Site icon Palestinealyoum

الصوت العربي يربك نتنياهو.. 19 مقعدًا بين التأثير والإقصاء

الصوت العربي يربك نتنياهو.. 19 مقعدًا بين التأثير والإقصاء

المركز الفلسطيني للإعلام

لم تقتصر نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلي السادسة والعشرين على إعادة رسم موازين القوى بين معسكري بنيامين نتنياهو وخصومه، بل كشفت عن معادلة سياسية أكثر تعقيدًا، بعدما حصدت القوائم العربية 19 مقعدًا وفق النتائج المرحلية، لتصبح لاعبًا مؤثرًا في حسابات تشكيل الحكومة، وسط انقسام إسرائيلي يحول دون حصول أي من المعسكرين الرئيسيين على أغلبية برلمانية مستقرة.

وأظهرت النتائج المرحلية، عقب فرز نحو 100% من الأصوات، حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا للمعسكر الذي يقوده غادي آيزنكوت، فيما ذهبت المقاعد الـ19 المتبقية إلى القوائم العربية.

وبذلك، بقي المعسكران بعيدين عن عتبة الأغلبية المطلوبة، والبالغة 61 مقعدًا من أصل 120 في الكنيست.

ولا تعكس هذه الأرقام مجرد ارتفاع في التمثيل العربي، بل تضع الأحزاب الإسرائيلية أمام اختبار سياسي يتجاوز الحسابات العددية؛ فالمقاعد التي يمكن أن تساعد خصوم نتنياهو على منعه من تشكيل الحكومة لا تحظى بقبول متساوٍ لدى مكونات المعارضة نفسها، التي أعلن بعضها رفض التعاون مع الأحزاب العربية أو إشراكها في ائتلاف حاكم.

19 مقعدًا تعيد رسم الحسابات

يمثل التقدم الذي أحرزته القوائم العربية تحولًا بارزًا في المشهد البرلماني الإسرائيلي، إذ تشير النتائج إلى حصول القائمة المشتركة على نحو 12 مقعدًا، مقابل سبعة مقاعد للقائمة العربية الموحدة، المعروفة باسم «رعام»، ليبلغ مجموع تمثيلهما 19 مقعدًا، مقارنة بعشرة مقاعد تشغلها القوائم العربية في الكنيست المنتهية ولايته.

وجاء هذا التقدم في ظل ارتفاع المشاركة العربية، وسط حالة من الاستقطاب السياسي والمخاوف من استمرار سياسات الحكومة اليمينية، وهو ما منح التصويت العربي وزنًا إضافيًا في تحديد موازين القوى داخل البرلمان.

وتكمن أهمية هذه المقاعد في أن أياً من المعسكرين المتنافسين لم يتمكن، وفق النتائج المرحلية، من الوصول إلى الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة بمفرده.

فمعسكر نتنياهو يحتاج إلى ثمانية مقاعد إضافية، فيما يحتاج معسكر آيزنكوت إلى 13 مقعدًا، ما يجعل موقف الأحزاب العربية عنصرًا أساسيًا في أي محاولة لتشكيل أغلبية بديلة، وإن لم يكن كافيًا وحده لضمان نجاحها.

لكن امتلاك القدرة الحسابية على التأثير لا يعني بالضرورة القدرة على تحويلها إلى شراكة سياسية فعلية؛ إذ ترتبط هذه المسألة بمواقف قادة الأحزاب الصهيونية، وبمدى استعدادهم لتجاوز تعهداتهم الانتخابية بشأن التعاون مع الأحزاب العربية، فضلًا عن التباينات بين القوائم العربية نفسها في شروط التعامل مع الحكومة المقبلة.

المعارضة تحتاج إلى الأصوات العربية وترفض شراكتها

تظهر المفارقة الأبرز في موقف المعسكر المناهض لنتنياهو، الذي يجد نفسه أمام معادلة صعبة: فهو يحتاج إلى دعم عربي لتوسيع فرصه في تشكيل حكومة، لكنه يواجه تحفظات داخلية بشأن الاستناد إلى الأحزاب العربية أو منحها دورًا مباشرًا في الائتلاف.

وقد أعلن آيزنكوت خلال الحملة الانتخابية رفضه تشكيل حكومة بالاعتماد على الأحزاب العربية، متحدثًا عن غياب القيم المشتركة، ومؤكدًا سعيه إلى تشكيل حكومة وصفها بأنها «صهيونية ومستقرة».

