
المركز الفلسطيني للإعلام/ خاص
لم تقتصر خسائر الحرب في قطاع غزة على المنازل التي سُوّيت بالأرض، أو مصادر الدخل التي اختفت تحت الركام، بل امتدت إلى بنية الأسرة نفسها، بعدما وجدت آلاف النساء أنفسهن أمام مسؤوليات لم يكنّ يتحملنها وحدهن من قبل؛ من تأمين الطعام والمأوى، إلى رعاية الأطفال ومواجهة النزوح، ومحاولة إبقاء أسرهن متماسكة في ظروف استثنائية.
وبينما تحولت الخيام ومراكز الإيواء إلى مساحات بديلة للسكن، أصبحت نساء كثيرات المعيل الوحيد لأطفالهن، سواء بعد استشهاد أزواجهن أو فقدانهم أو إصابتهم، أو نتيجة عجزهم عن العمل. ولم يعد التحدي مقتصرًا على تدبير الاحتياجات اليومية، بل بات متعلقًا بإعادة تنظيم الحياة الأسرية في ظل فقدان المسكن والدخل وشبكات الدعم الاجتماعي.
وتكشف بيانات أممية حديثة أن هذه التحولات لم تعد حالات فردية معزولة، إذ قدّرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة، في تقرير نشرته في 8 سبتمبر/أيلول 2026، عدد الأسر التي تعيلها نساء في غزة بنحو 86,290 أسرة، بما يعادل قرابة أسرة واحدة من كل أربع أسر، مقارنة بنحو أسرة واحدة من كل تسع أسر قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023. وهذا يعني أن الحرب لم تغيّر ظروف معيشة الأسرة فحسب، بل أعادت توزيع مسؤوليات الإعالة والرعاية داخل المجتمع الغزي.
من رعاية المنزل إلى تحمّل أعباء الأسرة كاملة
قبل الحرب، كانت أسر كثيرة تعتمد على توزيع الأدوار بين الزوجين؛ يتولى أحدهما توفير الدخل، بينما يدير الآخر شؤون المنزل ويرعى الأطفال. ومع فقدان المعيل أو إصابته أو غيابه، اضطرت نساء إلى الجمع بين المسؤوليات المنزلية والبحث عن مصادر دخل، في وقت تراجعت فيه فرص العمل وتضررت الأسواق والمشروعات الصغيرة.
وفي تقرير نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية في 21 سبتمبر/أيلول 2026، ونقلت فيه شهادات من قطاع غزة، ظهرت هذه التحولات بوضوح في تجربة نساء فقدن أزواجهن ومصادر رزق أسرهن، واضطررن إلى البحث عن أعمال بديلة لتوفير الاحتياجات الأساسية لأطفالهن.
ومن بين الحالات التي تناولها التقرير، هناء عبد العال، وهي أم لأربعة أطفال فقدت زوجها أشرف في ديسمبر/كانون الأول 2024، بعدما خرج إلى ما تبقى من منزل الأسرة في رفح بحثًا عن الدقيق خلال فترة اشتداد الجوع. ووفق شهادتها للصحيفة، عاد إليها جثمانه بعد مقتله، فيما وجدت نفسها مضطرة إلى مواصلة الحياة وتوفير احتياجات أطفالها في ظروف النزوح.
وتعيش الأسرة في مخيم البركة بالمواصي، حيث أنشأ مواطنون تجمعًا لإيواء أرامل وأطفالهن وأيتام فقدوا والديهم. وتعمل عبد العال في بيع بعض السلع الغذائية البسيطة داخل المخيم، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرتها. وتكشف هذه التجربة كيف يمكن لفقدان شخص واحد أن يغيّر بصورة جذرية مصادر دخل الأسرة، وتقسيم العمل داخلها، ومسار حياة الأطفال.
ولا تقتصر هذه التحولات على النساء اللواتي فقدن أزواجهن؛ فإصابة المعيل أو فقدانه القدرة على العمل، أو اختفاؤه وعدم معرفة مصيره، قد يدفع الزوجة إلى تولّي مسؤوليات اقتصادية واجتماعية جديدة، حتى إن ظل الزوج موجودًا ضمن الأسرة. وهو ما يجعل مفهوم الإعالة أوسع من الحالة المسجلة رسميًا بوصفها أسرة ترأسها امرأة.
أرقام تكشف اتساع العبء
تظهر بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة تفاوتًا واضحًا في الظروف المعيشية بين الأسر التي تعيلها نساء وتلك التي يعيلها رجال. فقد أفادت الهيئة بأن 68% من الأسر التي تعيلها نساء لا تُلبّى احتياجاتها السكنية، مقابل 55% من الأسر التي يعيلها رجال. كما أن 74% من منازل الأسر التي تعيلها نساء تعرضت للضرر أو التدمير، مقارنة بـ67% من منازل الأسر التي يعيلها رجال.
