Site icon Palestinealyoum

العروب.. هكذا غير الحصار شكل الحياة في المخيم الصامد

المركز الفلسطيني للإعلام

في مخيم العروب شمال الخليل، لم تعد المسافة هي المعيار الذي يحدد زمن الوصول، فبين المنزل والعمل، وبين المخيم والمستشفى، تقف بوابات الاحتلال وحواجزه العسكرية لتعيد رسم طرق السكان وتفرض عليهم حسابات جديدة للحركة، عنوانها الانتظار والالتفاف وعدم اليقين.

عبد الحميد البدوي، أحد سكان المخيم، اعتاد أن يغادر منزله قبل موعد عمله بنحو ربع ساعة، لكن تلك القاعدة لم تعد صالحة اليوم.

فالإغلاقات المتكررة لمداخل المخيم دفعته إلى تقديم موعد خروجه بنحو ساعة كاملة، تحسبًا لطريق مغلقة أو حاجز مفاجئ قد يبدد الوقت.

يقول البدوي: “كنت أخرج إلى عملي قبل الموعد بربع ساعة، أما اليوم فأضطر إلى الخروج قبل ساعة حتى أصل في الوقت المحدد”.

أربع بوابات تحاصر المخيم

يقول سكان العروب إن نحو أربع بوابات إسرائيلية تحاصر مداخل المخيم ومحيطه، فيما بقي بعضها مغلقًا بصورة شبه دائمة منذ أكثر من عام، الأمر الذي انعكس مباشرة على حركة السكان اليومية.

ولم تعد الطرق المعتادة متاحة كما كانت، ما أجبر المواطنين على سلوك طرق التفافية أطول للوصول إلى الخليل والبلدات المحيطة، أو إلى أماكن العمل والدراسة والعلاج.

ويشير البدوي إلى أن بعض الرحلات باتت تتطلب الالتفاف عبر بيت أمر ووادي الشيخ، ثم صوريف وخراس، قبل الوصول إلى الوجهة.

ويقول: “اليوم لا يوجد مشوار بسيط، أي مكان تريد الوصول إليه عليك أولًا أن تعرف أي الطرق مفتوحة وأين توجد الحواجز”.

ولا تتوقف المشكلة عند إغلاق البوابات، إذ إن فتحها لا يعني بالضرورة انسياب الحركة، وفق السكان، الذين يشيرون إلى أن القوات الإسرائيلية قد تنصب حاجزًا عسكريًا عند البوابة نفسها، فتتحول نقطة العبور إلى موقع انتظار وتفتيش.

الطريق القصيرة.. رحلة طويلة

حمزة جوابر، البالغ من العمر 23 عامًا، يلمس هذا التغيير في تفاصيل حياته اليومية.

يقول إن طريقًا كان يقطعها خلال خمس دقائق أصبحت تستغرق منه أحيانًا قرابة ساعة، بسبب البوابات والحواجز والاضطرار إلى سلوك طرق بديلة.

ويضيف: “الطريق لم تعد كما كانت، هناك بوابات وحواجز وتفتيش، وقد تضطر إلى الالتفاف لمسافة طويلة حتى تصل إلى المكان الذي تريده”.

ويصبح الأمر أكثر تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بموعد لا يحتمل التأخير، خصوصًا المواعيد الطبية أو الحالات الطارئة.

فالمواطن، بحسب جوابر، قد يغادر منزله عبر طريق يعتقد أنها مفتوحة، ثم يفاجأ عند وصوله ببوابة مغلقة أو حاجز عسكري، ليجد نفسه مضطرًا إلى العودة والبحث عن مسار آخر.ويقول: “حتى عندما تفتح البوابة، يمكن أن يقيموا حاجزًا عليها، فتعود المشكلة من جديد”.

المستشفى.. مسافة واحدة ووقت مختلف

أكثر ما يكشف أثر الإغلاقات هو الوصول إلى المستشفيات والمراكز الطبية في مدينة الخليل.

فالمسافة الجغرافية لم تتغير، لكن الطريق إليها أصبحت أطول وأكثر تعقيدًا، بعدما تحولت الرحلة من مسار مباشر إلى سلسلة من الطرق البديلة والحواجز المحتملة.

