Site icon Palestinealyoum

الجليل في مرمى التهويد.. من بؤر “فتيان التلال” إلى هندسة الأرض والسكان

تهويد الجليل

الجليل – المركز الفلسطيني للإعلام

على تلة قرب مجد الكروم، ظهرت خيام ومنشآت لمجموعة قدمت من مستوطنات الضفة الغربية، تحت عنوان رعي المواشي، وفي المؤسسات الإسرائيلية، تتقدم أدوات أخرى للتأثير في هوية المكان وسكانه، لجان تنتقي من يُسمح لهم بالسكن، وامتيازات ضريبية مرتبطة بالتركيبة القومية للبلدات، وخطط لاستقطاب سكان يهود إلى الجليل والنقب، وبين التحرك الميداني وهذه السياسات، يتسع مشروع “تهويد الجليل” إلى ما يتجاوز إقامة بؤرة على تلة.

وتكشف مراجعة توثيق حقوقي وتصريحات سياسية ونصوص تشريعية أن حادثة مجد الكروم تلتقي مع مسارات مختلفة تعمل على الأرض والتخطيط والإسكان، ورغم تباين الجهات التي تقودها، فإنها تطرح سؤالا واحدا بالنسبة إلى الفلسطينيين في الجليل، من يملك حق البقاء والتوسع، ومن تُوجَّه الموارد العامة لتشجيعه على الاستقرار؟

ويمنح إعلان وزير المالية، رئيس حزب “الصهيونية الدينية” المتطرف “بتسلئيل سموتريتش” خطة “نعم، نهوّد”، هذه التطورات عنوانا سياسيا صريحا، بعدما وضع هدف استقطاب مليون يهودي إضافي إلى الجليل والنقب، مقرونا بحوافز في الأراضي والسكن ومشاريع للتشغيل والبنية التحتية.

مجد الكروم.. ما تكشفه سجلات الأرض

تضيف المعطيات التي نشرها مركز “عدالة” الحقوقي في 18 سبتمبر الجاري تفاصيل أساسية إلى قضية البؤرة المقامة في منطقة “الروس”، فالأرض التي أُنشئ عليها الموقع تبلغ مساحتها نحو 8.7 دونمات، وتقع داخل نطاق نفوذ مجلس مجد الكروم المحلي، ويملك أهالي البلدة نصفها، فيما يعود النصف الآخر إلى سلطة التطوير، وفق سجلات الملكية التي استند إليها المركز.

وبحسب “عدالة”، وضع القائمون على الموقع خياما ومركبات وخزانات مياه وحظيرة، وسوّوا الأرض بجرافة ووصلوا الموقع بالماء والكهرباء، وأكد المركز أن المجلس المحلي وجّه، في 15 سبتمبر، رسائل أعدها “عدالة” إلى سلطات التخطيط والأراضي للمطالبة بوقف البناء والاستخدام وإزالة الموقع.

ورفضت المراسلات اعتبار تصريح من الصندوق القومي اليهودي “كاكال” للرعي سندا لإقامة منشآت، مشيرة إلى الملكية الخاصة لجزء من الأرض وغياب الصلاحية اللازمة لمنح حقوق البناء فيها، محذّرة من عرقلة تطور البلدة مستقبلًا.

وتغيّر هذه التفاصيل زاوية النظر إلى الواقعة، فالقضية تتعلق باستخدام أرض محددة الملكية والاختصاص، لا بمجرد خلاف على وجود خيام في مساحة مفتوحة، كما أن التحذير من عرقلة تطور البلدة يربط النزاع بالحاجة إلى الأرض في المستقبل، إلى جانب حقوق أصحابها في الحاضر.

أما التقارير الإسرائيلية عن استخدام الموقع للإقامة، رغم تخصيصه المعلن للرعي، فتوضح سبب اعتراض الأهالي منذ البداية، فقد أورد موقع “يديعوت أحرونوت” وجود أسرّة ومعدات معيشة داخل الخيام، وغياب المواشي وقت رصد الموقع، ونقل اتهامات السكان بالتوسع خارج مساحة الرعي المخصصة.

من السيطرة الميدانية إلى التحكم بالسكن

يشبه هذا التسلسل نموذجا معروفا في الضفة الغربية، حضور أولي محدود، ومنشآت مؤقتة، ونشاط زراعي يُقدَّم مبررا للبقاء، ثم خلاف على الوصول إلى الأراضي المحيطة واستخدامها.

 لكن نقل هذه الأدوات إلى الجليل يجري في سياق مختلف، فالفلسطينيون هناك مواطنون داخل دولة الاحتلال، وتُدار المواجهة أيضا عبر مؤسسات التخطيط والملكية والحقوق المدنية.