وفي المقابل، أبدى منصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة، استعدادًا للتعاون مع معسكر آيزنكوت، معتبرًا أن بالإمكان تجاوز العقبات السياسية.

أما القائمة المشتركة، فقد طرح رئيسها يوسف جبارين إمكانية تقديم دعم برلماني من خارج الحكومة بهدف منع استمرار حكم نتنياهو، لكنه استبعد الانضمام إلى حكومة يقودها آيزنكوت، بسبب مواقفها من الحرب على غزة والاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان.

ويعكس هذا التباين أن القضية لا تتعلق فقط بمدى استعداد الأحزاب العربية للمشاركة في الحكم، وإنما أيضًا بطبيعة الحكومة التي يمكن دعمها، وبالثمن السياسي الذي قد يترتب على منحها الثقة أو توفير غطاء برلماني لها.

وفي هذا السياق، نقلت رويترز عن عالم الاجتماع السياسي أمير فخوري وصفه للمفارقة القائمة بأنها تتمثل في حاجة المعارضة اليهودية إلى الأصوات الفلسطينية، مع رفضها التعامل مع أصحاب هذه الأصوات بوصفهم شركاء سياسيين.

بين إسقاط نتنياهو وتغيير السياسات

تطرح نتائج الانتخابات سؤالًا يتجاوز مصير نتنياهو الشخصي: هل يمكن للأحزاب العربية استثمار وزنها البرلماني لإحداث تغيير ملموس في السياسات الإسرائيلية، أم سيقتصر تأثيرها على ترجيح كفة معسكر على آخر في صراع داخلي لا يضمن بالضرورة تغييرًا في التعامل مع الفلسطينيين؟

فمن الناحية العددية، تستطيع المقاعد العربية أن تؤدي دورًا حاسمًا في توفير الدعم البرلماني اللازم لمرشح من خارج معسكر نتنياهو، إذا توافرت تفاهمات سياسية كافية مع الأحزاب الأخرى.

غير أن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب توافقًا بشأن شكل الحكومة، وحدود التعاون، والبرنامج السياسي الذي يمكن أن يجمع الأطراف المختلفة.

ولا يعني منع نتنياهو من تشكيل الحكومة، في حد ذاته، أن الحكومة البديلة ستتبنى توجهات مختلفة جذريًا تجاه القضية الفلسطينية. فآيزنكوت، الذي يقود المعسكر المنافس، ينتمي بدوره إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وقد أعلن رفضه الاعتماد على الأحزاب العربية في تشكيل الحكومة، ما يحد من إمكانية افتراض أن التغيير في قيادة الحكومة سيؤدي تلقائيًا إلى تغيير في السياسات المتعلقة بغزة والضفة الغربية.

وفي المقابل، تضع الأحزاب العربية قضايا المجتمع الفلسطيني داخل أراضي عام 1948، ومنها الجريمة والعنف، والميزانيات المحلية، والمساواة في الحقوق والفرص، ضمن أولوياتها المعلنة، إلى جانب مواقفها من القضية الفلسطينية والحرب الإسرائيلية.

وقال جبارين، وفق ما نقلته رويترز، إن قائمته تسعى إلى حماية المجتمع العربي وتعزيز حقوقه والمساواة، فضلًا عن الدفع باتجاه استئناف المفاوضات بشأن إقامة دولة فلسطينية.

ومن هنا، تبدو المعضلة أمام القوائم العربية مزدوجة: كيف تستثمر المقاعد التي حصلت عليها في انتزاع مكاسب ملموسة لمجتمعها، وفي الوقت نفسه تتعامل مع حكومة محتملة لا تتبنى بالضرورة مواقفها من القضايا الفلسطينية الأوسع؟

اليمين الإسرائيلي وتصاعد التحريض

لم يتوقف أثر النتائج عند الحسابات البرلمانية، بل امتد إلى الخطاب السياسي داخل إسرائيل، حيث أثار حصول الأحزاب العربية على 19 مقعدًا ردود فعل غاضبة في أوساط اليمين، ترافقت مع اتهامات وتشكيك في دور هذه الأحزاب.

وتناولت تقارير صحفية تصريحات واتهامات أطلقها سياسيون من معسكر الليكود بشأن الأحزاب العربية، في حين أفادت تغطية أخرى بأن الشرطة الإسرائيلية رفضت ادعاءات تتعلق بالتزوير الانتخابي وترهيب الناخبين نُسبت إلى هذه الأحزاب.

