Site icon Palestinealyoum

اللاجئون الفلسطينيون .. حق العودة لا يسقط

المركز الفلسطيني للإعلام

في كل مرة تُختزل فيها مأساة فلسطين في أرقام المساعدات أو صور الخيام، يجري تغييب الحقيقة المركزية: اللاجئون الفلسطينيون ليسوا حالة إنسانية طارئة نشأت بفعل حرب وانتهت، بل شعب اقتُلع من مدنه وقراه بقوة السلاح، ثم مُنع على مدى عقود من العودة إلى بيته وأرضه. القضية هنا ليست البحث عن تحسين شروط المنفى، بل إنهاء سببه السياسي والاستعماري.

من يزور مخيما في غزة أو الضفة الغربية أو لبنان أو سوريا أو الأردن لا يرى مجرد تجمع سكاني مكتظ. يرى خريطة فلسطين حاضرة في أسماء الأزقة والمدارس والجمعيات: صفورية، إجزم، المجدل، اللد، بئر السبع، عين حوض، وقرى كثيرة حاول الاحتلال محوها من الذاكرة كما محاها من المكان. الذاكرة لدى اللاجئ ليست حنينا مجردا، بل وثيقة ملكية شعبية تتوارثها الأجيال.

اللاجئون الفلسطينيون: من النكبة إلى التهجير المتجدد

عام 1948 لم يكن فاصلا زمنيا مغلقا، بل بداية نظام مستمر من الاقتلاع. خلال النكبة هُجّر مئات الآلاف من الفلسطينيين من بلداتهم وقراهم، ودُمّرت قرى كثيرة أو أُفرغت من سكانها، فيما استولت الحركة الصهيونية ثم دولة الاحتلال على الأراضي والممتلكات ومنعت أصحابها من الرجوع. تحول الفلسطيني الذي كان يعيش في بيته إلى لاجئ، بينما مُنح القادم من الخارج امتياز الاستيطان في المكان ذاته.

هذا التناقض يكشف جوهر القضية. إسرائيل لا تعامل العودة بوصفها حقا فرديا وجماعيا فحسب، بل تراها تهديدا مباشرا للمشروع الذي قام على إحلال جماعة استيطانية محل السكان الأصليين. لذلك تصر على تحويل النكبة إلى حدث تاريخي بعيد، وعلى تصوير اللاجئين كعبء إغاثي ينبغي توطينه أو دمجه حيث يقيمون، لا كأصحاب حق لهم أسماء وأراض وسجلات وورثة.

ثم جاءت نكسة 1967 لتضيف موجة تهجير جديدة من الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، واستمرت سياسات الإبعاد وسحب الهويات وهدم المنازل ومصادرة الأراضي. وفي السنوات الأخيرة، أعادت حرب الإبادة على قطاع غزة وضع التهجير الجماعي في قلب المشهد، مع دفع السكان من منطقة إلى أخرى تحت القصف، وتدمير الأحياء والبنية المدنية، وطرح أفكار التهجير خارج القطاع باعتبارها خيارا سياسيا. لا يمكن فصل هذا الواقع عن تاريخ النكبة، لأن الأدوات تتغير لكن المنطق واحد: تفريغ الأرض من أهلها.

المخيم ليس وطنا بديلا

نشأت المخيمات باعتبارها ترتيبا مؤقتا لضحايا اقتلاع قسري، لكن طول الزمن حولها إلى فضاء اجتماعي وسياسي كامل. فيها مدارس ومراكز صحية وأسواق وحياة يومية، وفيها أيضا اكتظاظ وفقر وقيود قانونية وهشاشة أمنية. قدرة اللاجئين على بناء مجتمع وحماية كرامتهم داخل المخيم لا تعني أن المخيم أصبح بديلا عن حيفا أو يافا أو بيسان أو الرملة.

لهذا فإن تحسين الخدمات في المخيمات ضرورة لا جدال فيها، لكنه لا يجوز أن يصبح بديلا سياسيا عن العودة. المساعدة الطبية والتعليمية والإغاثية تحمي الناس من آثار الظلم، لكنها لا تعالج الظلم نفسه. الخلط بين المسارين يخدم من يريد تحويل حق العودة إلى ملف إدارة أزمات لا قضية تحرر وحقوق.

حق العودة: حق قانوني لا ورقة تفاوضية

يستند حق العودة إلى مبادئ واضحة في القانون الدولي: لا يجوز حرمان السكان الذين أُجبروا على مغادرة ديارهم من الرجوع إليها، ولهم الحق في استرداد ممتلكاتهم أو التعويض العادل عنها، دون أن يكون التعويض بديلا قسريا عن العودة. كما يرسخ القرار 194 المبدأ المتعلق بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم في أقرب وقت ممكن، مع معالجة مسألة الممتلكات والتعويض.

