
المركز الفلسطيني للإعلام / خاص
تتجه البرازيل إلى نقاش تشريعي حساس بشأن تصنيف 17 تنظيمًا وحركة سياسية وعسكرية مرتبطة بعدد من الدول العربية ضمن ما يسمى “قوائم الإرهاب”، في خطوة تتجاوز استهداف حركتي حماس وحزب الله، وتفتح الباب أمام تداعيات سياسية ودبلوماسية وحقوقية قد تطال علاقات برازيليا مع الشرق الأوسط، فضلًا عن أنشطة الجاليات العربية والإسلامية داخل البلاد.
وتأتي هذه التطورات وسط تحرك برلماني لتوسيع قانون مكافحة الإرهاب، بما يشمل تجريم بعض أشكال التحريض والدعاية والتجنيد والتمويل، وسط مطالب بإخضاع المشروع لمراجعة حقوقية ودستورية أوسع، ومخاوف من انعكاساته على حرية التعبير والعمل الإنساني والتضامن مع القضية الفلسطينية.
من حماس وحزب الله إلى 17 تنظيمًا.. كيف اتسع المشروع؟
تعود جذور المشروع – وفق تقدير سياسي للمنتدى اللاتيني الفلسطيني- إلى التاسع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين تقدم النائب البرازيلي أبيليو برونيني، إلى جانب نواب آخرين، بمشروع القانون رقم PL 4894/2023، بهدف فرض إجراءات قانونية وسياسية واقتصادية ضد حركتي حماس وحزب الله، وتصنيفهما تنظيمين إرهابيين في البرازيل.
لكن المبادرة لم تبقَ محصورة في نطاقها الأولي، إذ أُلحقت بها ثلاثة مشروعات تشريعية أخرى، قبل أن تقدم النائبة كارلا ديكسون، مقررة المشروع في لجنة العلاقات الخارجية والدفاع الوطني، في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تقريرًا يتضمن نصًا بديلًا موسعًا.
وبموجب الصيغة المقترحة، امتد نطاق التصنيف ليشمل 17 تنظيمًا وحركة من فلسطين ولبنان واليمن والعراق والسودان ومصر والأردن، بينها حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وحزب الله وأنصار الله (الحوثيون)، إلى جانب جماعات عراقية وأخرى مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين في عدد من الدول العربية.
ولا يقتصر التوسع على زيادة عدد التنظيمات المستهدفة، بل يعكس انتقال المشروع من مبادرة مرتبطة بتداعيات الحرب على غزة إلى محاولة أوسع لإعادة صياغة تعامل القانون البرازيلي مع تنظيمات وحركات تنشط في بيئات سياسية وأمنية مختلفة، وفق المنتدى اللاتيني الفلسطيني.
ماذا حدث في البرلمان البرازيلي؟
شهد الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري محطة مهمة في مسار المشروع، عندما بدأت لجنة العلاقات الخارجية والدفاع الوطني بمجلس النواب البرازيلي النظر في تقرير ديكسون، الذي أوصى بالموافقة على المبادرات التشريعية المدمجة ضمن نص بديل.
غير أن الجلسة لم تنته بالتصويت على التقرير، بعدما منح النائب ألينكار سانتانا، من حزب العمال، مهلة للاطلاع على التقرير ودراسته قبل استكمال المناقشة.
وفي اليوم نفسه، تقدم النائب بادري جواو، من الحزب ذاته، بطلب لإشراك لجنة حقوق الإنسان والأقليات والمساواة العرقية في مراجعة المشروع، بما يفتح المجال أمام دراسة إضافية لتداعياته على الحقوق والحريات الأساسية.
ولا يعني هذا التطور سقوط المشروع أو رفضه، كما لا يمثل إقرارًا له؛ إذ سجل مجلس النواب بدء دراسة المبادرة دون استكمالها. لكن أهمية ما جرى تكمن في انتقال النقاش من مجرد التصويت على قائمة التنظيمات المستهدفة إلى بحث طبيعة الأحكام القانونية المقترحة، وحدود التجريم، ومدى توافقها مع الضمانات الدستورية البرازيلية.