ويكشف هذا السجال عن حدود قبول التمثيل العربي داخل النظام السياسي الإسرائيلي؛ فبينما تمنح قواعد الانتخابات المواطنين العرب حق التصويت والتمثيل في الكنيست، تبقى مشاركة الأحزاب التي تمثلهم في صنع القرار موضع نزاع سياسي، خصوصًا عندما تصبح أصواتها ضرورية لتشكيل أغلبية حاكمة.

ومع ذلك، لا يعني تصاعد الخطاب المعادي للأحزاب العربية أن جميع القوى الإسرائيلية تتبنى الموقف نفسه، كما أن نتائج الانتخابات وحدها لا تكفي للحكم على مستقبل العلاقة بين هذه الأحزاب وبقية المعسكرات السياسية. لكن الجدل الدائر حول دورها يوضح أن وزنها البرلماني بات جزءًا رئيسيًا من النقاش بشأن هوية الحكومة المقبلة وحدود الشراكة السياسية داخل إسرائيل.

ثلاثة مسارات أمام الأحزاب العربية

تضع الخريطة البرلمانية الجديدة الأحزاب العربية أمام عدة مسارات، يرتبط كل منها بمواقف المعسكرين الرئيسيين وبنتائج المشاورات التي تسبق تكليف مرشح بتشكيل الحكومة.

يتمثل المسار الأول في تقديم دعم برلماني لمعسكر آيزنكوت من خارج الحكومة، بما قد يساعده على منع نتنياهو من استعادة الأغلبية. غير أن هذا الخيار يصطدم برفض آيزنكوت المعلن التعاون مع الأحزاب العربية، وبالخلافات بشأن الحرب والسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.

أما المسار الثاني، فيقوم على تفاهمات محدودة بشأن قضايا محددة، دون الانضمام الرسمي إلى ائتلاف حكومي. وقد يتيح ذلك للقوائم العربية التفاوض على مطالب تتعلق بالمجتمع العربي والحقوق المدنية والميزانيات، لكنه يظل مرتبطًا بمدى استعداد الأحزاب الأخرى لقبول هذا النوع من الدعم.

ويتمثل المسار الثالث في تعثر محاولات تشكيل الحكومة، بما يفتح الباب أمام حكومة وحدة تضم أطرافًا من المعسكرين، أو استمرار حالة الانسداد السياسي وصولًا إلى احتمال إجراء انتخابات جديدة. وقد تناولت تحليلات إسرائيلية هذه الاحتمالات في ظل عدم حصول أي معسكر على الأغلبية المطلوبة، وصعوبة التوفيق بين التعهدات الانتخابية ومقتضيات تشكيل الحكومة.

ولا يمكن الجزم في هذه المرحلة بأي من هذه المسارات؛ إذ تبقى النتائج النهائية والمشاورات السياسية ومواقف الأحزاب عوامل مؤثرة في تحديد شكل الحكومة المقبلة.

اختبار يتجاوز عدد المقاعد

في المحصلة، أعادت المقاعد العربية الـ19 وضع الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948 في قلب الحسابات السياسية الإسرائيلية، ومنحت القوائم التي تمثلهم وزنًا برلمانيًا لا يمكن تجاهله عند بحث سبل تشكيل الحكومة.

لكن هذا الوزن يواجه حدودًا واضحة، أبرزها رفض قطاعات من المعارضة الإسرائيلية التعاون مع الأحزاب العربية، واستمرار الخلافات بشأن الحرب والقضية الفلسطينية، فضلًا عن التباينات بين القوائم العربية في طبيعة المشاركة الممكنة وشروطها.

وبينما تتواصل الحسابات لتحديد هوية الحكومة المقبلة، يبقى السؤال الأهم متعلقًا بقدرة هذه المقاعد على الانتقال من التأثير في ميزان القوى إلى تحقيق نتائج سياسية ملموسة، سواء على مستوى حقوق الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948 أو في ما يتعلق بالموقف من القضية الفلسطينية.

فالمقاعد الـ19 تمنح الأحزاب العربية فرصة أوسع للتفاوض والتأثير، لكنها لا تضمن وحدها تغييرًا في بنية الحكم أو سياساته. وسيظل حجم تأثيرها مرهونًا بقدرتها على توظيف هذا التمثيل، وباستعداد القوى الإسرائيلية الأخرى للتعامل معها كشريك سياسي، لا مجرد أصوات يحتاج إليها أحد المعسكرين لتأمين الأغلبية.

Exit mobile version