لكن أهمية الحق لا تتوقف عند النصوص. الحق يكتسب قوته أيضا من أصحابه الذين لم يتخلوا عنه. الفلسطيني الذي يحتفظ بمفتاح البيت أو وثيقة الأرض لا يطالب بامتياز مستحدث، بل يرفض أن تتحول جريمة الطرد إلى واقع مشروع بفعل مرور الزمن. لا تسقط الحقوق لأن الاحتلال طال، ولا تصبح المصادرة قانونية لأن المستوطنات توسعت فوق الأرض المصادرة.

تطرح بعض الخطابات السياسية حق العودة كعقبة أمام التسوية، وكأن المشكلة في حق الضحية لا في جريمة طرده. هذا قلب متعمد للمعادلة. السلام الذي يطلب من اللاجئ أن يتنازل عن قريته وذاكرته وممتلكاته مقابل صيغة غامضة من التعويض أو الإقامة الدائمة في المنفى ليس سلاما عادلا، بل تثبيت قانوني لنتائج التطهير والتهجير.

وكالة الغوث بين الخدمة والمعركة السياسية

تؤدي وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين دورا لا يمكن الاستغناء عنه في حياة ملايين اللاجئين، خصوصا في التعليم والصحة والإغاثة. غير أن استهدافها السياسي والمالي لا يتعلق فقط بموازنة مؤسسة أممية، بل بمحاولة ضرب الشاهد الدولي على وجود قضية لاجئين فلسطينيين لم تُحل.

حين تتكرر الدعوات إلى إنهاء الوكالة أو تغيير تعريف اللاجئ، فإن المقصود العملي هو تفكيك الصفة السياسية والقانونية للقضية. لا يعني ذلك أن الوكالة بديل عن منظمة التحرير أو عن الواجب الدولي لإنفاذ الحقوق، لكنها تبقى شاهدا مؤسسيا على أن اللجوء الفلسطيني نتج عن اقتلاع لم يجر إصلاحه. تجفيفها يضاعف معاناة الناس ويمنح الاحتلال مكسبا سرديا في الوقت نفسه.

بين الاندماج والعودة: لا تناقض في الكرامة

يحاول البعض تقديم المسألة بخيار زائف: إما أن يحصل اللاجئ على حياة كريمة وحقوق مدنية في بلد الإقامة، أو أن يتمسك بالعودة. الحقيقة أن المطالبة بالحقوق المدنية والإنسانية في أماكن اللجوء لا تتعارض مع حق العودة، بل تحمي كرامة اللاجئين إلى حين استرداد حقوقهم. لا يجوز أن يُعاقب إنسان بالحرمان من العمل أو العلاج أو التعليم لأنه يرفض التنازل عن وطنه.

كما أن حصول بعض الفلسطينيين على جنسية في بلد ما لا يمحو بالضرورة انتماءهم أو حقوقهم في ممتلكاتهم ووطنهم. المسألة تتعلق بظروف كل مجتمع وكل عائلة، لكن القاعدة يجب أن تبقى ثابتة: لا يملك أحد أن يفرض التوطين بديلا عن العودة، ولا أن يستخدم هشاشة اللاجئين الاقتصادية لانتزاع تنازل سياسي منهم.

المطلوب من الدول المضيفة والمجتمع الدولي ليس إدارة اللجوء إلى ما لا نهاية، بل حماية اللاجئين من التمييز والعوز، ورفض مشاريع التهجير الجديدة، ومساءلة الاحتلال عن جريمة الاقتلاع المستمرة. أما من يتحدث عن الاستقرار الإقليمي بينما يتجاهل أصل المأساة، فإنه يطلب الاستقرار فوق ظلم قائم.

معركة الرواية تبدأ من الاسم

تبدأ محاولات شطب القضية أحيانا بلغة تبدو محايدة: نازحون، سكان متضررون، أزمة سكانية، مشكلة إنسانية. هذه المصطلحات قد تصف جانبا من الواقع، لكنها لا تكفي إذا أزالت الفاعل السياسي والجريمة الأصلية. اللاجئ الفلسطيني هو فلسطيني هُجّر قسرا من أرضه، والاحتلال هو الطرف الذي منع عودته وواصل مصادرة وطنه.

حماية الرواية لا تعني الاكتفاء بتكرار الماضي، بل ربطه بما يحدث الآن. حين تُقصف مخيمات الضفة، أو تُهدم بيوت القدس، أو يُدفع أهل غزة للنزوح تحت النار، تصبح النكبة واقعا متجددا لا ذكرى سنوية. وحين يرفع أبناء اللاجئين اسم قريتهم في المسيرات والجامعات والمنصات الإعلامية، فهم يرفضون نجاح مشروع المحو.

المسؤولية العملية تقع أيضا على كل من يكتب أو يدرس أو يوثق. حفظ أسماء القرى، تسجيل شهادات كبار السن، حماية وثائق الملكية، وتعليم الأجيال أن العودة حق وليست شعارا، كلها أعمال مواجهة. فالقضية التي يحاول الاحتلال دفنها تحت ركام البيوت وسنوات المنفى تبقى حية ما دام أصحابها يعرفون الطريق إلى أرضهم ويطالبون به بصوت واضح.

Exit mobile version