Site icon Palestinealyoum

بلفور ليس الخطيئة الوحيدة.. 109 أعوام من ظلم العالم لفلسطين وشعبها

وعد بلفور واستمرار مأساة الشعب الفلسطيني

القدس المحتلة – المركز الفلسطيني للإعلام

تحلّ الذكرى التاسعة بعد المائة لوعد بلفور، فيما لا يزال الفلسطينيون يواجهون السؤال الذي خلّفته الرسالة البريطانية عام 1917، من يحمي حقوق شعب حين تقرر القوى الكبرى مصيره، ثم تتركه يدفع ثمن قراراتها؟

 وبين وعدٍ منح مشروع إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين بدعم الإمبراطورية البريطانية، وقرارات دولية تعترف بحقوق الفلسطينيين من دون أن تضمن تنفيذها، تتواصل فصول المأساة في غزة والضفة الغربية والقدس ومخيمات اللجوء.

في الثاني من نوفمبر، لا تبدو استعادة الوعد مجرد محاكمة لوثيقة استعمارية عمرها أكثر من قرن، فالقتل والنزوح والاستيلاء على الأرض لا تزال وقائع حاضرة، فيما تكشف المسافة بين النصوص الدولية والواقع الفلسطيني أن المسؤولية لم تنتهِ بانتهاء الانتداب البريطاني، لقد انتقلت من صناعة اختلالٍ في الحقوق إلى العجز عن تصحيحه، وفي محطات محددة إلى تعطيل أدوات وقفه.

شعب غاب في المعادلة

في الثاني من نوفمبر  1917، وجّه وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور رسالة إلى اللورد روتشيلد، أعلن فيها تأييد حكومته إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وتعهد ببذل جهودها لتسهيل تحقيق هذا الهدف.

أما الفلسطينيون، فجاء ذكرهم في الرسالة تحت وصف “الطوائف غير اليهودية”، مع تعهد بعدم المساس بحقوقهم المدنية والدينية، من دون اعتراف مماثل بحقوقهم السياسية والوطنية، وهذه المفارقة، الظاهرة في نص الوثيقة نفسه، وضعت مشروعا قوميّا في صدارة الالتزام البريطاني، واختزلت سكان البلاد العرب الأصليين في جماعات تُصان حقوقها المدنية والدينية داخل مستقبل لم تشارك في تقريره.

ولم يبقَ الوعد موقفا دبلوماسيا معزولا، فقد أُدرج في صك الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم عام 1922، وألزم الصك بريطانيا بتهيئة الظروف السياسية والإدارية والاقتصادية لإقامة الوطن القومي اليهودي، ونصّ على تسهيل الهجرة اليهودية وتشجيع الاستيطان اليهودي في الأرض، مع اشتراط عدم الإضرار بحقوق بقية السكان.

هنا اتسعت المسؤولية من قرار بريطاني إلى إطار دولي منح المشروع أدوات التنفيذ، فالفارق بين الوعد والانتداب أن الأول أعلن الانحياز، بينما حوّل الثاني هذا الانحياز إلى صلاحيات إدارية وسياسات تتصل بالأرض والهجرة وبناء المؤسسات.

ومن هذه الزاوية، لا يمكن حصر المأساة الفلسطينية في توقيع بلفور، إذ ساهم النظام الدولي الذي أعقب الحرب العالمية الأولى في تحويل مضمون الرسالة إلى واقع سياسي، من دون منح الفلسطينيين حقا مكافئا في تقرير مستقبل بلدهم.

 النكبة.. حين بقيت العودة في القرارات

عند انتهاء الانتداب البريطاني عام 1948، لم يحصل الفلسطينيون على استقلالهم، وخلّفت الحرب والنكبة نحو 750 ألف لاجئ فلسطيني، وفق العرض التاريخي للأمم المتحدة، لتتحول قضية شعب يطالب بحقوقه السياسية إلى مأساة اقتلاع واسعة، تمتد آثارها عبر الأجيال.

وفي 11 ديسمبر/كانون الأول 1948، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 194، الذي نصّ على السماح للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم بالعودة في أقرب وقت ممكن، وعلى التعويض وفق أحكام القرار، وفي العام التالي، أُنشئت وكالة الأونروا لتقديم الإغاثة والتشغيل للاجئين الفلسطينيين.