ويجعل هذا الاختلاف تتبع الآليات المؤسسية ضروريا، فإزالة بؤرة قد توقف تعديا في موقع بعينه، بينما تستمر سياسات تؤثر في إمكان السكن وتخصيص الأراضي على نطاق أوسع، ومن أبرز هذه الأدوات “لجان القبول” في البلدات التعاونية، التي تنظر في طلبات الراغبين في الإقامة والحصول على أراضٍ للبناء.

في 25 يوليو 2023، أقر الكنيست توسيع نطاق هذه اللجان، بما أتاح لتجمعات تضم بين 400 و700 أسرة الاستمرار في تشغيلها، بموافقة لجنة مختصة، وكانت الآلية ترتبط سابقا بالتجمعات الأصغر، خصوصا في الجليل والنقب.

ويقول “عدالة”، إن معايير من قبيل “الملاءمة الاجتماعية” والانسجام مع النسيج الاجتماعي والثقافي استُخدمت عمليا لإقصاء مواطنين فلسطينيين عن تجمعات مقامة على أراضٍ تسيطر عليها الدولة، وقد طعنت منظمات حقوقية في هذه الآلية باعتبارها مدخلا للتمييز في توزيع موارد الأرض والسكن.

وتكمن أهمية اللجان في أنها تؤثر في هوية من يستطيع الاستفادة من التوسع العمراني. فإقامة تجمعات جديدة لا تعني تلقائيا فتح فرص السكن لجميع المواطنين، حين يخضع الدخول إليها لعملية انتقاء تعترض المؤسسات الحقوقية على معاييرها وآثارها.

الضرائب أداة لتغيير التوازن السكاني

ويظهر مسار آخر في ملف الحوافز الضريبية. ففي الرابع من يونيو 2026، قدمت جمعية حقوق المواطن التماسًا إلى المحكمة العليا باسم خمسة من سكان الناصرة، ضد قانون لتشجيع السكن في مدن مختلطة في الجليل والنقب.

وبحسب الجمعية، يربط القانون استحقاق ائتمان ضريبي بنسبة 12% بشروط تتعلق بالتركيبة السكانية للبلدة، وتقول إن المعايير صيغت لتمنح استفادة جديدة لنوف الجليل أساسا، بينما تحصل عكا، التي تستوفي الشروط أيضا، على امتياز مماثل أصلا.

ويرى الالتماس أن الغرض هو الحفاظ على أغلبية يهودية في نوف الجليل، عبر حافز مرتبط بالتركيب القومي للسكان، فيما تُستبعد الناصرة رغم أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية الأصعب ومعاناتها الهجرة السكانية السلبية، وهذه اتهامات وردت في الطعن الحقوقي، وليست حكما قضائيا حاسما.

ويضيف هذا الملف بُعدا مختلفا إلى النقاش، فتغيير اتجاهات السكن قد يتحقق بمنح الانتقال إلى بلدة أفضلية مالية، من دون إنشاء بؤرة أو مصادرة أرض جديدة، ولذلك، تصبح معايير توزيع الحوافز جزء من الصراع على المجال، خصوصا عندما تقارن بلدتان متجاورتان على أساس هويتهما السكانية بدل احتياجاتهما.

  البلدات العربية مبرر لإقامة تجمعات يهودية

وسبق أن اعترضت جمعية حقوق المواطن وجمعية “بمكوم” المعنية بحقوق التخطيط، في أغسطس 2025، على استخدام وجود تجمعات عربية وبدوية مبررا لإقامة بلدات يهودية جديدة.

وجاء اعتراضهما عقب نشر صحيفة “ذا ماركر” مضمون وثيقة لإدارة التخطيط، ربطت الحاجة إلى إضافة نقاط سكنية يهودية والسيطرة على الأرض بوجود تجمعات عربية وبدوية في المنطقة، وطالبت الجمعيتان بتوضيح أن هذه الاعتبارات لا يجوز اعتمادها لتقرير إقامة بلدات.

وبحسب موقفهما، ينبغي أن يستند التخطيط إلى احتياجات السكن والبنية التحتية وحماية المساحات المفتوحة والمساواة في توزيع الموارد، لا إلى التعامل مع العرب باعتبارهم سكانا ينبغي تقييد مجال إقامتهم عبر إحاطتهم بتجمعات أخرى.

وتُظهر هذه المراسلة أن القلق الحقوقي من توظيف التخطيط ديمغرافيا سبق حادثة مجد الكروم وخطة سموتريتش الحالية، كما تنقل النقاش من تصريحات السياسيين إلى المعايير التي تتداولها أجهزة مهنية عند تقييم المشاريع.

والفارق جوهري بين إنشاء بلدة لتلبية حاجة سكانية مثبتة، وإنشائها لأن المنطقة تضم حضورا عربيا يراد موازنته أو احتواؤه، ففي الحالة الثانية، تصبح هوية السكان عنصرا يحدد القرار التخطيطي، وتتحول التنمية إلى وسيلة لإدارة التوازن القومي.

