخمس سنوات، وكان يفترض أن يمهد لقدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي الفلسطيني، إلا أنه استمر عمليا بعد الموعد الذي كان مقررا لانتهاء المرحلة الانتقالية عام 1999، ليظل الإطار الرئيسي المنظم للعلاقات التجارية والضريبية والاقتصادية بين الجانبين.

وأرسى البروتوكول نظاما اقتصاديا شبه جمركي موحد، أبقى التجارة الفلسطينية الخارجية مرتبطة بدرجة كبيرة بالنظام التجاري الصهيوني، فيما استمرت دولة الاحتلال في تحصيل جزء أساسي من الإيرادات الجمركية والضريبية الفلسطينية وتحويلها إلى السلطة الفلسطينية وفق آلية المقاصة.

واستمرار هذا النظام منح دولة الاحتلال نفوذا واسعًا على تحصيل الإيرادات الفلسطينية، إذ بقي أكثر من ثلثي الإيرادات المالية الفلسطينية تحت السيطرة الصهيونية، مع إمكانية تعليق التحويلات أو إجراء اقتطاعات منها.

ووفق المعطيات الاقتصادية فإن الاختلالات البنيوية الناجمة عن بروتوكول باريس لم تقتصر على الإيرادات العامة، بل شملت التجارة والجمارك والضرائب، وأدت إلى محدودية قدرة الجانب الفلسطيني على التحكم في تدفق تجارته الخارجية، فضلًا عن استمرار الاعتماد على الموانئ والمعابر الخاضعة لسيطرة الاحتلال.

وبموازاة القيود التي يفرضها الإطار الاقتصادي، أسهمت ترتيبات السيطرة الصهيونية على الحدود والمناطق المصنفة “ج” في الضفة الغربية في الحد من قدرة الاقتصاد الفلسطيني على توسيع قاعدته الإنتاجية واستثمار موارده الطبيعية.

وقدر البنك الدولي في دراسة سابقة أن منطقة “ج”، التي تشكل نحو 61% من مساحة الضفة الغربية وتضم موارد طبيعية وأراضي زراعية واسعة، تمثل موردا اقتصاديا كبيرا غير مستغل، وأن السماح بتطوير الأعمال والزراعة والبنية التحتية فيها يمكن أن يرفع الناتج المحلي الفلسطيني بصورة كبيرة.

ووثقت تقارير دولية قيودا على استيراد مجموعة واسعة من المدخلات والسلع التي تعتبرها دولة الاحتلال ذات استخدام مزدوج، بما يشمل معدات ومواد يمكن أن تدخل في العملية الإنتاجية المدنية، وهو ما يرفع كلفة الإنتاج ويحد من قدرة الشركات الفلسطينية على التوسع والمنافسة.

ويرى البنك الدولي أن إزالة القيود الصهيونية المفروضة على الوصول إلى الأسواق والموارد الطبيعية تمثل شرطا أساسيا لتوسيع القطاع الخاص الفلسطيني وتعزيز قدرته على توفير فرص العمل وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.

المقاصة أداة ضغط مالي

ويبرز ملف المقاصة باعتباره أحد أكثر جوانب العلاقة الاقتصادية حساسية، إذ تجمع دولة الاحتلال الضرائب والرسوم الجمركية على جزء كبير من الواردات الفلسطينية وتحولها لاحقا إلى السلطة الفلسطينية.

ووفق المختصين فقد ترك هذا النظام جزء كبيرا من الموارد المالية الفلسطينية عرضة للتحكم الصهيوني، بينما أدت الاقتطاعات وتعليق التحويلات إلى تفاقم أزمات المالية العامة الفلسطينية.

وفي عام 2024، تشير المعطيات الموثقة رسميا أن دولة الاحتلال حجبت 44% من صافي الإيرادات الفلسطينية، ما فاقم الضغوط على قدرة السلطة على تمويل الإنفاق العام، مبينة أن الخسائر المالية التراكمية التي تكبدها الاقتصاد الفلسطيني نتيجة القيود المرتبطة بالاحتلال خلال الفترة بين عامي 2000-2017 بلغت نحو 48 مليار دولار، وهي موارد كان يمكن، في حال بقائها داخل الاقتصاد الفلسطيني، أن تستخدم في تمويل الإنفاق التنموي وخلق فرص العمل.

وبذلك، فإن أزمة الخدمات المصرفية الراهنة لا تبدو مجرد خلاف تقني حول قنوات التحويل بين البنوك، وإنما تكشف عن هشاشة بنيوية في النظام الاقتصادي الفلسطيني، الذي ظل منذ اتفاقات أوسلو مرتبطا بدرجة كبيرة بالاقتصاد الصهيوني، مع محدودية أدوات التحكم الفلسطينية في التجارة والحدود والإيرادات والموارد.

ويأتي تأجيل القرار في وقت تستعد فيه دولة الاحتلال لانتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوب المقبل، وسط توقعات بانتقال الملف إلى الحكومة المقبلة التي ستواجه مهمة تحديد آلية طويلة الأمد للتعامل المصرفي مع السلطة الفلسطينية والبنوك العاملة في الأراضي الفلسطينية.

وبينما يوفر التمديد حتى نهاية 2026 فترة إضافية لتجنب اضطراب واسع في المعاملات المالية والتجارية، فإنه لا يعالج جوهر المشكلة، المتمثل في اعتماد الاقتصاد الفلسطيني على ترتيبات مالية وتجارية صُممت أصلًا كحلول انتقالية، لكنها استمرت لأكثر من ثلاثة عقود، لتصبح أحد العوامل التي تحد من قدرة الفلسطينيين على بناء اقتصاد أكثر استقلالًا وتنفيذ خطط تنموية طويلة الأجل.

Exit mobile version