Site icon Palestinealyoum

القطاع الصحي في غزة.. أزمة متفاقمة تهدد بشلل الخدمات الطبية

القطاع الصحي في غزة.. أزمة متفاقمة تهدد بشلل الخدمات الطبية

المركز الفلسطيني للإعلام

تدخل المنظومة الصحية في قطاع غزة مرحلة جديدة من أزماتها المتراكمة، في ظل تراجع حاد في القدرات التشغيلية للمستشفيات والمراكز الصحية، ونقص الوقود وقطع الغيار والأدوية والمستهلكات الطبية، بالتزامن مع تزايد الاحتياجات الصحية للسكان وتدهور الظروف المعيشية والإيوائية.

وحذّر مدير الإغاثة الطبية في قطاع غزة، بسام زقوت، من أن القطاع الصحي يمر بأزمة حادة تتفاقم بصورة مستمرة، مشيرًا إلى أن المؤسسات الطبية باتت تعمل في ظروف استثنائية، وسط تراجع قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية.

نقص الوقود يشلّ الخدمات الطبية

وقال زقوت إن المستشفيات والمراكز الصحية تعاني يومًا بعد آخر من نقص حاد في الوقود وزيوت المولدات وقطع الغيار، وهو ما انعكس مباشرة على قدرتها التشغيلية، وأدى إلى شلّ حركة سيارات الإسعاف والعيادات الطبية المتنقلة.

وأضاف أن أزمة الوقود دفعت الطواقم الطبية إلى تقليص ساعات العمل، وكذلك الحد من الخدمات التي تحتاج إلى استهلاك مرتفع للطاقة، بما في ذلك سلاسل التبريد والمجمدات المخصصة لحفظ الأدوية والمستلزمات الطبية.

ولا تقف تداعيات أزمة الوقود عند حدود تشغيل المولدات، إذ تهدد بصورة مباشرة قدرة المؤسسات الصحية على الحفاظ على الأدوية والمواد الطبية التي تحتاج إلى ظروف تخزين محددة.

أزمة أدوية جديدة تلوح في الأفق

وبالتوازي مع أزمة الوقود، حذّر زقوت من بروز أزمة جديدة في الأدوية، بعد رفض إدخال شحنات دوائية إلى قطاع غزة عبر الشركات التجارية منذ عدة أسابيع، عقب فترة قصيرة من انفراجة محدودة.

وأشار إلى أن النقص في الأجهزة الطبية والبروتوكولات التشخيصية ومواد الفحص المخبري لا يزال قائمًا دون حلول، في ظل استمرار احتجاز هذه المواد وتعطيل دخولها، الأمر الذي يضيّق بصورة أكبر هامش الخدمات التي تستطيع المؤسسات الصحية تقديمها.

وكانت وزارة الصحة قد حذرت في وقت سابق من تفاقم النقص في الأدوية والمستهلكات الطبية ومواد الفحص المخبري، مشيرة إلى وصول أرصدة 47% من الأدوية الأساسية إلى مستوى الصفر، فيما بلغت نسبة العجز في المستهلكات الطبية 59%، والنقص في مواد الفحص المخبري 87%.

الشهران المقبلان.. مخاوف من وضع أكثر صعوبة

وحذر مدير الإغاثة الطبية من أن الشهرين المقبلين قد يشهدان تدهورًا أكبر في الوضع الصحي، خصوصًا مع اقتراب فصل الشتاء، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية أصلًا من نقص حاد في الإمكانات.

وتزداد المخاوف مع الاكتظاظ الكبير وتردي ظروف الإيواء داخل الخيام، التي تفتقر إلى كثير من مقومات الحياة الأساسية، في وقت تبرز فيه حاجة عاجلة إلى نحو 300 ألف خيمة بديلة.

وقال زقوت إن هذه الظروف بدأت تنعكس صحيًا، مع ارتفاع ملحوظ في أمراض الجهاز التنفسي العلوي بين السكان.

سوء التغذية وفقر الدم يفاقمان الأزمة

ولا تقتصر الأزمة على تراجع الخدمات الطبية، إذ تظهر آثار الظروف المعيشية الصعبة في نتائج الفحوصات الطبية للمواطنين.

وأشار زقوت إلى تسجيل صدمات ونتائج مقلقة خلال الفحوصات الروتينية، بما يؤكد تفشي سوء التغذية المزمن وارتفاع معدلات فقر الدم، إلى جانب انخفاض مستويات الهيموغلوبين إلى مستويات حادة.

كما تحدث عن انتشار أمراض مناعية وجلدية مرتبطة بالظروف الصحية والبيئية الصعبة، بما فيها الأمراض الناجمة عن الطفيليات والحشرات داخل مناطق الإيواء، وهو ما يزيد الضغط على المؤسسات الصحية التي تعمل أصلًا بقدرات محدودة.