كانت الإغاثة ضرورة لإنقاذ من فقدوا بيوتهم ومصادر عيشهم، لكنها لم تُنهِ الاقتلاع، ومع امتداد اللجوء، اتسعت الفجوة بين القدرة الدولية على إدارة نتائجه والعجز عن تنفيذ الحل المتعلق بحقوق أصحابه.

وهذه إحدى حلقات المسؤولية المستمرة، أن يبقى الحق مثبتا في الوثائق، فيما يتوارث الفلسطينيون اللجوء، فوجود مؤسسة تقدم التعليم والعلاج والمساعدة لا يعوّض غياب البيت، ولا يحوّل الإقامة الطويلة في المخيم إلى تسوية لقضية العودة.

الاستيطان.. إدانة تتكرر والأرض تتآكل

أضاف احتلال الضفة الغربية، بما فيها شرق القدس وقطاع غزة عام 1967 فصلا جديدا إلى القضية الفلسطينية، ومع ترسخ الاستيطان، أصبحت الأرض التي يفترض أن يقوم عليها الاستقلال الفلسطيني موضع تغيير متواصل، رغم المواقف الدولية التي تقرّ بعدم مشروعية المستوطنات.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2016، أكد مجلس الأمن في القرار 2334 أن المستوطنات في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها شرق القدس، لا تتمتع بأي شرعية قانونية وتشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي، وطالب إسرائيل بوقف الأنشطة الاستيطانية فورا وبصورة كاملة.

وبعد نحو عقد، تظهر التقارير الميدانية استمرار الاعتداء على الفلسطينيين وممتلكاتهم. فقد وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” 397 اعتداء للمستوطنين أسفر عن إصابات أو أضرار بالممتلكات بين الأول و26 أكتوبر 2026، وهي أعلى حصيلة شهرية منذ بدء توثيقه عام 2006، كما رصد نزوح 94 فلسطينيّا، بينهم 40 طفلا، من خربة الرأس الأحمر في محافظة طوباس، وسط تصاعد القيود واعتداءات المستوطنين.

لا تعني هذه الوقائع غياب المعرفة الدولية بما يجري، فالمؤسسات الأممية توثق المواقع والأعداد وأنماط الاعتداء، لكنها تكشف أن التوثيق والإدانة لم يتحولا إلى حماية كافية تمنع فقدان الأرض أو مغادرة التجمعات السكنية تحت الضغط.

 غزة.. إبادة مستمرة

في غزة، وحتى بعد أن ترك الناس فيها قرابة 3 سنوات تحت النار وحمم الصواريخ وسياسة القتل الإسرائيلية بالجملة، أخذت الفجوة بين الموقف الدولي والحماية الفعلية صورتها الأكثر قسوة، ولم تقتصر المشكلة على تأخر الاستجابة الإنسانية، بل شملت تعطيل قرارات تستهدف وقف حرب الإبادة وتيسير وصول المساعدات.

في 18 سبتمبر/أيلول 2025، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض ضد مشروع قرار في مجلس الأمن طالب بوقف فوري وغير مشروط ودائم لإطلاق النار، وإطلاق سراح جميع المحتجزين، ورفع القيود الإسرائيلية عن دخول المساعدات الإنسانية، وصوّت الأعضاء الأربعة عشر الآخرون لمصلحة المشروع.

وبررت واشنطن اعتراضها بأن النص سيترك حركة حماس في السلطة ويسمح لها بإعادة تنظيم صفوفها، لكن النتيجة العملية كانت منع المجلس من اعتماد مشروع القرار، رغم تأييد بقية أعضائه، وهنا يصبح الحديث عن العجز الدولي غير كافٍ لوصف الواقعة، إذ كان التعطيل قرارا اتخذته دولة تملك امتياز النقض.

وحتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، لم يصبح الأمان واقعا لسكان القطاع، ففي تقريره الصادر في 29 أكتوبر 2026، رصد “أوتشا” غارات وقصفا وإطلاق نار إسرائيليا خلال فترة التقرير، ونقل عن وزارة الصحة استشهاد 33 فلسطينيّا وإصابة 188 آخرين بين 20 و26 من الشهر نفسه، كما أشار إلى تقليص أو تعليق بعض عمليات توزيع الخبز المجاني والمنتجات الطازجة بسبب النقص وارتفاع الأسعار.

وخلال شهر أكتوبر المنصرم، وثقت وزارة الصحة في قطاع غزة استشهاد 143 شهيداً، بينهم 23 طفلا و11 امرأة و2 من كبار السن، إضافة إلى إصابة 674 آخرين بينهم 190 طفلا و129 امرأة، و32 من كبار السن، لترتفع حصيلة الانتهاكات الصهيونية منذ بدء وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 إلى 1583 شهيدا بينهم 348 طفلا و154 امرأة، و50 من كبار السن، إضافة إلى 5696 مصابا بينهم 1731 طفلا و966 امرأة و226 من كبار السن.

بهذا المعنى، لا يُقاس نجاح التدخل الدولي بإعلان الاتفاق وحده، بل بقدرته على وقف القتل وتأمين الغذاء والمأوى والعلاج، فالانتقال من الحرب الواسعة إلى حياة يظل فيها المدنيون عرضة للقصف والحرمان لا يغلق ملف المسؤولية عن حمايتهم.

 القانون يقول كلمته.. فمن ينفذها؟

في 19 يوليو 2024، خلصت محكمة العدل الدولية، في رأي استشاري، إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن على دولة الاحتلال إنهاءه بأسرع ما يمكن، وأكدت التزام الدول بعدم الاعتراف بشرعية الوضع الناشئ عنه، وعدم تقديم العون أو المساعدة في استمراره.

ورغم أن الرأي الاستشاري ليس حكما ملزما، فإنه حدّد التزامات قانونية تتجاوز إصدار بيانات الاعتراض، فعدم الاعتراف وعدم المساعدة يضعان علاقات الدول وممارساتها أمام اختبار الاتساق مع الموقف الذي تعلنه من الاحتلال.

وفي سبتمبر 2024، طالبت الجمعية العامة بإنهاء الوجود الإسرائيلي غير القانوني خلال مهلة لا تتجاوز 12 شهرا، وقد انقضت هذه المهلة قبل الذكرى الحالية لوعد بلفور بأكثر من عام، فيما بقي الاحتلال قائما.

 اعتراف متأخر لا يطوي المسؤولية

ولم تبقَ المواقف الدولية جامدة تماما، ففي 21 سبتمبر 2025، اعترفت بريطانيا رسميا بدولة فلسطين، في تحول يحمل دلالة خاصة لصدوره عن الدولة التي أطلقت وعد بلفور، وأقرت الحكومة البريطانية نفسها بأن الاعتراف وحده لا يكفي لتغيير الوضع على الأرض.

لكن المسافة بين الاعتراف بالدولة وتمكين شعبها من السيادة لا تزال جوهر القضية، فرفع مكانة فلسطين الدبلوماسية لا يزيل حاجزا تلقائيا، ولا يعيد لاجئا إلى بيته، ولا يحمي مزارعا من اعتداء، ما لم ترافقه إجراءات تؤثر في الواقع الذي يحول دون ممارسة تلك الحقوق.

لهذا، فإن بلفور ليس الخطيئة الوحيدة في السجل الدولي تجاه الفلسطينيين، فبعد الوعد جاءت سياسات نفذته، ثم نكبة لم تُعالج نتائجها، واحتلال لم تُنهه القرارات، وحقوق لم تُحمَ من القوة التي تنتهكها.

وبعد 109 أعوام، لا يقتصر سؤال الذكرى على مسؤولية من كتب الرسالة، بل يمتد إلى مسؤولية من يعرف ما ترتب عليها وما يستمر بعدها، ويملك أدوات التأثير ثم لا يستخدمها لحماية الفلسطينيين، فتصحيح الظلم التاريخي يبدأ حين تصبح الحقوق المعترف بها واقعا يعيشه أصحابها، لا وعدا آخر ينتظرون تنفيذه.

Exit mobile version