Site icon Palestinealyoum

الخط الأصفر يلتهم غزة.. حدود تتمدد ونازحون تحت نيران الاحتلال

الخط الأصفر

المركز الفلسطيني للإعلام

لم يعد ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» في قطاع غزة مجرد خط ميداني يفصل مناطق انتشار جيش الاحتلال الإسرائيلي عن المناطق الأخرى، بل بات عنوانًا لتحولات جغرافية متسارعة تدفع الفلسطينيين إلى مساحات أضيق، وتضع النازحين أمام معادلة قاسية: البقاء تحت خطر القصف وإطلاق النار، أو الرحيل مجددًا بحثًا عن ملاذ لا يضمن السلامة.

وبعد عام على اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لا تزال المخاطر تحاصر السكان في المناطق القريبة من الخط، وسط شهادات عن إطلاق نار متكرر، وتقدم للمكعبات الإسمنتية الصفراء باتجاه الغرب، وتجريف للأراضي وهدم للمباني، في تطورات تثير مخاوف من تكريس واقع جغرافي جديد ينتزع من الفلسطينيين مزيدًا من أرضهم ويعقّد عودتهم إلى منازلهم.

وفي الوقت الذي يُفترض فيه أن يفتح وقف إطلاق النار الطريق أمام الانسحاب وإعادة الإعمار واستعادة الحياة، تكشف المعطيات الميدانية أن مناطق واسعة من القطاع لا تزال خارج متناول السكان، فيما تتواصل معاناة العائلات التي وجدت نفسها محاصرة بين خطوط السيطرة العسكرية ومناطق النزوح المكتظة.

حياة معلّقة تحت نيران الاحتلال

في حي التفاح شرقي مدينة غزة، يعيش النازح أحمد رباح البرعي بين شارعي صلاح الدين ويافا، في غرفة مؤقتة لم توفر له ولأسرته الأمان، رغم مرور أشهر طويلة على إعلان وقف إطلاق النار.

ويروي البرعي، أن إطلاق النار والقصف بواسطة الطائرات المسيّرة والآليات والدبابات يتكرر بصورة شبه يومية منذ بدء الاتفاق في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ولا سيما خلال ساعات المساء، ما يبقي السكان في حالة خوف دائم من استهداف مفاجئ.

ويقول إن القصف المتكرر ألحق أضرارًا بالنوافذ والأبواب المصنوعة من الشوادر والألمنيوم، واضطره أحيانًا إلى إبقاء الباب مفتوحًا جزئيًا لتخفيف أثر ضغط الانفجارات، رغم ما يسببه ذلك من برد ومخاطر على أطفاله.

ولا يقتصر الخوف على لحظات القصف؛ إذ باتت تفاصيل الحياة اليومية، من جلب المياه إلى نشر الملابس والخروج لتلبية الاحتياجات الأساسية، محفوفة بالمخاطر، خصوصًا في المناطق المحاذية للخط الأصفر.

ويشير البرعي إلى أن زوجته أُصيبت برصاصة أطلقتها طائرة مسيّرة قبل ساعات من تسجيل شهادته، أثناء وجودها مع طلابها في نقطة تعليمية قريبة من مكان نزوح الأسرة. ورغم أن الإصابة كانت سطحية، فإنها تسببت لها بآلام وأعراض صحية استدعت مواصلة العلاج.

كما يستحضر إصابة طفلة من المنطقة برصاصة خلال فترة المجاعة العام الماضي، بعدما كانت قرب نافذة منزلها، موضحًا أن الإصابة، وفق تقديره، أدت إلى إصابتها بشلل نصفي واضطرارها إلى استخدام كرسي متحرك.

وتختصر هذه الشهادات واقعًا يعيشه سكان المناطق القريبة من الخط الأصفر؛ فوقف إطلاق النار لم ينهِ مخاوفهم، ولم يمنحهم القدرة على استعادة حياتهم الطبيعية، بل أبقاهم في مواجهة خطر متواصل يطال مساكنهم وأطفالهم ومصادر عيشهم.