مستشفيات ومراكز صحية تقلّص خدماتها

وتأتي هذه التطورات في وقت بدأت فيه مؤسسات صحية فعلية بتقليص خدماتها نتيجة نقص الوقود ومستلزمات التشغيل.

فقد علّق مستشفى الوفاء الطبي في غزة مؤقتًا عددًا من خدماته الأساسية، من بينها العيادات الخارجية والعمليات الجراحية والعلاج الطبيعي والوظيفي الخارجي وخدمات النطق ومشكلات البلع، بسبب أزمة نفاد الوقود وقطع الغيار والزيوت.

وقبل ذلك، أعلن مستشفى الكويت التخصصي في خانيونس تعليق العمل فيه بشكل كامل بعد نفاد الوقود اللازم لتشغيل مولدات الكهرباء، ما حرم نحو 3 آلاف مريض من تلقي العلاج.

كما أعلن مدير جمعية الإغاثة الطبية في شمال غزة، محمد أبو عفش، أن منظمة الصحة العالمية أبلغت بعض المراكز الصحية المستفيدة من إمدادات الوقود بأن تزويدها به سيتوقف بعد 19 سبتمبر/أيلول الجاري، الأمر الذي قد يؤدي إلى توقف أو تعطل الخدمات في نحو سبعة مراكز صحية غير حكومية وأهلية.

وأوضح أبو عفش أن الإجراء لا يتعلق بالمستشفيات الحكومية والعامة، وإنما بعدد من المراكز والمستشفيات والمؤسسات الصحية غير الحكومية، مؤكدًا أن هذه المؤسسات تؤدي دورًا تكميليًا وأساسيًا في إسناد المستشفيات الكبرى التي تواجه أصلًا ضغطًا غير مسبوق ونقصًا حادًا في الإمكانات.

19 مستشفى فقط تعمل

وتكشف أرقام القطاع الصحي حجم التراجع الذي أصاب البنية الطبية في غزة؛ إذ تشير أحدث المعطيات التي أوردتها وكالة سند إلى أن 19 مستشفى فقط تعمل حاليًا، بينها أربعة مستشفيات حكومية تعمل في ظروف استثنائية ومعقدة، من أصل 38 مستشفى في مختلف أنحاء القطاع.

وبحسب الوكالة، خرج 26 مستشفى عن الخدمة خلال الحرب، فيما يقترب العجز الدوائي العام من 50%، ويبلغ العجز في المستهلكات الطبية 58%، بينما تصل نسبة الشح في مواد الفحص المخبري إلى 85%.

وتنسجم هذه الصورة مع تقييمات دولية أوسع؛ إذ قالت منظمة الصحة العالمية إن الأضرار التي لحقت بالقطاع الصحي في غزة قُدرت بنحو 1.4 مليار دولار، فيما تضرر أكثر من 1800 مرفق صحي بصورة جزئية أو كلية، من المستشفيات الكبرى إلى مراكز الرعاية الأولية والعيادات والصيدليات والمختبرات.

أزمة تتجاوز المستشفيات

ولا تبدو الأزمة الصحية في غزة منفصلة عن الأوضاع الإنسانية الأوسع، إذ إن تدهور المياه والصرف الصحي والتغذية والإيواء والاكتظاظ يرفع منسوب المخاطر الصحية ويزيد الطلب على الخدمات الطبية.

وفي تقرير نشرته الأونروا في أغسطس/آب 2026، وصفت الوكالة النظام الصحي في غزة بأنه يعاني من انهيار منهجي، مع استمرار النقص في الأدوية والمستلزمات والوقود والكوادر، وتراجع الخدمات في مجالات الرعاية الأولية والطوارئ والأمراض المزمنة وصحة الأم والطفل والإحالات الطبية.

كما حذرت الأونروا من أن وجود منشأة صحية لا يعني بالضرورة أنها قادرة على العمل بصورة كاملة، أو أنها مزودة بما يكفي من الأدوية والمستلزمات والوقود، في ظل استمرار القيود على وصول المساعدات وإعادة تأهيل المرافق الصحية.

وبذلك، تتجه الأزمة الصحية في قطاع غزة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، لا يرتبط خطرها فقط بعدد المستشفيات الخارجة عن الخدمة، وإنما بقدرة المؤسسات المتبقية على الاستمرار في العمل، في ظل نقص الوقود والأدوية ومواد التشخيص، وتزايد الأمراض المرتبطة بسوء التغذية وظروف الإيواء، ما يجعل أي تراجع إضافي في الإمدادات قابلًا للانعكاس مباشرة على قدرة المنظومة الطبية على تقديم خدماتها الأساسية.

Exit mobile version