
المركز الفلسطيني للإعلام
بين جدران مهدّمة وأرض تغطيها آثار الدمار، يواصل أطفال وشبان فلسطينيون في قطاع غزة ممارسة التايكواندو بإمكانات متواضعة، متحدّين الخوف والنزوح وفقدان المعدات والمنشآت الرياضية. هنا، وسط الركام، تتحول التدريبات إلى مساحة للتمسك بالحياة، ورسالة بأن الحرب لم تستطع دفن أحلامهم.
في مكان ضيق يفتقر إلى التجهيزات الأساسية، يتدرب اللاعبون على حركات الدفاع عن النفس، محاولين الحفاظ على لياقتهم وصحتهم النفسية، فيما يراودهم حلم العودة إلى المنافسات الدولية وتمثيل فلسطين.
35 لاعبًا يتقاسمون مساحة ضيقة
يقول مدرب التايكواندو محمود الكرنز إن المجموعة تضم حاليًا 35 لاعبًا، لكن ضيق المساحة يحول دون تدريبهم جميعًا في وقت واحد، ما يضطره إلى تقسيمهم إلى مجموعات تضم نحو عشرة لاعبين يوميًا، مع فصل الأطفال والفتيات والشبان خلال التدريبات.
ويؤكد الكرنز أن هدفه هو الحفاظ على استمرارية اللعبة ونشر ثقافة الرياضة بين الشباب، رغم تدمير الأندية وشح الإمكانات.
ويستعيد المدرب استعدادات اللاعبين للمنافسات الخارجية قبل الحرب، مشيرًا إلى أن العدوان حرمهم فرص السفر والمشاركة، وأدى إلى فقدان شهداء وجرحى من الأسرة الرياضية.
ويضيف أن حلم الوصول إلى منصات التتويج ورفع علم فلسطين لا يزال حاضرًا، لكنه يصطدم بغياب المعدات وصعوبة التدريب في بيئة آمنة، إذ يضطر إلى إيقاف التمارين عند تصاعد المخاطر، ما يعرقل تقدم اللاعبين.
الخوف حاضر.. والشغف مستمر
يرى لاعب التايكواندو عمر الهباش أن اللعبة تمنحه الرشاقة واللياقة والثقة بالنفس، إلى جانب القدرة على الدفاع عن نفسه. ورغم الخوف الناجم عن الظروف المحيطة، فإنه يرفض الابتعاد عن الرياضة التي أصبحت جزءًا من حياته.
ويقول الهباش إن الفلسطينيين يحبون الحياة، معربًا عن أمله في تحسن الأوضاع وتوفير المعدات اللازمة وإعادة تأهيل الأندية المدمرة، حتى يتمكن اللاعبون من مواصلة تدريباتهم في ظروف أفضل.
أما عبد الله محمد، الذي يمارس التايكواندو منذ عام 2016، فيؤكد أن الحرب فاقمت صعوبة الحصول على المعدات، حتى بات اللاعبون يواصلون التدريب بإمكانات محدودة، وسط مخاوف من الإصابات وغياب التجهيزات المناسبة.
ويتمسك محمد بحلمه في تمثيل فلسطين في المحافل الدولية، معتبرًا الرياضة وسيلة للدفاع عن النفس وإبراز الحضور الفلسطيني أمام العالم.
أكثر من 265 منشأة رياضية مدمرة
تأتي معاناة لاعبي التايكواندو ضمن خسائر واسعة طالت القطاع الرياضي في غزة، حيث كشف الأمين العام للاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي، مصطفى صيام، عن استشهاد 1014 من أبناء الحركة الرياضية والشبابية والكشفية خلال الحرب.
وأوضح صيام أن الشهداء بينهم أكثر من 560 لاعبًا وحكمًا ومدربًا وإداريًا من منتسبي الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، مشيرًا إلى تدمير أكثر من 265 منشأة رياضية كليًا أو جزئيًا.
وأدى الدمار إلى تقليص المساحات المتاحة للتدريب وتعطيل أنشطة الأندية، فيما تواجه محاولات استعادة النشاط نقصًا حادًا في المعدات والمنشآت والموارد اللازمة لرعاية المواهب.
ولا تقتصر عملية التعافي الرياضي على تنظيم البطولات، بل تتطلب إعادة تأهيل المنشآت ودعم الأندية والاتحادات، وتوفير بيئة آمنة تتيح للأطفال والشبان مواصلة التدريب.
حلم يتجاوز الركام
وسط الدمار، يتمسك لاعبو التايكواندو بحقهم في ممارسة الرياضة، ويواصلون التدريبات كلما سمحت الظروف، رغم ضيق المساحة ومخاطر المكان وشح المعدات.
وبين أنقاض الأندية التي احتضنت مواهبهم، يظل حلمهم حاضرًا: السفر للمشاركة في البطولات، والوصول إلى منصات التتويج، ورفع علم فلسطين أمام العالم.
إنها حكاية جيل يحاول حماية شغفه في واقع تحاصره الحرب؛ جيل لا يملك المعدات الكافية، لكنه لا يزال يمتلك الإرادة والأمل بأن يعود يومًا إلى ساحات المنافسة، حاملًا اسم فلسطين.