من خط ميداني إلى سياسة لقضم الأرض

ويحذر مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، من أن الخط الأصفر لم يعد مجرد إجراء عسكري محدود، بل تحول إلى أداة لتوسيع السيطرة الإسرائيلية وتقليص المساحة المتاحة للفلسطينيين داخل القطاع.

ويقول الثوابتة، في حديث للمركز الفلسطيني للإعلام، إن تطور الخط مر بمراحل متتابعة، بدأت بترسيم مناطق عازلة، ثم شق طرق أمنية وإقامة سواتر ترابية ونقاط تمركز عسكرية، وصولًا إلى تجريف الأراضي الزراعية وهدم الأحياء ومنع السكان من العودة إلى منازلهم.

وبحسب الثوابتة، أسهمت هذه الإجراءات في فصل مناطق عن بعضها، وعزل أحياء سكنية عن محيطها، ودفع أعداد إضافية من السكان نحو مناطق النزوح المكتظة التي تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية.

ويحذر من أن استمرار هذه السياسة قد يفضي إلى تحويل قطاع غزة إلى معازل جغرافية متفرقة، يصعب على سكانها التنقل بينها، وتتراجع فيها فرص العودة والإعمار واستعادة النشاط الاقتصادي، بما يكرّس واقعًا من السيطرة والحرمان طويل الأمد.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية في ظل اقتران التحركات الميدانية بتدمير المباني والأراضي الزراعية، إذ لا يقتصر أثر التقدم على تغيير مواقع انتشار القوات، وإنما يمتد إلى إزالة مقومات الحياة التي يحتاج إليها السكان للعودة والاستقرار.

مساحة تتقلص وسكان يُدفعون إلى الغرب

وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» إلى أن المناطق المقيدة الوصول إليها بلغت نحو 65% من مساحة قطاع غزة في يونيو/حزيران 2026، مقارنة بنحو 53% من مساحة القطاع كانت تقع شرق الخط عند بدء اتفاق وقف إطلاق النار، وفق المعطيات التي أوردها التقرير الأصلي.

كما أظهرت صور الأقمار الصناعية، التي حللتها وكالة أسوشيتد برس، امتداد السواتر الترابية على طول أكثر من 23 كيلومترًا حتى يوليو/تموز 2026، فيما رصدت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة نحو 40 موقعًا عسكريًا دائمًا داخل القطاع، بُني بعضها بعد الاتفاق.

وفي مؤشر آخر على التغيرات الميدانية، أفادت خدمة التحقق التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية بأن سبع كتل إسمنتية على الأقل نُقلت في حي التفاح شرقي مدينة غزة باتجاه الغرب لمسافة تقارب 295 مترًا بين نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول 2025، وأعقب ذلك تدمير ما لا يقل عن 40 مبنى، بحسب التقرير.

وفي مايو/أيار 2026، تحدثت إذاعة جيش الاحتلال عن ارتفاع مساحة السيطرة الإسرائيلية إلى 59% من القطاع، قبل أن يعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو توجيه الجيش لرفعها إلى 70%. وقدّرت تقارير لاحقة المناطق المقيدة الوصول إليها بنحو 65% إلى 70%، مع اختلاف التقديرات بحسب منهجية القياس والتعريف المستخدم للمناطق الخاضعة للقيود.

وتعكس هذه الأرقام اتساع المساحة التي يواجه الفلسطينيون صعوبة في الوصول إليها أو الإقامة فيها، في وقت تتكدس فيه العائلات النازحة في مناطق محدودة تفتقر إلى الخدمات الأساسية والمساكن الملائمة.

ووفق تقديرات أممية أوردها التقرير، يعيش الفلسطينيون في أقل من 40% من مساحة القطاع، فيما قدّر المجلس الدنماركي للاجئين أن العائلات النازحة محصورة في نحو 30% من الأرض. كما يحتاج 94% من السكان، بحسب المعطيات الواردة، إلى مساعدات مرتبطة بالمأوى.

