
خاص المركز الفلسطيني للإعلام
أشعل حزب الخضر في إنجلترا وويلز جدلًا سياسيًا واسعًا داخل بريطانيا وخارجها، عقب تبنيه قرارًا يعرّف الصهيونية بأنها شكل من أشكال العنصرية، ويعلن الحزب قوة سياسية مناهضة للصهيونية، إلى جانب دعمه إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة في كامل فلسطين التاريخية، في خطوة أحدثت انقسامًا داخل الحزب وأثارت ردود فعل إسرائيلية وبريطانية ودولية متصاعدة.
وتصدر القرار، الذي أقره المؤتمر السنوي للحزب في مدينة برايتون بأغلبية 1022 صوتًا مقابل 813، اهتمام الصحافة البريطانية الثلاثاء، في وقت يحاول فيه الحزب احتواء تداعياته السياسية، بعدما عارض أربعة من نوابه الخمسة القرار، فيما مُنع زعيم الحزب زاك بولانسكي من دخول إسرائيل على خلفيته.
وينص القرار على أن الصهيونية، بوصفها أيديولوجيا تدعم إقامة دولة قومية يهودية، ستُعامل باعتبارها شكلًا من أشكال العنصرية، كما يضع الحزب ضمن سياساته دعم إقامة “دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة” في كامل فلسطين التاريخية، تكون القدس عاصمتها.
ويأتي ذلك في تحول لافت في موقف حزب بريطاني رئيسي، إذ لم يعد النقاش داخل الخضر مقتصرًا على انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية أو الدعوة إلى وقف الحرب في غزة، وإنما انتقل إلى طبيعة المشروع الصهيوني نفسه وإلى شكل الدولة والحل السياسي للصراع.
انقسام داخل الخضر
وأظهر التصويت حجم الانقسام داخل الحزب؛ إذ أعلن أربعة من نوابه الخمسة، وهم سيان بيري وكارلا دينير وأدريان رامزي وإيلي تشاونز، أنهم لا يؤيدون القرار، بينما لم تعلن النائبة هانا سبنسر موقفًا واضحًا منه.
أما زاك بولانسكي، الذي كان يخوض حملة انتخابية في دائرة هولبورن وسانت بانكراس، فلم يشارك في التصويت، لكنه واجه لاحقًا ضغوطًا متزايدة بشأن موقفه من القرار.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أكد بولانسكي أن الحزب يجب أن يحمي حقوق الفلسطينيين وحقوق اليهود في بريطانيا على حد سواء، مشددًا على أن معاداة السامية وانتقاد الدولة الإسرائيلية مساران منفصلان، وأن الخلط بينهما يضر باليهود أنفسهم.
وقال إن حركته السياسية لن تقبل إقصاء أي شخص بسبب خلفيته الدينية أو انتمائه المجتمعي، مؤكدًا رغبته في أن يشعر الجميع بالأمان والترحيب داخل الحزب.
وفي بيان مشترك، شدد بولانسكي والنواب الخمسة للحزب على التزامهم بحقوق الإنسان، ومعارضتهم “الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والفصل العنصري والاحتلال غير القانوني”، مؤكدين استمرارهم في انتقاد سياسات حكومة بنيامين نتنياهو، ودعم الحقوق الفلسطينية.
رفض تعديل لحماية الأعضاء الصهاينة
ولم يقتصر الجدل على مضمون القرار نفسه، إذ رفض أعضاء الحزب إدخال تعديل كان من شأنه توضيح أن القرار لا يمكن استخدامه للضغط على أعضاء الحزب أو معاقبتهم بسبب انتمائهم إلى معابد أو منظمات يهودية تصف نفسها بأنها صهيونية.
وأثار ذلك مخاوف لدى شخصيات يهودية داخل الحزب، في مقدمتها فيفيان ليشتنشتاين، رئيسة “الخضر اليهود”، التي قالت إنها تفكر في مغادرة الحزب، معتبرة أن القرار قد يؤدي إلى تعميق الانقسام وإطلاق اتهامات بالعنصرية ضد منظمات يهودية تعمل أيضًا مع فلسطينيين وتعارض الاحتلال.
كما أعلن ساندي روثفن، رئيس منظمة العفو الدولية في بريطانيا، مغادرة حزب الخضر على خلفية القرار، معتبرًا أن الحزب لم يعد يتعامل بصورة كافية مع مخاوف تتعلق بالتحيز والتمييز داخل صفوفه.
