Site icon Palestinealyoum

الاستيطان والتهجير.. الاحتلال يصعّد حربه على الضفة

المركز الفلسطيني للإعلام

تتسع رقعة الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة على نحو متسارع، بالتوازي مع تصاعد الاعتداءات التي تستهدف الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم، في مشهد يجمع بين التوسع الاستعماري ومصادرة الأراضي وهدم المنازل والحصار والتهجير القسري.

وفي الوقت الذي تدفع فيه سلطات الاحتلال بمشاريع استيطانية ضخمة لفرض وقائع جغرافية جديدة، تتولى مجموعات المستعمرين تنفيذ اعتداءات يومية على القرى والبلدات والتجمعات الفلسطينية، تحت حماية قوات الاحتلال.

ويرسم التقرير الأسبوعي للمكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان صورة واسعة لحجم هذه الانتهاكات، من مشروع «E1» الاستيطاني الذي يستهدف منطقة استراتيجية بين القدس وأريحا، إلى أوامر مصادرة الأراضي، مروراً بحصار العائلات وإخلائها وهدم مساكنها والاعتداء على المزارعين وقطع الطرق والمياه والكهرباء، بما يعكس تصعيداً يستهدف الوجود الفلسطيني على الأرض وليس مجرد حوادث منفصلة.

قال المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان إن سلطات الاحتلال الإسرائيلي نشرت الأسبوع الماضي أول عطاء لبناء 1234 وحدة استعمارية ضمن مشروع «E1»، من أصل 3401 وحدة صودق عليها ضمن المشروع، بهدف ربط مستعمرة «معاليه أدوميم» بمدينة القدس.

وأوضح المكتب، في تقريره الأسبوعي حول الاستيطان، أن الوحدات تتوزع على سبعة مجمعات بناء منفصلة داخل المخطط الجنوبي للمشروع، على تلة تقع شمال الطريق السريع رقم 1 الواصل بين القدس وأريحا، وضمن ما يسمى النفوذ البلدي لمستعمرة «معاليه أدوميم».

وأشار إلى أن الحكومات الإسرائيلية امتنعت لأكثر من ثلاثة عقود عن المضي في المشروع بسبب المعارضة الدولية الواسعة، فيما جاء نشر العطاء قبل تقديم دولة الاحتلال ردها الرسمي على الالتماس الذي تقدمت به جمعيات «عير عميم» و«بمكوم» و«السلام الآن»، إلى جانب عدد من الجمعيات الفلسطينية، للمطالبة بوقف العمل في المشروع.

ولفت إلى أن الجمعيات الإسرائيلية اعتبرت نشر العطاء خرقاً لالتزام قدمته نيابة دولة الاحتلال في 19 تموز/ يوليو الماضي بإبلاغ مقدمي الالتماس مسبقاً في حال قررت الحكومة المضي في نشر أي عطاء يتعلق بمشروع «E1».

وبيّن التقرير أن منطقة «E1» تمتد على مساحة تقارب 12 كيلومتراً مربعاً، أي نحو 12 ألف دونم، وتقع بين القدس ومستعمرة «معاليه أدوميم»، مشيراً إلى أن فكرة المخطط طرحت لأول مرة عام 1994، قبل أن يجري توسيع النفوذ بهدف إقامة تواصل استعماري بينها وبين القدس.

وأضاف أن بنيامين نتنياهو، عندما كان وزيراً لجيش الاحتلال في أواخر تسعينيات القرن الماضي، صادق على المخطط الهيكلي الأولي للمنطقة، الذي يحمل الرقم 420/4، لتخصيص الأراضي للبناء السكني والتجاري والسياحي، فيما أقامت سلطات الاحتلال، رغم تجميد البناء السكني، مقر قيادة الشرطة الإسرائيلية في الضفة الغربية فوق تلال «E1»، وشقت طرقاً وبنى تحتية تمهيداً للبناء مستقبلاً.

وفي موازاة ذلك، أصدرت سلطات الاحتلال أمراً عسكرياً يقضي بالاستيلاء على نحو 1152 دونماً من أراضي بلدات سنجل واللبن الشرقية وقريوت، بهدف توسيع مستعمرة «كرمي عوز» وتعزيز التواصل الجغرافي بين المستعمرات والبؤر الاستعمارية القائمة بين نابلس ورام الله.

وأوضح التقرير أن الأراضي المستهدفة تقع في مناطق مختلفة من البلدات الثلاث، وأن القرار يأتي استكمالاً لقرارات إسرائيلية صدرت منذ عام 2023 بهدف تسوية وضع وشرعنة البؤر الاستعمارية المقامة في المنطقة، ولا سيما بؤرتي «غفعات هريئيل» و«غفعات هروئيه».

