
المركز الفلسطيني للإعلام
على وقع التلبية التي طالما ارتبطت برحلة العمر إلى الديار المقدسة، وقف عشرات الفلسطينيين في ساحة مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، مرتدين ملابس الإحرام، يرددون بأصوات امتزجت فيها الحسرة بالأمل: لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.
لم تكن التلبية هذه المرة إعلاناً عن الوصول إلى مكة المكرمة، ولا استعداداً للوقوف على صعيد عرفات، بل كانت صرخة حجاج حُرموا من بلوغ الأراضي المقدسة، بعدما أُغلقت أمامهم طرق السفر، وتأجلت أمنياتهم عاماً بعد عام، حتى دخلوا عامهم الرابع دون أن يتمكنوا من أداء فريضة الحج.
وفي مشهد يستحضر بعض مناسك الرحلة التي ينتظرها المسلمون، حاول المشاركون محاكاة أجواء الحج من خلال ارتداء ملابس الإحرام وترديد التلبية والطواف في المكان، في رسالة أرادوا إيصالها إلى العالم بشأن حرمان سكان القطاع من حقهم في التنقل والعبادة، ومطالبتهم بفتح معبر رفح والسماح لهم بالسفر لأداء الفريضة.
ونظمت جمعية أصحاب شركات الحج والعمرة في غزة الوقفة والمؤتمر الصحفي، ضمن الحملة الوطنية لتمكين سكان القطاع من حرية التنقل والعبادة، والمطالبة بتسهيل سفرهم لأداء مناسك الحج في موسم 1448هـ/2027م، بعد تعذر سفرهم خلال المواسم الثلاثة الماضية.
عشرة آلاف ينتظرون.. وأمنيات لم تتحقق
خلف هذه التلبية حكايات آلاف الفلسطينيين الذين حال إغلاق معبر رفح دون وصولهم إلى مكة المكرمة، رغم استكمال بعضهم إجراءات التسجيل والفوز بقرعة الحج، لتتحول رحلة العمر التي انتظروها طويلاً إلى حلم معلّق على فتح المعبر.
وقال رئيس جمعية أصحاب شركات الحج والعمرة في غزة، محمد عبد الخالق الأسطل، إن استمرار إغلاق معبر رفح حرم أكثر من 10 آلاف مواطن من أداء فريضة الحج خلال الأعوام الثلاثة الماضية، محذراً من تكرار حرمانهم في الموسم المقبل إذا استمرت القيود المفروضة على سفرهم.
وكشف الأسطل أن أكثر من 400 شخص من قوائم الراغبين في الحج توفوا خلال فترة الانتظار، دون أن تتحقق أمنيتهم في أداء الفريضة، في حصيلة تعكس جانباً من المعاناة التي يعيشها هؤلاء، بعدما انقضت سنوات من أعمارهم وهم ينتظرون فرصة الوصول إلى الديار المقدسة.
ودعا السلطة الفلسطينية إلى التحرك العاجل لمعالجة ملف الحجاج، والعمل على فتح معبر رفح وتمكين سكان القطاع من حرية التنقل، كما طالب الجهات الدولية بالضغط على الاحتلال لرفع القيود التي تحول دون سفرهم.
ووجّه مناشدات إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ورئيس المجلس التنفيذي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، والجهات المصرية والسعودية المعنية، لنقل معاناة الحجاج الفلسطينيين والعمل على تسهيل وصولهم إلى الأراضي المقدسة.
كما طالب اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة، برئاسة علي شعث، بتبني ملف الحجاج وإزالة العقبات أمام سفرهم، داعياً المؤسسات الدولية والحقوقية إلى تحمل مسؤولياتها تجاه حرمان الفلسطينيين من حقهم في التنقل والعبادة.
بين ركام المنازل وشوق الديار المقدسة
وبعيداً عن الأرقام والقوائم، تختصر كلمات المشاركين وجعاً إنسانياً يتجاوز تفويت موسم حج، إلى حرمان أناس أنهكتهم الحرب من أبسط حقوقهم، بعدما فقدوا منازلهم وأحبتهم ومقومات حياتهم، وباتت أمنيتهم الوصول إلى مكان آمن لأداء عبادة انتظروها سنوات.
وقال محمد شبير، أحد المشاركين في الوقفة، إن الفلسطينيين في غزة حُرموا من أداء الركن الخامس من أركان الإسلام للعام الرابع، موجهاً نداءً من قلب القطاع المدمر إلى العالمين العربي والإسلامي والمجتمع الدولي، للتحرك من أجل فتح معبر رفح.
وأضاف أن الحرب دمرت المنازل وقتلت الأبناء وألحقت خسائر واسعة بالعائلات، ولم تترك لكثير من الفلسطينيين شيئاً، فضلاً عن حرمانهم من أداء فريضة الحج، مؤكداً أن مطلبهم يتمثل في فتح المعبر وتمكينهم من السفر إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة.
وتحدث شبير عن شوق سكان القطاع إلى الديار المقدسة، قائلاً إنهم لا يطلبون المستحيل، وإنما يريدون فرصة لأداء الفريضة والعودة إلى غزة، رغم ما خلفته الحرب من دمار وألم وخسائر.
من جهته، قال عماد البيوك، وهو أحد المشاركين في الوقفة وصاحب شركة للحج والعمرة، إن نحو عشرة آلاف فلسطيني لم يتمكنوا من أداء الفريضة منذ عام 2023، رغم أن بعضهم فاز بقرعة الحج في ذلك العام واستعد للرحلة قبل أن يحول إغلاق المعبر دون سفره.
وأوضح أن مئات ممن كانوا ينتظرون أداء الحج استشهدوا أو أصيبوا خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن نحو 2700 حاج كان من المفترض أن يغادروا القطاع خلال هذه الفترة، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك.
وشدد البيوك على أن حرية العبادة حق مكفول، مطالباً بتمكين سكان غزة من أداء الفريضة في الموسم المقبل، وعدم تمديد حرمانهم إلى موسم رابع.
معبر مغلق وطريق تنتظره القلوب
يرتبط مصير آلاف الحجاج بمعبر رفح، الذي يمثل المنفذ البري الوحيد لسكان قطاع غزة إلى العالم الخارجي، بعدما احتلت قوات الاحتلال جانبه الفلسطيني في أيار/مايو 2024، قبل أن يُعاد فتحه في شباط/فبراير 2026 أمام أعداد محدودة من المرضى والجرحى، دون أن تتاح حرية الحركة لبقية السكان.
وهكذا، لا تبدو معاناة الحجاج منفصلة عن واقع الحصار الذي يعيشه أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع، بل تمثل وجهاً آخر من وجوه القيود التي تطال تفاصيل حياتهم، حتى باتت رحلة العبادة نفسها رهينة قرار فتح المعبر والسماح بالسفر.
وبينما يستعد المسلمون لأداء مناسك الحج، يواصل آلاف الغزيين انتظار فرصة لمغادرة القطاع، لا طلباً للنجاة من الدمار فحسب، بل لتحقيق أمنية ظلوا يحملونها سنوات، بأن يلبوا النداء من مكة المكرمة، لا من ساحات المستشفيات وبين ركام المدن: لبيك اللهم لبيك.