تعديلات قانونية تتجاوز التصنيف إلى تجريم الدعاية والتمويل
يتضمن تقرير ديكسون مقترحات لتعديل القانون البرازيلي رقم 13.260 لسنة 2016، الخاص بمكافحة الإرهاب، عبر توسيع نطاق الأفعال التي يمكن أن تترتب عليها مسؤولية جنائية.
ومن أبرز هذه التعديلات تجريم بعض أشكال التأييد العلني المرتبطة بالتحريض على ارتكاب أعمال إرهابية أو تشجيع التجنيد لتنفيذها أو تمجيد تلك الأعمال، بعقوبات مقترحة تتراوح بين خمس وثماني سنوات من السجن، إضافة إلى الغرامة.
كما يتضمن النص عقوبات تتراوح بين سنتين وخمس سنوات على استخدام الدعاية أو الرموز عندما تقترن بقصد تشجيع الإرهاب أو التجنيد المرتبط به.
وفي المقابل، يتضمن المشروع استثناءات للإشارات الصحفية والعلمية والتاريخية والتعليمية والفنية والنقدية، وللدفاع السلمي عن الحقوق والحلول السياسية.
ويمتد التعديل إلى ملف التمويل، إذ يقترح توسيع نطاق العقوبات المتعلقة بتقديم الأموال للتنظيمات المدرجة، مع اشتراط العلم بطبيعة الجهة المستفيدة، وتضمين استثناءات للمساعدات الإنسانية التي تقدمها منظمات محايدة وفق الشروط المحددة في النص.
وتشمل المقترحات أيضًا إجراءات اقتصادية ومالية، وأحكامًا تتعلق بالأجانب المدانين بجرائم الإرهاب، وإمكانية إبعادهم وفق قانون الهجرة البرازيلي.
وتثير هذه التعديلات وفق التقدير السياسي، تساؤلات بشأن كيفية التمييز بين النشاط السياسي السلمي والدعاية المحظورة، وبين المساعدات الإنسانية وأشكال التمويل التي يمكن أن تندرج تحت التجريم، خصوصًا في ظل تعقيدات العمل الإغاثي والتحويلات المالية إلى مناطق النزاع.
هل يهدد المشروع التضامن مع فلسطين؟
تمثل حرية التعبير والعمل التضامني إحدى أكثر القضايا حساسية في النقاش الدائر، بالنظر إلى وجود جاليات فلسطينية وعربية وإسلامية واسعة في البرازيل، إلى جانب مؤسسات ثقافية واجتماعية وجمعيات تنشط في المجال الإنساني والسياسي.
ورغم أن النص المقترح لا يجرّم بصورة تلقائية الانتماء القومي أو الديني، ويتضمن استثناءات للأنشطة الصحفية والعلمية والدفاع السلمي عن الحقوق، فإن صياغات التجريم المتعلقة بالدعاية والرموز والتحريض قد تثير إشكاليات عند التطبيق.
وتبرز المخاوف بصورة خاصة في ثلاثة مجالات: التظاهرات والفعاليات التضامنية مع فلسطين، والندوات والأنشطة الثقافية والسياسية، وجمع التبرعات وإرسال المساعدات الإنسانية إلى الأراضي الفلسطينية ومناطق أخرى في الشرق الأوسط.
كما أن اتساع قائمة التنظيمات قد يفرض تحديات إضافية على المؤسسات المالية والجمعيات المدنية، فيما يتعلق بإجراءات التحقق من التحويلات والمستفيدين، خشية الوقوع تحت طائلة أحكام التمويل المقترحة.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين هذه المخاوف والنتائج القانونية الفعلية؛ فالمشروع لم يصبح قانونًا نافذًا، ولا توجد حتى الآن نتائج مثبتة تشير إلى فرض قيود جديدة على أنشطة الجاليات بسبب هذه المبادرة.
تداعيات محتملة على علاقات البرازيل بالدول العربية
لا تقف التداعيات المحتملة عند الداخل البرازيلي، إذ يمكن أن ينعكس إقرار المشروع على علاقات برازيليا مع عدد من الدول العربية، بالنظر إلى إدراجه تنظيمات ترتبط بساحات سياسية وأمنية مختلفة.
