
المركز الفلسطيني للإعلام
في حلقة جديدة من مسلسل استهداف الاحتلال الإسرائيلي لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” نفذت قوات الاحتلال، الثلاثاء، عملية اقتحام واسعة لمعهد قلنديا للتدريب المهني التابع في بلدة كفر عقب شمال القدس المحتلة، وأخلت خلالها المبنى بالكامل واستولت على مجمعه ورفعت عليه علم الكيان الصهيوني، في خطوة إضافية في مسار تصفية الوجود الأممي في المدينة.
اقتحام بقيادة بن غفير وسط اعتقالات ميدانية
قاد وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير بنفسه عملية اقتحام المعهد، وأدلى عقبها بتصريحات تعبر عن إنكاره لأي وجود شرعي للأونروا في القدس، امتدادًا لحملة تحريض سياسي ممنهجة في الحكومة الإسرائيلية ضد الوكالة الأممية.
ووفق مصادر محلية، احتجزت قوات الاحتلال نحو 40 موظفًا وجميع من كان متواجدًا داخل المعهد وقت الاقتحام، وأخضعتهم لتحقيقات ميدانية قبل إخراجهم قسرًا من المكان. كما أطلقت القوات قنابل الغاز المسيل للدموع في محيط مخيم قلنديا والمعهد، فيما انتشرت آليات عسكرية في شوارع المخيم وبلدة كفر عقب ونُفذت عمليات مداهمة وتفتيش طالت عددًا من السكان.
وأكدت الأونروا في بيان لها أن قوات الاحتلال اقتحمت المركز بالقوة قرابة الساعة العاشرة صباحًا، برفقة أكثر من 50 عنصر أمن وأربع مركبات مدرعة على الأقل، بينما كان نحو 20 من موظفي الوكالة داخل المبنى.
ووصفت الوكالة ما جرى بأنه “توغل غير مصرح به ومثير للقلق العميق”، مشددة على أن دخول قوات مسلحة إلى منشأة أممية دون إذنها “أمر غير مقبول” ويشكل انتهاكًا لحصانات الأمم المتحدة المكفولة بموجب القانون الدولي.
توقيت لافت.. يوم واحد بعد زيارة دبلوماسية
اللافت أن الاقتحام جاء بعد يوم واحد فقط من زيارة ميدانية أجرتها 28 بعثة دبلوماسية معتمدة لدى دولة فلسطين، برفقة وزارة الخارجية والمغتربين ودائرة شؤون اللاجئين، اطّلعت خلالها على الانتهاكات والتهديدات التي يتعرض لها المعهد، إلى جانب مواقع أخرى متضررة في المخيم مثل مدرسة بنات قلنديا.
وقالت اللجنة الشعبية لمخيم قلنديا إن اقتحام اليوم جاء “ردًا مباشرًا” على تلك الزيارة، مشيرة إلى أن البعثات الدبلوماسية كانت قد أكدت خلال جولتها أن الأونروا مؤسسة أممية تتمتع بالحصانة، وأن المعهد يوفر التدريب المهني لنحو 320 طالبًا قادمين من مخيمات الضفة الغربية.
حماس: إمعان في العدوان
حركة حماس أكدت أن اقتحام قوة صهيونية يقودها الوزير المتطرف بن غفير، معهد قلنديا للتدريب المهني التابع لوكالة الأونروا شمالي القدس المحتلة، والاستيلاء عليه، واحتجاز موظفيه والتحقيق معهم، ورفع علم الاحتلال في ساحته؛ يمثّل إمعانا في العدوان على شعبنا وحقوقه، وخطوة خطيرة من خطوات حكومة الاحتلال الإرهابي لاستهداف الأونروا.
وفي بيان لها، قالت حماس: إن قيادة الإرهابي بن غفير لاقتحام المعهد، بعد يوم واحد فقط من زيارة 28 بعثة دبلوماسية للمركز واطلاعها على ما يتعرّض له من انتهاكات وتهديدات، والخطوة الاستفزازية برفع العلم الصهيوني في ساحته؛ يؤكّد الطبيعة الإجرامية للاحتلال وقياداته، وتحدّيهم السافر للمجتمع الدولي والقرارات الأممية.
وطالبت المجتمع الدولي، والأمم المتحدة ومؤسساتها، باتخاذ إجراءات تتصدى لمخططات الاحتلال الرامية لاستهداف الأونروا، وحماية الهيئة الأممية المعنيّة بإغاثة شعبنا، لا سيما في ظل الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها بفعل جرائم الاحتلال.
خطوة استعمارية
حذّرت محافظة القدس سابقًا من مخطط تعده بلدية الاحتلال لإعادة تخصيص أراضي المركز لمرافق تعليمية وصحية ومحور مواصلات، وهو ما يستلزم هدم معظم منشآته القائمة.
واعتبرت المحافظة أن الحديث عن “التطوير” لا يبرر إخلاء منشأة أممية قائمة تخدم آلاف الفلسطينيين، ولا يمنح سلطات الاحتلال حق الاستيلاء على موقعها أو تغيير وظيفتها بالقوة، خصوصًا أن المركز يقدم خدمات تعليمية ومهنية للاجئين منذ أكثر من سبعة عقود.