إسرائيل تمنع بولانسكي
وسرعان ما تجاوزت تداعيات القرار الحدود البريطانية؛ إذ أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية منع زاك بولانسكي من دخول إسرائيل، معتبرة أن قرار الحزب ينكر حق الشعب اليهودي في تقرير المصير.
وقالت الخارجية الإسرائيلية إن القرار يضفي، بحسب موقفها، شرعية على الكفاح المسلح ضد إسرائيل ويدعو إلى إقامة دولة فلسطينية “من النهر إلى البحر”، وهو ما اعتبرته تل أبيب دعوة إلى إنهاء وجود إسرائيل.
وبولانسكي، وهو يهودي، لم يتراجع عن دفاعه عن الحقوق الفلسطينية، لكنه حاول في الوقت نفسه الفصل بين مناهضة الصهيونية ومعاداة اليهود، مؤكدًا أن الحزب يجب أن يكون مكانًا آمنًا لليهود والفلسطينيين على حد سواء.
الخلاف يصل إلى الأحزاب الخضراء الأوروبية
ولم يتوقف الاعتراض عند إسرائيل أو القوى السياسية البريطانية، إذ أثار القرار تحفظات داخل الحركة الخضراء الأوروبية نفسها.
وتطالب أحزاب الخضر الأوروبية قيادة حزب الخضر في إنجلترا وويلز بتوضيح موقفها، في ظل اختلاف واضح بين القرار البريطاني وموقف الحركة الخضراء الأوروبية التي ما تزال تؤيد حل الدولتين.
وكانت صحيفة “الغارديان” قد أشارت إلى أن القرار وضع الحزب أمام أزمة تتجاوز خلافاته الداخلية، بعدما بدأ يواجه انتقادات من أحزاب خضراء أوروبية بسبب طبيعة الموقف الجديد من الصهيونية ومن شكل الدولة الفلسطينية.
واشنطن تدخل على خط الأزمة
وتصاعدت الأزمة أكثر مع دخول الإدارة الأميركية على خط الجدل؛ إذ ذكرت صحيفة “التايمز” أن الولايات المتحدة تعتزم تقديم احتجاج رسمي للحكومة البريطانية بشأن موقف حزب الخضر.
ونقلت الصحيفة عن يهودا كابلون، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي لمكافحة معاداة السامية، انتقاده للقرار، معتبرًا أنه يستهدف إسرائيل بصورة منفردة مقارنة بدول أخرى متهمة بانتهاكات لحقوق الإنسان.
فلسطين تتحول إلى محور صراع داخل السياسة البريطانية
وتعكس التطورات الأخيرة اتساع حضور القضية الفلسطينية في السياسة البريطانية، بعدما انتقلت من ملف يتعلق بالسياسة الخارجية إلى قضية تؤثر بصورة مباشرة في هوية الأحزاب وبرامجها وعلاقاتها الانتخابية.
ويأتي موقف الخضر في وقت تحاول فيه الأحزاب البريطانية التعامل مع تنامي الضغوط الشعبية والسياسية بشأن الحرب على غزة، فيما أصبح الموقف من إسرائيل وفلسطين عنصرًا حاضرًا في النقاشات الانتخابية والحزبية، ولا سيما بين الناخبين الشباب واليسار البريطاني.
وتكشف أزمة الخضر في الوقت ذاته حدود هذا التحول؛ فبينما يرى مؤيدو القرار أنه يعبر عن رفض الاحتلال وسياسات الحكومة الإسرائيلية ودعم واضح للحقوق الفلسطينية، يرى معارضوه أنه يخلط بين انتقاد إسرائيل والصهيونية وبين استهداف اليهود، وهو ما أدى إلى انقسام داخل الحزب نفسه.
وبين هذين الموقفين، بات حزب الخضر أمام اختبار سياسي كبير: كيف يحافظ على موقفه المتقدم في دعم الحقوق الفلسطينية ومعارضة الاحتلال، وفي الوقت نفسه يمنع تحول هذا الموقف إلى مصدر لانقسام داخلي أو اتهامات بمعاداة السامية.
لكن المؤكد أن التصويت لم يعد شأنًا داخليًا للحزب؛ فقد دفع القضية الفلسطينية إلى مساحة أكثر مركزية في النقاش السياسي البريطاني، وأثار مواجهة مباشرة مع إسرائيل، وفتح نقاشًا أوسع داخل الحركة الخضراء الأوروبية وحتى في واشنطن بشأن حدود الموقف من الصهيونية ومستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