ويقول الأهالي إن المريض الذي كان يستطيع الوصول إلى موعده خلال وقت قصير، بات مطالبًا بمغادرة المخيم قبل الموعد بفترة طويلة، تحسبًا لإغلاق أحد المداخل أو إقامة حاجز مفاجئ.وفي الحالات الطارئة، تصبح المشكلة أكثر حساسية، إذ لا يملك المريض أو ذووَه رفاهية الانتظار أو البحث عن طريق بديلة.

كما تفرض الطرق الالتفافية أعباء اقتصادية إضافية على السكان، نتيجة ارتفاع استهلاك الوقود وتكاليف المواصلات، خصوصًا بالنسبة إلى العمال والموظفين الذين يضطرون إلى التنقل بصورة يومية.

حين يصبح المشي طريقًا للخروج

أمام إغلاق بعض المداخل، يجد مواطنون أنفسهم مضطرين إلى مغادرة المخيم سيرًا على الأقدام، وتجاوز النقاط المغلقة قبل البحث عن وسيلة نقل في الجهة الأخرى.ويقول أحد سكان المخيم إن هذه الظروف تزيد من صعوبة الحركة، خصوصًا بالنسبة إلى الشبان والفتيات الذين قد يتعرضون للتفتيش أثناء خروجهم أو عودتهم، في وقت تمر فيه مركبات المستوطنين على الطرق القريبة من المخيم.

ويصف السكان استمرار الإغلاقات بأنه “عقاب جماعي”، متسائلين عن مبررات إبقاء مداخل المخيم مغلقة لفترات طويلة.ويقول أحدهم: “في بعض البلدات تفتح البوابات ساعات ثم تغلق، أما في العروب فنحن نتحدث عن إغلاق مستمر منذ فترة طويلة، والسكان هم الذين يدفعون الثمن يوميًا”.

الإغلاقات تصل إلى البيوت

لم تعد آثار الإغلاقات محصورة في العمل والدراسة والعلاج، بل امتدت إلى العلاقات الاجتماعية.

ويقول البدوي إن أقارب لعائلته يقيمون في الخليل وترقوميا باتوا يضطرون إلى التخطيط للزيارة مسبقًا، والوصول قبل موعدها بوقت طويل، وأحيانًا ترك سياراتهم قرب الطريق الرئيسي وإكمال المسافة إلى المخيم سيرًا على الأقدام.

ويضيف أن ترك المركبات في تلك المناطق يثير مخاوف أصحابها، في ظل وجود قوات الاحتلال ومرور المستوطنين على الطرق المحيطة.

ومع تكرار هذه الظروف، يقول السكان إن الزيارات العائلية أصبحت أقل من السابق، بعدما تحولت الزيارة التي كانت تتم بصورة عفوية إلى رحلة تحتاج إلى حسابات مسبقة.يوميات معلقة على البوابةفي مخيم العروب، باتت البوابة جزءًا من جدول الحياة اليومية.

العامل يحسب وقت خروجه بناءً على احتمال الإغلاق، والمريض يضيف ساعات احتياطية إلى موعده، والطالب يضع الحاجز في حساباته، والزائر يفكر قبل وصوله في المكان الذي سيترك فيه سيارته.

لكن المشكلة الأكبر، كما يقول السكان، ليست في طول الطريق وحده، بل في عدم القدرة على التنبؤ بما سيحدث.

فطريق مفتوحة في الصباح قد تصبح مغلقة بعد ساعات، وبوابة يفترض أنها سالكة قد تتحول إلى نقطة تفتيش، فيما قد يفرض حاجز مفاجئ تغيير المسار بالكامل.

وهكذا، لم تعد حركة السكان مرتبطة بالمسافة، بل بما تسمح به البوابات والحواجز في كل لحظة.من دقائق إلى ساعاتبالنسبة إلى عبد الحميد البدوي وحمزة جوابر وسكان آخرين في مخيم العروب، لم يعد التأخير حادثة عابرة، بل أصبح جزءًا من نمط حياة فرضته الإغلاقات.خمس دقائق قد تصبح ساعة، والطريق المباشرة قد تتحول إلى رحلة عبر عدة بلدات، والزيارة العائلية قد تتطلب ترك السيارة والسير على الأقدام، فيما يصبح الوصول إلى المستشفى سباقًا مع الوقت.

وبين هذه التفاصيل، يختصر سكان المخيم مطلبهم في إعادة فتح الطرق التي اعتادوا استخدامها، وإنهاء واقع جعل بوابات الاحتلال تتحكم في إيقاع يومهم، وتحوّل مسافة قصيرة على الخريطة إلى رحلة طويلة في الواقع.

Exit mobile version