ووصفت المحافظة ما جرى بأنه “خطوة استعمارية” تستهدف الوجود الأممي وحقوق اللاجئين، وحلقة جديدة ضمن مخطط إسرائيلي أوسع يستهدف المؤسسات الدولية والفلسطينية في القدس، تمهيدًا لفرض واقع جديد على الأرض.
معهد قلنديا.. أكثر من سبعة عقود من الخدمة في مرمى الاستهداف
تأسس معهد قلنديا للتدريب المهني عام 1952 ليكون أول مركز تدريب تابع للأونروا على الإطلاق، ويوفر سنويًا فرص تدريب فني ومهني لنحو 340 شابًا من لاجئي فلسطين في الضفة الغربية، عبر 16 تخصصًا تشمل الكهروميكانيك وميكاترونيك السيارات والنجارة والبناء والاتصالات والتصميم الداخلي، فيما يجد نحو 90% من خريجيه فرص عمل بعد التخرج.
يمتد المركز على مساحة 80 دونمًا، ويضم ورش عمل تدريبية وغرفًا صفية ومساكن داخلية ومباني إدارية، تُقدَّر قيمة أصولها بأكثر من 5 ملايين دولار، بعد استثمارات كبيرة ضختها الأونروا والجهات المانحة في تجديد مبانيه على مدى السنوات الماضية.
وتؤكد الأونروا أن أراضي المركز قدمتها الحكومة الأردنية للوكالة بموجب اتفاق أُبرم في 16 أكتوبر/تشرين الأول 1952 لغرض توفير التدريب المهني للاجئين الفلسطينيين، وأن هذا الاتفاق لا يزال ساريًا حتى اليوم، وأن المركز كغيره من منشآت الوكالة الأممية محمي بامتيازات وحصانات الأمم المتحدة بموجب القانون الدولي.
ولم يكن اقتحام الثلاثاء الأول من نوعه؛ إذ اقتحمت قوات الاحتلال المعهد خمس مرات على الأقل منذ مطلع عام 2026، من بينها اقتحام في تموز/يوليو الماضي رافقه مسؤولون من بلدية الاحتلال أثناء وجود الطلبة والهيئة التدريسية، ما أدى إلى وقف الأنشطة التعليمية خلال العملية.
سياق أوسع: تصعيد ممنهج ضد الأونروا في القدس وغزة
لا ينفصل ما جرى في قلنديا عن سلسلة إجراءات إسرائيلية متواصلة ضد منشآت الأونروا في القدس المحتلة؛ ففي مطلع عام 2025 أغلقت إسرائيل المقر الرئيسي للوكالة في حي الشيخ جراح بشرقي القدس المحتلة، ثم أعلنت مصادرته، قبل أن يُجرَّف المبنى ويُحرق في كانون الثاني/يناير 2026، في انتهاك جسيم لحصانات الأمم المتحدة وممتلكاتها.
وعلى صعيد أوسع، عبّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان في بيان مؤخرا عن قلقه البالغ إزاء إعلان ما يسمى “مجلس السلام” عزمه إنهاء دور الأونروا في قطاع غزة، معتبرًا ذلك تجاوزًا غير قانوني لتفويض الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أنشأت الوكالة بموجب القرار 302 لعام 1949، وجددت ولايتها قبل أشهر قليلة حتى عام 2029 بدعم واسع من الدول الأعضاء.
وانتقد المرصد ما نشره “مجلس السلام” من أنه “لا مكان للأونروا في غزة الجديدة”، معتبرًا أن هذا الخطاب يتجاهل أن حاجة سكان غزة للمساعدات نتيجة مباشرة للاحتلال والحصار والتجويع، لا “ثقافة اعتماد” كما تروّج بعض الأطراف. كما اعتبر أن ربط تمويل الإغاثة الإنسانية بمشاريع سياسية بديلة يفرغ إعادة الإعمار من بعدها الحقوقي، ويهدف إلى استبدال ولاية أممية راسخة بجهة غير خاضعة للمساءلة أمام الجمعية العامة أو مجلس الأمن.
وذكّر المرصد بأن استهداف الأونروا يندرج ضمن نمط واسع طال طواقمها ومنشآتها المحمية دوليًا، إذ استشهد 391 من موظفيها والعاملين معها، وتضررت أو دمرت 312 منشأة تابعة لها، كان بعضها يؤوي نازحين مدنيين قبل أن يتحولوا داخلها إلى ضحايا. كما أشار إلى استمرار منع الموظفين الدوليين للوكالة من دخول الأرض الفلسطينية المحتلة منذ نحو 18 شهرًا، معتبرًا ذلك جزءًا من خنق ممنهج لعملها ميدانيًا ومؤسسيًا.
وطالب المرصد المجتمع الدولي والدول الأعضاء في الأمم المتحدة برفض أي مسعى لتقويض ولاية الأونروا أو استبدالها بترتيبات سياسية موازية، والوفاء الكامل بالتعهدات المالية تجاهها، وضمان دخول آمن وفوري لموظفيها الدوليين، تماشيًا مع التزامات الدول بموجب الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر عام 2025.