فإدراج حزب الله والجماعة الإسلامية قد يثير نقاشًا بشأن العلاقات مع لبنان، فيما يفتح إدراج تنظيمات فلسطينية متعددة أسئلة تتعلق بموقف البرازيل من القضية الفلسطينية، والتمييز بين دعم الحقوق الوطنية الفلسطينية والتعامل القانوني مع تنظيمات محددة.
كما يمتد نطاق المشروع إلى اليمن والعراق والسودان ومصر والأردن، بما يجعل تداعياته المحتملة أوسع من العلاقات البرازيلية الإسرائيلية أو الفلسطينية.
وفي هذا السياق، لا يعني التصنيف المقترح فرض عقوبات تلقائية على الدول التي تنشط فيها التنظيمات، أو على مواطنيها، وإنما يتوقف الأثر على الصيغة النهائية للقانون وآليات تطبيقه، وطبيعة العلاقات السياسية والدبلوماسية لكل دولة، وفق المنتدى اللاتيني الفلسطيني.
هل تتغير سياسة البرازيل تجاه فلسطين؟
حسب التقدير السياسي، لا يمكن اعتبار المشروع حتى الآن تحولًا رسميًا في السياسة الخارجية البرازيلية، إذ لا يزال في مرحلة المراجعة البرلمانية، ولم يصدر قرار عن السلطة التنفيذية بتبني جميع التصنيفات الواردة فيه.
لكن المبادرة تكشف -وفق التقدير- عن تداخل متزايد بين السياسة الخارجية والتشريعات الداخلية، فبينما تتولى الحكومة والرئاسة إدارة العلاقات الدبلوماسية، يمتلك البرلمان صلاحيات تشريعية يمكن أن تفرض قيودًا قانونية ومالية تؤثر في علاقات البرازيل الخارجية.
وتبرز هنا أهمية موقف الرئيس لولا دا سيلفا وحكومته، ومدى التوافق بين توجهاتهما الدبلوماسية تجاه القضية الفلسطينية وبين أي تشريع محتمل يتبناه البرلمان. كما أن تحركات نواب من حزب العمال لمراجعة المشروع أو تأخير التصويت عليه لا تعني بالضرورة صدور موقف رسمي من الرئاسة، لكنها تكشف عن وجود تباينات داخل المؤسسة التشريعية بشأن حدود التوسع في قوانين مكافحة الإرهاب.
خمسة سيناريوهات تحدد مستقبل المشروع
تتوقف المرحلة المقبلة على عدد من المسارات التشريعية، أبرزها – وفق تقدير المنتدى اللاتيني الفلسطيني- استئناف اللجنة مناقشة تقرير ديكسون والتصويت عليه، أو إدخال تعديلات على قائمة التنظيمات والأحكام العقابية المقترحة.
كما يبقى احتمال توسيع المراجعة لتشمل لجنة حقوق الإنسان قائمًا، وهو ما قد يفتح نقاشًا أوسع بشأن حرية التعبير والضمانات الدستورية والمساعدات الإنسانية.
وفي المقابل، قد يستمر تأجيل المشروع خلال الاجتماعات المقبلة، أو تنتهي المداولات برفض التقرير أو اعتماد صيغة مختلفة عنه.
وفي جميع الأحوال، فإن موافقة لجنة العلاقات الخارجية والدفاع الوطني، إن حدثت، لن تعني وحدها تحول المشروع إلى قانون نافذ، إذ لا يزال أمامه استكمال المراحل التشريعية المقررة.
وبينما لم تحسم البرازيل موقفها النهائي، تتجاوز أهمية هذا المشروع مسألة تصنيف 17 تنظيمًا، إلى اختبار قدرة المؤسسات البرازيلية على الموازنة بين اعتبارات الأمن القومي وحرية التعبير والحقوق المدنية، في وقت أصبحت فيه تداعيات الصراع في الشرق الأوسط حاضرة بصورة متزايدة داخل النقاش السياسي والقانوني في أميركا اللاتينية.