وتواصلت اعتداءات المستعمرين على المواطنين في عدد من قرى وبلدات الضفة الغربية، بالتزامن مع عمليات حصار وتهجير قسري للمنازل، وإغلاق الطرق وقطع الخدمات الأساسية واقتحام المنازل، في ممارسات تستهدف دفع السكان إلى الرحيل عن أراضيهم.

وفي قرية جالود جنوب نابلس، اضطر المواطن محمود الطوباسي وعائلته إلى إخلاء منزلهم بعد تعرضه لحصار استمر نحو شهرين، شمل إغلاق الطريق المؤدي إليه وقطع المياه والكهرباء، قبل أن يقتحم مستعمرون مسلحون المنزل ويهددوا أفراد العائلة بالقتل أو إحراق المنزل، ما دفعهم إلى مغادرته قسراً.

وفي بلدة قصرة، تتعرض عائلات في منطقة رأس العين لحصار واعتداءات من قبل المستعمرين وقوات الاحتلال منذ مطلع العام، على خلفية محاولات إقامة بؤرة استعمارية في المنطقة. وتعرض منزل المواطن لؤي أبو ريدة لاقتحامات وتخريب وسرقة كاميرات المراقبة، فيما أقام مستعمرون بؤرة رعوية في شباط/ فبراير الماضي ونصبوا خياماً في المنطقة.

وبلغ التصعيد ذروته في التاسع من آب/ أغسطس الجاري، عندما أعاد المستعمرون نصب خيمتهم وأغلقوا الطرق بالحجارة والسواتر، وقطعوا خطوط الكهرباء والمياه عن عدد من العائلات، بحماية قوات الاحتلال.

وحولت قوات الاحتلال المنطقة إلى منطقة عسكرية مغلقة، وأجبرت عائلات فلسطينية على إخلاء منازلها، وحولت نحو 16 منزلاً في جبل رأس العين ومحيطه إلى ثكنات عسكرية ومراكز مراقبة، وفرضت حظر التجول وأغلقت المحال التجارية، كما منعت وصول ناشطين فلسطينيين ودوليين لإيصال المواد الأساسية إلى العائلات المحاصرة.

وتأتي هذه الممارسات في سياق أوسع من تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، إذ وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أكثر من 1260 حادثة مرتبطة باعتداءات المستوطنين منذ بداية عام 2026 وحتى منتصف تموز/ يوليو، في نحو 250 تجمعاً فلسطينياً، بمعدل يقارب ستة حوادث يومياً.

كما أصيب نحو 850 فلسطينياً منذ بداية العام في سياق هجمات المستوطنين، بينهم نحو 690 أصيبوا على أيدي المستوطنين، فيما تجاوز عدد الفلسطينيين الذين هُجروا خلال عام 2026 بسبب عمليات الهدم واعتداءات المستوطنين 3200 شخص.

وتكشف هذه الأرقام أن الاعتداءات لم تعد مقتصرة على عمليات فردية، بل باتت تمس قدرة العائلات على البقاء في مناطقها، عبر الجمع بين العنف المباشر والقيود على الحركة والاستيلاء على الأراضي وتدمير مصادر المياه والزراعة وإغلاق الطرق.

وفي القدس، خرب مستعمرون بئراً للمياه في تجمع بير المسكوب البدوي شرق القدس، ونفذوا أعمال تلويث فيها، كما توسعت بؤرة استعمارية في تجمع معازي جبع البدوي. وفي بلدة سلوان، أجبرت سلطات الاحتلال المواطن مأمون سالم شيوخي على هدم منزله ذاتياً في حي العين الفوقا بحجة عدم الترخيص، فيما هدمت قوات الاحتلال في قرية قلنديا منزل المواطن ذيب حمد المكون من طابقين، وتبلغ مساحة كل منهما 250 متراً مربعاً.

وفي الخليل، هاجم مستعمرون منازل المواطنين بالحجارة وأطلقوا الرصاص الحي باتجاهها في منطقة البويرة شرق مدينة الخليل، فيما أصيب مواطنان بالرصاص الحي وثمانية آخرون جراء الاعتداء عليهم بالضرب خلال هجوم نفذه مستعمرون بحماية قوات الاحتلال في منطقة الرأس.

وشق مستعمرون طريقاً في أراضي المواطنين بمنطقة أبو عشرة قرب تجمعي رابود وأبو العرقان جنوب غربي الخليل باستخدام آليات ثقيلة، بالتزامن مع منع المواطنين من الوصول إلى أراضيهم. كما هدمت قوات الاحتلال مسكناً من الصفيح في خربة الفخيت، إضافة إلى منشآت زراعية ووحدة صحية في خربة التبان بمسافر يطا.

وفي رام الله، أقام مستعمرون بؤرة استعمارية ونصبوا خيمة قرب مدخل بلدة دير جرير، واستولى آخرون على جرار زراعي لجمع النفايات يعود للمجلس القروي في قرية برقا.