ولا تقتصر الخسائر على المساحة السكنية؛ إذ أظهر تقييم مشترك لمنظمة الأغذية والزراعة «الفاو» ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية أن نحو 448 هكتارًا فقط من الأراضي الزراعية، أي قرابة 3% وفق التقييم المذكور، بقيت متاحة وسليمة حتى يونيو/حزيران 2026، مقارنة بنحو 601 هكتار عند توقيع الاتفاق. وأشارت «الفاو» إلى أن تراجع إمكانية الوصول إلى الأراضي كان عاملًا رئيسيًا في هذا الانكماش.

كما رصدت تحليلات لصور الأقمار الصناعية تدمير أكثر من 1500 مبنى خلف الخط خلال الأسابيع الأولى من الاتفاق، وارتفاع العدد إلى أكثر من 2500 مبنى بحلول يناير/كانون الثاني 2026. وقدّر مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية أن عدد المباني المدمرة ارتفع بنحو 9% منذ وقف إطلاق النار، فيما بلغ إجمالي المباني المتضررة قرابة 200 ألف مبنى، أي نحو 82% من مباني القطاع.

وتكشف هذه المعطيات أن الخطر لا يتمثل في تحرك الخط وحده، بل في تزامنه مع تدمير الممتلكات وتقليص المساحات الزراعية والسكنية المتاحة، بما يجعل العودة إلى المناطق المتضررة أكثر صعوبة حتى في حال توقف العمليات العسكرية.

«موت زاحف» وعودة مؤجلة

وفي المناطق المحاذية للخط الأصفر، لا تعني العودة إلى المنزل بالضرورة استعادة الأمان؛ فقد يجد السكان أنفسهم أمام مبانٍ متضررة، وطرق مدمرة، وأراضٍ يصعب الوصول إليها، فضلًا عن استمرار مخاطر إطلاق النار والقصف.

ووفق بيانات وزارة الصحة في غزة التي نقلتها وكالة أسوشيتد برس، استُشهد 77 فلسطينيًا قرب الخط حتى يناير/كانون الثاني 2026، بينهم 62 قُتلوا بعد عبورهم إليه، فيما أشارت بيانات أممية إلى أن نحو ثلث الشهداء الذين سقطوا منذ وقف إطلاق النار قُتلوا في مناطق قريبة من الخط المتقدم، بحسب ما أورده التقرير.

وتبرز هذه الأرقام حجم المخاطر التي تحيط بالسكان في مناطق التماس، حيث تتحول المسافة الفاصلة بين أماكن النزوح ومناطق السيطرة العسكرية إلى عامل يحدد قدرة العائلات على الحركة، والوصول إلى احتياجاتها الأساسية، ومحاولة تفقد منازلها وأراضيها.

ويحذر الثوابتة من أن التعامل مع هذه التطورات باعتبارها خروقات ميدانية متفرقة يقلل من خطورتها التراكمية، مشددًا على ضرورة توثيق التغيرات الجغرافية والضغط من أجل وقف القصف والحصار ومنع الاستيلاء على مزيد من الأراضي.

وفي ظل هذه الوقائع، تبدو الهدنة بالنسبة إلى كثير من النازحين بعيدة عن تحقيق الغاية التي انتظروها؛ إذ لم تفتح الطريق أمام عودة آمنة إلى المنازل، ولم تُنهِ التهديدات التي تحيط بحياتهم، بل بقيت مناطق واسعة رهينة التحركات العسكرية والقيود المفروضة على الوصول.

بلديات عاجزة عن الوصول إلى أحياء كاملة

ويمتد أثر الخط الأصفر إلى الخدمات الأساسية، في وقت يحتاج فيه قطاع غزة إلى جهود واسعة لإزالة الركام وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي وإعادة تأهيل الطرق والمرافق العامة.

وتقول بلدية غزة إن طواقمها لم تعد قادرة على الوصول إلى نحو نصف مساحة المدينة، ولا سيما الأحياء الشرقية، مثل الشجاعية والتفاح الشرقي والزيتون وأجزاء من حي الدرج، وهي مناطق تعرضت لدمار واسع طال المساكن والبنية التحتية والمرافق الحيوية.

