Site icon Palestinealyoum

بلا سقف ولا خيمة.. أسر غزة تواجه الشتاء من تحت الركام

لم تعد الأسرة في غزة تبحث عن منزل يقيها قسوة الحياة، بل عن سقف لا يسقط فوق رؤوس أطفالها، أو خيمة تصمد أمام المطر والرياح. وفي شارع حميد غرب مدينة غزة، وجدت عشرات العائلات نفسها أمام فصل جديد من المأساة، بعدما خلفت الاستهدافات الأخيرة منازل مهدمة وأخرى غير صالحة للسكن، بينما يقترب الشتاء محملًا بمخاوف الغرق والبرد وانعدام المأوى.

هناك، بين البيوت المتضررة والركام، وثق فريق طوارئ غرب غزة التابع لوزارة التنمية الاجتماعية، بالشراكة مع وزارة الأشغال العامة والإسكان، حجم الكارثة التي لحقت بالسكان خلال زيارة ميدانية هدفت إلى حصر الأضرار وتقييم الاحتياجات الإنسانية للأسر المتضررة.

وأظهرت نتائج الحصر تضرر 67 أسرة بصورة مباشرة، بينها 9 أسر فقدت منازلها بالكامل، فيما أصبحت منازل 24 أسرة غير صالحة للسكن بعد تعرضها لأضرار بالغة، وسجلت 34 أسرة أضرارًا جزئية في منازلها وممتلكاتها.

ولم تكن هذه الأرقام مجرد نتائج لمسح ميداني، بل تعكس واقع عشرات آلاف العائلات التي وجدت نفسها فجأة أمام سؤال المأوى، في قطاع أنهكت حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية بنيته السكنية، ودفعت أعدادًا هائلة من السكان إلى النزوح والعيش في الخيام أو المباني المتضررة.

وأكدت الفرق الميدانية حصر وتوثيق جميع الأسر المتضررة وإدخال بياناتها ضمن برنامج الاستجابة الطارئة، إلى جانب إعداد قاعدة بيانات إلكترونية تهدف إلى تحديد الاحتياجات وتسريع وصول المساعدات.

تمثل معاناة سكان شارع حميد صورة مصغرة من أزمة إيواء أوسع يعيشها قطاع غزة، حيث تواصل آلاف الأسر مواجهة واقع قاسٍ داخل خيام مهترئة أو مساكن متضررة تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان.

وتحذر الأمم المتحدة من أن معظم سكان القطاع، البالغ عددهم نحو 2.1 مليون نسمة، يقتربون من موسم الأمطار وهم يعيشون في مواقع نزوح مكتظة، وسط مخاطر متزايدة من الفيضانات وانتشار الأمراض، في وقت تواجه فيه الجهود الإنسانية نقصًا في التمويل وقيودًا على إدخال المواد اللازمة للإيواء.

وكشفت تقييمات أممية حديثة أن عمليات التدقيق شملت نحو 230 موقعًا للنزوح يضم أكثر من 187 ألف شخص، وأظهرت تدهورًا في أوضاع الملاجئ والحاجة الملحة إلى حمايتها من الأمطار، إلى جانب مشكلات في الصرف الصحي وضعف تصريف المياه ووجود مواقع معرضة للغرق.

وفي الوقت الذي تحتاج فيه آلاف الأسر إلى حلول عاجلة، لا تزال المواد الأساسية اللازمة لتجهيز الخيام وتأهيلها وحمايتها من المياه شحيحة، بينما تشير تقديرات قطاع الإيواء إلى الحاجة إلى مئات الشاحنات لإدخال كميات من الخيام والأغطية البلاستيكية والخشب ومواد العزل والمعدات الضرورية للاستجابة الإنسانية.

لا يحتاج سكان غزة إلى تجربة جديدة ليدركوا ما قد يعنيه الشتاء داخل الخيام، فقد شهد الشتاء الماضي غرق وتدمير آلاف الملاجئ المؤقتة، وأجبرت الأمطار والرياح عائلات كثيرة على البحث عن مكان بديل بعد أن أصبحت خيامها غير صالحة للسكن.

وخلال كانون الثاني/يناير الماضي، حذرت منظمات أممية من أن نحو مليون شخص في غزة كانوا يفتقرون إلى مأوى مناسب، فيما يعيش كثيرون داخل خيام أو مبانٍ متضررة مهددة بالانهيار، الأمر الذي ضاعف مخاطر البرد والأمراض، ولا سيما على الأطفال وكبار السن والمرضى. كما سجلت وفيات لأطفال نتيجة انخفاض درجات الحرارة.

وتزداد المخاوف مع اقتراب موسم الأمطار، خصوصًا في المناطق المنخفضة والمواقع الساحلية التي أقيمت فيها مخيمات النزوح على أراضٍ هشة ومعرضة للغرق.

وفي هذا السياق، أطلق مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي، الدكتور إسماعيل الثوابتة، نداءً عاجلًا إلى المجتمع الدولي والجهات المانحة والمؤسسات المحلية لتوحيد الجهود وتوفير استجابة فورية تحمي الأسر النازحة قبل حلول الشتاء.

وحذر الثوابتة من الهشاشة الكبيرة التي تعيشها مخيمات النزوح، مؤكدًا أن الأمطار والبرد يمثلان تهديدًا مباشرًا لحياة وكرامة آلاف الأسر، خاصة الأرامل والأيتام وكبار السن والمرضى والأشخاص ذوي الإعاقة.

وتتركز الاحتياجات العاجلة، بحسب الثوابتة، في توفير الخيام ومواد الإيواء المقاومة للأمطار، والأغطية والملابس الشتوية ووسائل التدفئة الآمنة، إلى جانب مواد عزل الخيام وحمايتها من الغرق والرطوبة.

كما تبرز الحاجة إلى تجهيز شبكات وممرات لتصريف مياه الأمطار، وتعزيز خدمات النظافة والصحة العامة، وتوفير الدعم اللوجستي والفني للجان الإيواء والفرق العاملة في الميدان.

وبينما يطالب المسؤولون بتسريع الاستجابة الإنسانية، لا تزال فجوة كبيرة تفصل بين حجم الاحتياجات والإمكانات المتاحة. فقد تمكنت الجهات الإنسانية خلال شهر آب/أغسطس من تقديم مساعدات إيواء ومستلزمات غير غذائية لنحو 28,631 أسرة، في انخفاض يقارب 32 بالمئة مقارنة بالشهر السابق، وهو تراجع يعكس حجم الضغوط التي تواجه عمليات الإغاثة.

وفي غزة، لم يعد فقدان المنزل يعني الانتقال إلى مكان أكثر أمانًا، بل قد يعني الانتقال من بيت مدمر إلى خيمة مثقوبة، أو إلى بقايا مبنى مهدد بالانهيار، أو إلى العراء.

وتبقى أسر شارع حميد، شأنها شأن آلاف العائلات الأخرى، أمام انتظار ثقيل لا يحتمل التأجيل؛ فكل يوم يمر دون توفير مأوى مناسب يجعل فصل الشتاء القادم أكثر قسوة.

وبين 67 أسرة تضررت منازلها في شارع واحد، تتجسد مأساة قطاع بأكمله، حيث لم تعد الخيمة حلًا مؤقتًا بقدر ما أصبحت آخر ما يمكن التمسك به، فيما يبقى الأمل معلقًا بتدخل عاجل يمنح العائلات سقفًا يحميها من المطر، ومكانًا آمنًا يحفظ للأطفال حقهم البسيط في النوم دون خوف.

Exit mobile version