وفي قرية المغير، أصيب عدد من المواطنين، بينهم أطفال، بحالات اختناق خلال اقتحام قوات الاحتلال للقرية وإطلاق قنابل الغاز السام، عقب مهاجمة مستعمرين حي شعب اللوز شمال غرب القرية ومحاولتهم مداهمة عدد من المنازل.

وفي بلدة سنجل، اعتدى مستعمرون على آلية في كسارة، واقتحموا منطقة «غرابة» وقطعوا كوابل كهرباء من آلية لقص الحجر، وسرقوا لوحة إلكترونية تقدر قيمتها بنحو 60 ألف شيقل. كما رعى مستعمرون أغنامهم في أراضي المواطنين بمنطقة «شوريا»، ما أدى إلى إتلاف محاصيل زراعية، فيما شرع آخرون في دير عمار بشق طريق استيطاني جديد قرب المنازل.

وفي طولكرم، قطع مستعمرون عدداً من أشجار التين وخربوا شبكة ري زراعية قرب قرية رامين، فيما شرع آخرون بإقامة بؤرة استعمارية جديدة في قرية النزلة الشرقية تربط بين مستعمرة «حرميش» والبؤرة الرعوية المقامة في منطقة السنبلة.

وفي قرية كفر صور، سلمت قوات الاحتلال أربعة إخطارات هدم شملت بناية سكنية مكونة من عشرة طوابق، وفيلا ومنزلين آخرين قيد الإنشاء.

وفي نابلس، هاجم مستعمرون طاقم بلدية قصرة أثناء توجهه لإعادة التيار الكهربائي إلى المنازل المحاصرة، فيما احتجزت قوات الاحتلال ثلاثة من أفراد الطاقم. وفي بلدة بورين، قطع مستعمرون أعمدة كهرباء تغذي منزل عائلة صوفان القريب من مستعمرة «يتسهار»، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عنه.

وفي قرية بيت أمرين، واصل مستعمرون إغلاق طرق فرعية تصل إلى منازل المواطنين وأراضٍ زراعية، فيما اعتدوا في المسعودية على مواطنين بالضرب ورش غاز الفلفل وحطموا مقدمة مركبتهم.

وفي بلدة بيت دجن، اقتحمت قوات الاحتلال المنطقة الشرقية برفقة جرافة عسكرية، وهدمت منشأة سكنية تبلغ مساحتها 100 متر مربع وبركسين زراعيين، وردمت بئراً لجمع المياه.

وفي جنين، اعترض حراس إحدى المستعمرات مركبة تابعة لشركة توزيع كهرباء الشمال كان يستقلها موظفان، وأجبروهما على التوقف وفتشوا المركبة وعبثوا بمحتوياتها وهواتفهما وبطاقاتهما الشخصية، واستولوا على مبلغ مالي كان بحوزة أحدهما.

وفي قرية فقوعة، احتجز مستعمرون مواطنين أثناء قطفهما ثمار الصبر في أرضيهما، قبل وصول قوات الاحتلال واعتقال المزارعين منير صلاح وأحمد عبد الله زيدان.

وفي الأغوار، هدمت قوات الاحتلال نحو 20 مسكناً مبنياً من البلاستيك وألواح الزينكو والأسمنت، بينها ثلاثة مساكن مأهولة تستخدم بشكل موسمي من مزارعين يأتون إلى المنطقة للعمل في الزراعة ورعاية المحاصيل.

وفي تجمع الدعيسات بالجفتلك، أخطرت قوات الاحتلال بهدم نحو 40 مسكناً ثابتاً لأصحاب الأغنام، فيما واصلت برفقة مستعمرين تدمير المحاصيل الزراعية وخطوط المياه في سهل البقيعة بالرأس الأحمر في الأغوار الشمالية.

وتتجاوز هذه الانتهاكات، في مجموعها، حدود الاعتداءات المتفرقة لتكشف عن سياسة متكاملة تقوم على توسيع الاستيطان ومصادرة الأرض، مقابل التضييق على الفلسطينيين في مساكنهم ومزارعهم ومصادر رزقهم. فبينما تُرسم مخططات استيطانية كبرى لتغيير جغرافيا الضفة، يجري على الأرض دفع العائلات إلى الرحيل عبر الحصار والهدم والاعتداء وقطع الخدمات.

ويحذر استمرار هذه الممارسات من واقع أكثر خطورة، تتحول فيه البؤر الاستعمارية إلى أدوات لفرض السيطرة على مساحات جديدة، فيما يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام تضييق متواصل على إمكانية البقاء والوصول إلى أراضيهم.

وبين مشروع استيطاني يمتد على آلاف الدونمات واعتداء يستهدف منزلاً أو مزرعة أو طريقاً، تتشكل صورة واحدة عنوانها فرض أمر واقع جديد على الأرض الفلسطينية.

Exit mobile version