
المركز الفلسطيني للإعلام
لا يجري التوسع الاستعماري في الضفة الغربية المحتلة بصورة متفرقة أو عبر قرارات منفصلة، بل ضمن مسار متكامل تتقدم فيه سلطات الاحتلال خطوة بعد أخرى من التخطيط والمصادقة إلى طرح العطاءات وتهيئة الأراضي، بالتوازي مع مصادرة مساحات واسعة من الأرض الفلسطينية وتصعيد اعتداءات المستوطنين والجيش، في محاولة لإعادة رسم جغرافيا الضفة وفرض واقع استعماري دائم على حساب الوجود الفلسطيني.
وتكشف معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن حجم هذا المسار منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 بلغ مستويات غير مسبوقة، مع انتقال مشاريع استعمارية عديدة من مرحلة المخططات إلى التنفيذ الفعلي، في وقت تتواصل فيه عمليات الاستيلاء على الأراضي وهدم المنشآت واستهداف المواطنين وممتلكاتهم، بما يجعل الاستيطان جزءًا من منظومة متكاملة تستهدف الأرض والإنسان معًا.
E1.. من المخطط إلى العطاءات
وتبرز منطقة E1 شرقي القدس المحتلة بوصفها أحد أخطر عناوين هذا التصعيد؛ إذ أدخلت سلطات الاحتلال كامل الوحدات الاستعمارية المقررة ضمن المشروع إلى مسار العطاءات التنفيذية، بإجمالي 3401 وحدة استعمارية، بعد توزيعها على عطاءين منفصلين.
ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، طرحت سلطات الاحتلال في 18 آب/أغسطس الماضي عطاءً لبناء 1234 وحدة، وحددت 19 تشرين الأول/أكتوبر موعدًا نهائيًا لاستقبال العروض، فيما جرى تحديث عطاء آخر في 7 أيلول/سبتمبر ليشمل 2167 وحدة، مع تحديد 21 كانون الأول/ديسمبر موعدًا نهائيًا لتقديم العروض.
وتؤكد الهيئة أن خفض عدد الوحدات في العطاء الأول لا يعني تقليص المشروع أو التراجع عنه، وإنما إعادة توزيع الوحدات الـ3401 على عطاءين متكاملين، بما يعني أن كامل الوحدات التي أُقرت للمشروع أصبحت مشمولة بإجراءات تنفيذية.
وتكتسب هذه الخطوة خطورتها من الموقع الجغرافي للمشروع، إذ يقع بين القدس المحتلة ومستعمرة “معاليه أدوميم”، ما يهدد بقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، وتعميق عزل القدس عن محيطها الفلسطيني.
كما تتزامن مواعيد العطاءات مع الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، إذ ينتهي استقبال عروض عطاء الـ1234 وحدة قبل الانتخابات بثمانية أيام، فيما يفتح عطاء الـ2167 وحدة أمام المتنافسين قبلها بيومين، في مؤشر على تسريع الإجراءات الاستعمارية وفرض وقائع جديدة على الأرض.
89 مخططًا.. و19 ألف وحدة استعمارية
ولا تقف المسألة عند مشروع E1، إذ تظهر البيانات الرسمية اتساعًا كبيرًا في دائرة التخطيط الاستعماري منذ بدء الحرب.
فخلال الفترة الممتدة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، دفعت سلطات الاحتلال باتجاه 89 إجراءً تخطيطيًا في الضفة الغربية، تضمنت مخططات بإجمالي 19,221 وحدة استعمارية على مساحة تقارب 23,129 دونمًا.
وفي مرحلة لاحقة، صادقت سلطات الاحتلال على 148 مخططًا تضمنت 24,913 وحدة استعمارية على مساحة تجاوزت 29 ألف دونم، بما يعكس انتقال مساحات واسعة من الأراضي من مرحلة التخطيط إلى مراحل أكثر تقدمًا باتجاه البناء والتنفيذ.
أما داخل حدود ما تسمى “بلدية الاحتلال” في القدس، فقد رُصد 85 إجراءً لإيداع مخططات تضمنت 16,005 وحدات استعمارية على نحو 1628 دونمًا، إلى جانب 93 إجراء مصادقة شملت 15,156 وحدة على مساحة تجاوزت أربعة آلاف دونم.
وتوجّهت هذه المشاريع لاحقًا إلى مرحلة العطاءات؛ إذ رصدت الهيئة منذ بدء الحرب 97 عطاءً استعماريًا تضمنت 15,760 وحدة، بينها 84 عطاءً في الضفة الغربية شملت 12,872 وحدة، و13 عطاءً داخل حدود بلدية الاحتلال في القدس تضمنت 2888 وحدة.
وهكذا، لا تبدو العطاءات منفصلة عن التخطيط، بل تمثل الحلقة التنفيذية لمسار يبدأ بتحديد الأرض والوحدات، ثم الإيداع والمصادقة، وصولًا إلى طرح المشاريع أمام الشركات وتهيئة الظروف اللازمة لتنفيذها.
64.2 ألف دونم.. الأرض في مرمى الاستيلاء
وبالتوازي مع هذا التوسع العمراني الاستعماري، تتقدم عملية السيطرة على الأرض بوتيرة واسعة؛ إذ بلغت الحصيلة التراكمية التقديرية للأراضي الفلسطينية التي جرى الاستيلاء عليها منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 نحو 64.2 ألف دونم.