قانون القومية.. خلفية تشريعية للمشروع

ويحضر في خلفية هذا النقاش “قانون القومية”، الذي أقره الكنيست في يوليو 2018. فالمادة السابعة منه تعتبر تطوير الاستيطان اليهودي قيمة قومية، وتلزم الدولة بالعمل على تشجيع إقامته وترسيخه، وفق النص المنشور على موقع الكنيست.

لا يحدد هذا النص موقع بؤرة مجد الكروم، ولا يشكل بمفرده قرارا بإقامة تجمع جديد، لكنه يمنح تشجيع الاستيطان اليهودي مكانة في قانون أساس، وهو ما يفسر مركزية الاعتراض الفلسطيني والحقوقي على ربط توزيع الأرض بامتياز قومي.

وعند قراءة هذه الخلفية إلى جانب لجان القبول والحوافز الضريبية، يظهر تعدد مستويات التأثير، تشجيع إنشاء التجمعات، والتحكم في قبول السكان، وتوجيه الحوافز إلى بلدات وفق شروط ديمغرافية، وهي أدوات مختلفة لا يصح دمجها في إجراء واحد، لكنها تساعد على فهم كيفية تشكيل فرص الاستقرار والتوسع.

خطة سموتريتش بين الطموح والتنفيذ

في هذا السياق، تتجاوز أهمية خطة “نعم، نهوّد” الشعار الذي تحمله، فوفق التفاصيل الواردة في المادة الأساسية، تقترح الخطة إقامة 40 تجمعا في الجليل والنقب، وعشرات المزارع، وتوسيع بلدات قائمة، إلى جانب السعي لتولي المسؤولية عن إدارة التخطيط وسلطة الأراضي في الحكومة المقبلة.

وتوضح المطالبة بهاتين المؤسستين إدراك الحزب أن تحقيق أهدافه يحتاج إلى سلطة على تخصيص الأرض وإقرار المخططات وتسويق المساكن، فالمجموعات التي تسجل للانتقال تحتاج لاحقا إلى مواقع وتمويل وبنية تحتية وقرارات إدارية.

ومع ذلك، تبقى الخطة برنامجا حزبيًا، ولا تعني أرقامها أن التجمعات أُقرت أو بُنيت، كما أن فتح التسجيل لنوى استيطانية، الذي أُعلن في سبتمبر، يمثل مرحلة تجنيد وتنظيم، ويجب تمييزه عن التنفيذ الفعلي.

أما المشاريع الحكومية والمخصصات المؤسسية ومنها دعم تجمعات ونوى سكانية في الشمال، فتشكّل مسارا موازيا ينبغي تقييم كل بند فيه بحسب غرضه والجهة المستفيدة منه، فلا يمكن احتساب كامل موازنات تطوير الشمال تمويلًا للبؤر، لكن يمكن مساءلة طريقة توزيعها ومدى استجابة نصيب البلدات العربية لاحتياجاتها.

معركة الأرض تتسع إلى حق التطور

يمتد الصراع الراهن إلى تاريخ طويل من مصادرة الأراضي وتقييد توسع البلدات الفلسطينية في الجليل، بلغ إحدى محطاته الأبرز في يوم الأرض عام 1976، غير أن المعطيات الإضافية تكشف أن المواجهة اليوم لا تُدار بالمصادرة المباشرة وحدها، إذ تشمل أدوات أقل ظهورا، من معايير قبول السكان إلى الامتيازات الضريبية والقرارات التخطيطية.

وهذا ما يمنح حادثة مجد الكروم دلالة تتجاوز مساحتها، فقد استطاع الأهالي والمجلس المحلي، بدعم قانوني وضغط شعبي، دفع الجهات المعنية إلى إزالة الموقع، وأثبتت المواجهة أهمية سجلات الملكية والاختصاص التخطيطي والتحرك المبكر، إلى جانب الاحتجاج.

لكن حماية الأرض تتطلب أيضا متابعة ما يحدث خارج التلة، أي مخططات تُقر؟ ومن يحصل على حوافز الانتقال؟ وأي بلدة تتوسع، وأي عائلة تُرفض إقامتها؟ فهذه القرارات تحدد مستقبل المكان بقدر ما تحدده المنشآت المقامة عليه.

من هنا، تبدو الخيام في الجليل الوجه الأكثر وضوحا لمشروع أوسع، أما الاختبار الأعمق فيكمن في حق الفلسطينيين في تطوير بلداتهم والسكن على قدم المساواة، حين يُعلن تعزيز الوجود اليهودي هدفا سياسيا، وتُستدعى الأرض والضرائب والتخطيط لتحقيقه، وقد تُزال البؤرة، لكن خطر التضييق يبقى ما دامت السياسات التي تحدد مستقبل الأرض تتعامل مع أصحابها بوصفهم معضلة ديمغرافية.

Exit mobile version