وأشارت البيانات ذاتها إلى أن الأسر التي تعيلها نساء اضطرت إلى النزوح بمعدل ثماني مرات منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، مقابل سبع مرات للأسر التي يعيلها رجال، فيما تحتاج 67% من هذه الأسر بصورة عاجلة إلى مساعدات نقدية لتأمين متطلبات البقاء اليومية. وتوضح هذه الأرقام أن اتساع مسؤولية المرأة عن الأسرة يجري في بيئة تفتقر أصلًا إلى الحد الأدنى من الاستقرار السكني والاقتصادي.
وتتضاعف الأعباء عندما تجد المرأة نفسها مسؤولة عن أطفال صغار أو أفراد يعانون أمراضًا مزمنة أو إعاقات، في ظل صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية ومستلزمات النظافة والمياه والغذاء. فالمهمة لا تتوقف عند توفير الاحتياجات، بل تشمل البحث عنها، والوصول إلى أماكن توزيع المساعدات، ونقلها، وتنظيم استخدامها بين أفراد الأسرة.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن القيود المفروضة على وصول المساعدات واستمرار انعدام الأمن يضعان النساء المعيلات أمام خيارات يومية قاسية، تتعلق بكيفية توزيع الموارد المحدودة وتأمين احتياجات الأطفال. وفي مثل هذه الظروف، تتحول إدارة المنزل إلى عملية مستمرة للموازنة بين احتياجات أساسية لا تتوافر دائمًا في الوقت نفسه.
النزوح يعيد تشكيل الحياة داخل الأسرة
لم يعد المنزل بالنسبة إلى كثير من الأسر الغزية مكانًا ثابتًا يوفر الخصوصية والاستقرار، بل أصبح خيمة أو مساحة مشتركة داخل مركز إيواء، تتداخل فيها أنشطة الطهي والنوم والغسل ورعاية الأطفال. ويؤثر هذا الواقع في العلاقات الأسرية، وفي قدرة الأمهات على تنظيم حياة أبنائهن، وتوفير بيئة مناسبة للتعلم والراحة والنمو.
وتتسع المشكلة حين تتكرر عمليات النزوح، إذ تضطر الأسرة إلى إعادة ترتيب احتياجاتها في كل مرة، وقد تفقد ما تبقى لديها من ممتلكات أو أدوات عمل أو مستلزمات تعليمية. كما أن غياب المساحة الخاصة يفرض قيودًا إضافية على النساء والفتيات، خصوصًا في ما يتعلق بالنظافة الشخصية واستخدام المرافق الصحية والحركة الآمنة.
وفي تقرير نشره صندوق الأمم المتحدة للسكان في 17 سبتمبر/أيلول 2026، استند إلى نقاشات جماعية وملاحظات ميدانية ومقابلات مع نساء ومقدمي خدمات في مواقع النزوح، حذّر من أن الاكتظاظ وضعف الإنارة وغياب الخصوصية وتدهور مرافق المياه والصرف الصحي تزيد مخاطر الحماية أمام النساء والفتيات، وتحد من قدرتهن على الوصول إلى الخدمات بأمان وكرامة.
وأكد التقرير أن إتاحة الخدمة لا تعني بالضرورة القدرة على الاستفادة منها؛ إذ ينبغي أن تتمكن النساء والفتيات من الوصول إلى المرافق والمساعدات واستخدامها بأمان وسرية ومن دون خوف أو انتهاك لخصوصيتهن.
وبالنسبة إلى النساء اللواتي يتحملن مسؤولية أسر كاملة، فإن هذه الظروف تضيف طبقة أخرى من الأعباء؛ فالأم لا تواجه مخاطرها الشخصية فقط، بل تضطر إلى التفكير في سلامة أطفالها وحمايتهم، وتحديد أماكن نومهم وحركتهم، وتأمين احتياجاتهم في بيئة تتراجع فيها مقومات الأمان.
الأطفال يدفعون ثمن التحولات الأسرية
تمتد آثار هذه التحولات إلى الأطفال، الذين قد يجدون أنفسهم أمام مسؤوليات جديدة في سن مبكرة، خصوصًا عندما تعجز الأسرة عن تأمين دخل كافٍ. وقد يضطر بعضهم إلى العمل أو مساعدة الأم في البيع وجمع الاحتياجات، فيما تتأثر قدرة آخرين على الانتظام في التعليم أو متابعة دروسهم.
وتبرز هنا معضلة لا تتعلق بالاحتياجات المادية وحدها، بل بمستقبل الأسرة على المدى الطويل: فحين يترك الطفل التعليم لمساعدة والدته، قد يساهم في توفير دخل آني، لكنه يخاطر بخسارة فرص تعليمية ومهنية لاحقة. كما أن استمرار الأم في تحمّل أعباء العمل والرعاية معًا قد يحد من الوقت المتاح لمتابعة تعليم الأطفال واحتياجاتهم النفسية.