ويشير رئيس قسم الإعلام في البلدية، محمد السرساوي، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن توسع نطاق الخط الأصفر أدى إلى عزل مناطق تضم مرافق أساسية، ومنع الطواقم البلدية من الوصول إلى آبار مياه ومحطات للصرف الصحي وغرف تحكم رئيسية.

ويترتب على ذلك تراجع القدرة على إصلاح الأعطال وتشغيل المرافق المتضررة، بما يفاقم معاناة السكان الذين يعيشون أصلًا في ظروف إنسانية صعبة، ويحد من فرص استعادة الحد الأدنى من الخدمات الضرورية للحياة.

كما أن استمرار عزل الأحياء المتضررة يعرقل أعمال تقييم الأضرار وإزالة الركام وإعادة تأهيل الطرق، وهي خطوات لا يمكن الاستغناء عنها لتهيئة الظروف اللازمة لعودة النازحين.

وبذلك، لا يقتصر تأثير الخط الأصفر على المساحة التي يسيطر عليها الاحتلال، بل يمتد إلى قدرة المؤسسات المحلية على الوصول إلى السكان، وتقديم الخدمات لهم، وإعادة وصل الأحياء التي عزلها الدمار والقيود العسكرية.

حدود تتحرك وواقع يُراد فرضه

وتتجاوز تداعيات الخط الأصفر حدود التحرك العسكري المباشر، لتثير تساؤلات بشأن مستقبل السيطرة على قطاع غزة، وإمكانية تحويل خطوط الانتشار المؤقتة إلى واقع جغرافي طويل الأمد.

ويرى محللون أن استمرار نقل المكعبات الإسمنتية، وتوسيع المواقع العسكرية، وتجريف الأراضي وهدم المباني، قد يؤدي إلى تثبيت مناطق نفوذ جديدة على حساب المساحة المتاحة للسكان، ولا سيما إذا استمرت هذه الإجراءات دون تدخل يضمن تنفيذ الانسحاب ووقف الاعتداءات.

وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي أحمد الطناني، في حديث للجزيرة نت، أن التوسع في مناطق السيطرة الإسرائيلية يعكس مسارًا تدريجيًا لفرض وقائع جديدة على الأرض، مستفيدًا من محدودية ردود الفعل على التجاوزات المرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار.

ويشير الطناني إلى أن مساحة السيطرة الإسرائيلية ارتفعت، وفق تقديراته، من نحو 195 كيلومترًا مربعًا إلى قرابة 235 كيلومترًا مربعًا، بالتزامن مع استمرار التجريف ومنع الوصول إلى مناطق واسعة، معتبرًا أن هذه التطورات تفصل بين السيطرة على الأرض والمسؤولية عن توفير مقومات الحياة للسكان.

ويحذر من أن إقامة مواقع عسكرية على امتداد الخط الأصفر قد تسهم في تحويل الوجود العسكري إلى واقع طويل الأمد، في ظل غياب مؤشرات واضحة على انسحاب كامل من القطاع.

وبينما يواصل النازحون البحث عن مكان آمن، تتقدم المكعبات الإسمنتية الصفراء نحو مزيد من الأحياء، وتتقلص المساحات التي يستطيع السكان الوصول إليها، فيما تبقى العودة إلى المنازل وإعادة الإعمار رهينتين بوقف الاعتداءات ورفع القيود وضمان حرية الحركة.

وهكذا، لا يبدو الخط الأصفر مجرد علامة مرسومة على الأرض، بل واقعًا تتداخل فيه المخاطر الأمنية مع التهجير وتدمير الممتلكات وعزل المناطق، بما يهدد بتحويل النزوح المؤقت إلى معاناة مفتوحة، ويضع مستقبل الحياة في قطاع غزة أمام تحديات تتجاوز آثار الحرب المباشرة.

Exit mobile version