وتنوعت أدوات الاستيلاء بين أوامر وضع اليد العسكرية، وإعلانات ما يسمى “أراضي الدولة”، وقرارات الاستملاك، وتوسيع حدود المحميات الطبيعية، إلى جانب إجراءات أخرى تستخدمها سلطات الاحتلال لإحكام قبضتها على الأراضي الفلسطينية.
وبحسب البيانات التي أعلنتها هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، صدرت 231 أمرًا وإجراءً لوضع اليد العسكري طالت نحو 5268 دونمًا، بينها أوامر لإنشاء مناطق عازلة حول المستعمرات وأخرى لشق طرق أمنية وعسكرية، فيما جرى الإعلان عن نحو 29.7 ألف دونم باعتبارها “أراضي دولة”، في واحدة من أكبر عمليات تحويل الملكية والسيطرة على الأرض خلال العقود الماضية.
كما شملت الإجراءات 11 قرارًا للاستملاك بمساحة إجمالية تقارب 3534 دونمًا، إلى جانب زيادة حدود المحميات الطبيعية بنحو 20 ألف دونم، فيما طالت إحدى عمليات الاستملاك في سبسطية وحدها أكثر من ألفي دونم.
ولا تنفصل هذه الإجراءات عن التوسع الاستعماري، إذ إن السيطرة على الأرض تمثل الأساس الذي تقوم عليه إقامة المستعمرات وشق الطرق وتوسيع البؤر وفرض منظومة عمرانية تخدم المستوطنين وتحاصر التجمعات الفلسطينية.
اعتداءات بالمئات يوميًا
وعلى الأرض، يترافق المسار التخطيطي والاستعماري مع تصعيد واسع في الاعتداءات بحق الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم.
فمنذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 62,916 اعتداءً نفذها جيش الاحتلال والمستعمرون في الضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة، منها 48,174 اعتداءً نفذها جيش الاحتلال و14,742 اعتداءً نفذها المستعمرون.
وسجلت الهيئة 66 شهيدًا جراء اعتداءات المستعمرين، فيما تعرضت 376 قرية وتجمعًا سكانيًا لهجمات المستوطنين، إضافة إلى تسجيل 1182 حريقًا استهدفت الممتلكات والمركبات والأراضي.
وتكشف حصيلة أيلول/سبتمبر وحده عن استمرار هذا التصعيد؛ إذ نفذ جيش الاحتلال والمستوطنون 2051 اعتداءً خلال شهر واحد، منها 1404 اعتداءات نفذها جيش الاحتلال و647 نفذها المستوطنون، توزعت على مختلف محافظات الضفة والقدس.
وتصدرت رام الله والبيرة المحافظات في عدد الاعتداءات خلال أيلول بـ506 اعتداءات، تلتها نابلس بـ342، ثم الخليل بـ272، وجنين بـ202، وبيت لحم بـ187، وطولكرم بـ152، والقدس بـ149 اعتداءً.
استهداف الأرض والإنسان
ولا تقتصر تداعيات هذه السياسة على مصادرة الأراضي أو إقامة المستعمرات، إذ تتكامل معها عمليات الهدم والاقتلاع والتخريب وتقييد وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم، بما يضغط على مقومات الحياة اليومية ويدفع نحو تفريغ مناطق واسعة من سكانها.
وتشير بيانات الهيئة إلى تنفيذ 1814 عملية هدم طالت 5059 منشأة فلسطينية، إلى جانب إصدار 2133 إخطارًا بهدم منشآت أخرى منذ بدء العدوان.
كما سجلت الهيئة آلاف الاعتداءات التي طالت الممتلكات، بينها 7775 اعتداءً بتخريبها وتكسيرها، و1120 واقعة استيلاء على ممتلكات، و1437 واقعة سرقة، شملت مصادرة أو سرقة آلاف رؤوس المواشي والمركبات والجرارات والأدوات الزراعية.
وفي هذا السياق، تتحول اعتداءات المستوطنين من أحداث منفصلة إلى أداة ضغط متواصلة على الفلسطينيين، خصوصًا في المناطق القريبة من المستعمرات والبؤر الاستعمارية، حيث يتعرض المزارعون والرعاة لاعتداءات تعيق وصولهم إلى أراضيهم ومصادر رزقهم.
منظومة واحدة لفرض واقع جديد
وتشير مجمل هذه الأرقام إلى أن ما يجري في الضفة الغربية يتجاوز مفهوم “التوسع الاستيطاني” بمعناه التقليدي؛ فالمشهد يقوم على منظومة مترابطة تجمع بين التخطيط الاستعماري، ومصادرة الأرض، وطرح العطاءات، وشق الطرق، وتوسيع المستعمرات والبؤر، وهدم المنشآت الفلسطينية، وتصعيد اعتداءات المستوطنين، بما يؤدي في المحصلة إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية وفرض وقائع دائمة على الأرض.
وتحذر هيئة مقاومة الجدار والاستيطان من أن هذه الإجراءات تدفع باتجاه ترسيخ واقع استعماري جديد في مناطق واسعة من الضفة الغربية والقدس المحتلة، وتقويض التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية، بما يضرب مقومات قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا.
وبينما تتقدم سلطات الاحتلال في تحويل المخططات إلى عطاءات ومشاريع قيد التنفيذ، تتسع في المقابل دائرة الأرض المستهدفة بالمصادرة والوجود الفلسطيني المستهدف بالهدم والاعتداء والتهجير، في مسار يضع الضفة الغربية أمام مرحلة أشد خطورة، عنوانها فرض السيطرة على الأرض قبل أي حديث عن مستقبلها السياسي.