ولا يعني ذلك أن جميع الأسر تسلك المسار ذاته؛ إذ تختلف الظروف بحسب عدد أفراد الأسرة، ومدى توافر الدعم من الأقارب، ووجود مصدر دخل، وطبيعة السكن، وقدرة الأطفال على مواصلة التعلم. غير أن اتساع ظاهرة الأسر التي تعيلها نساء يجعل دراسة أثرها على الأطفال ضرورة لفهم التحولات الاجتماعية التي خلّفتها الحرب.
ومن هنا، لا ينبغي أن يقتصر تقييم احتياجات هذه الأسر على عدد الأطفال أو كمية المساعدات الغذائية المقدمة إليها، بل ينبغي أن يشمل استمرار التعليم، والرعاية الصحية والنفسية، وتوفير الحماية، ومنع اضطرار الأطفال إلى العمل في ظروف تحرمهم من فرص النمو والتعلم.
بين الصمود والاستنزاف
غالبًا ما تُقدَّم النساء في أوقات الحرب بوصفهن رمزًا للصمود، وهو وصف يعكس قدرة كثيرات على مواصلة رعاية أسرهن رغم الخسائر. لكن التركيز على الصمود وحده قد يحجب حقيقة أخرى، تتمثل في أن استمرار الأسرة لا يعني أن احتياجاتها ملبّاة، أو أن المرأة قادرة على مواصلة تحمل الأعباء نفسها إلى أجل غير معلوم.
فالمرأة التي تدبر الطعام والسكن وتتابع تعليم أطفالها وتعتني بمرضى الأسرة، بينما تبحث عن مصدر دخل في سوق عمل منهك، تحتاج إلى دعم مادي وخدمات حماية ورعاية صحية ونفسية، لا إلى الإشادة بقدرتها على الاحتمال فحسب.
ويشير تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى ضرورة دمج تدابير حماية النساء والفتيات في قطاعات الإيواء والمياه والصرف الصحي والصحة وتوزيع الغذاء، مع تحسين الإنارة والخصوصية وآليات الشكاوى، وضمان مشاركتهن في القرارات التي تمس حياتهن. وتكتسب هذه التوصيات أهمية خاصة في ظل اتساع مسؤولية النساء عن أسرهن وتراجع مقومات الحياة الآمنة.
كما أن الاستجابة لا يمكن أن تقتصر على المساعدات الطارئة، بل ينبغي أن تشمل توفير المأوى الملائم، وفرص الدخل، ودعم المشروعات الصغيرة، وإعادة الخدمات الأساسية، وتسهيل وصول النساء إلى المساعدات بصورة مستقلة وآمنة، من دون أن يضطررن إلى الاعتماد على وسطاء أو مواجهة مخاطر إضافية للحصول على حقوقهن الأساسية.
إعادة بناء الأسرة تبدأ باستعادة شروط الحياة
تكشف التحولات التي شهدتها الأسرة الغزية أن آثار الحرب لا تنتهي عند توقف القصف أو إزالة الأنقاض؛ ففقدان المعيل، وتدمير المنزل، وانقطاع الدخل، وتكرار النزوح، كلها عوامل قد تترك آثارًا طويلة الأمد في العلاقات الأسرية والقدرة على تلبية الاحتياجات اليومية.
وتحتاج معالجة هذه الآثار إلى مقاربة تتجاوز النظر إلى المرأة بوصفها مستفيدة من المساعدات، لتعاملها باعتبارها صاحبة حق وفاعلة أساسية في إعادة بناء المجتمع. ويشمل ذلك توفير الموارد التي تمكّنها من إعالة أسرتها، وضمان السكن الآمن، واستعادة التعليم والرعاية الصحية، وإشراك النساء في تحديد الأولويات المتعلقة بالتعافي والإعمار.
كما يتطلب فهم حجم التغير الاجتماعي توسيع البيانات المتاحة عن الأسر التي تعيلها نساء، لتشمل النساء اللواتي يتحملن فعليًا مسؤولية الأسرة من دون أن يُسجّلن رسميًا بوصفهن معيلات، بما في ذلك زوجات المفقودين والمصابين والعاجزين عن العمل. فهذه الفئات قد تواجه أعباء مماثلة، لكنها لا تظهر دائمًا بوضوح في الإحصاءات.
وفي المحصلة، لا تحمل النساء في غزة مسؤولية إعالة أسرهن وحدها، بل يحاولن أيضًا الحفاظ على تماسكها في ظل غياب المنزل والدخل والاستقرار. ومن هنا، فإن استعادة الحياة الأسرية لا تبدأ بإعادة بناء الجدران فقط، بل بإعادة توفير الشروط التي تسمح للأسرة بأن تعيش بأمان وكرامة، وللنساء بأن يتحملن مسؤولياتهن من دون أن يُتركن وحدهن في مواجهة تبعات الحرب.
