
خاص المركز الفلسطيني للإعلام
كشف تحقيق لصحيفة «الغارديان» البريطانية، نشر اليوم السبت، أن مقتل سبعة من عمال منظمة «المطبخ المركزي العالمي» في قطاع غزة، في أبريل/نيسان 2024، ارتبط بسياسة متبعة داخل جيش الاحتلال الإسرائيلي تقوم على ما يسمى «الإدانة بالارتباط»، وتمنح القادة الميدانيين صلاحيات واسعة لتصنيف أشخاص أهدافًا عسكرية لمجرد الاشتباه بارتباطهم بمسلحين.
وبحسب التحقيق، فإن عمال الإغاثة السبعة أصبحوا أهدافًا للقصف بعد دقائق من تفاعلهم مع رجال مسلحين كانوا يعملون حراسًا محليين لقافلة المساعدات، بعدما افترض ضباط إسرائيليون، بشكل خاطئ، أنهم عناصر من حركة حماس.
وتشير «الغارديان» إلى أن القافلة كانت تضم مركبات تابعة للمنظمة وتحمل علامات واضحة، وأن تحركها جرى بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، فيما لم تكن تشكل تهديدًا مباشرًا للقوات الإسرائيلية وقت استهدافها.
اشتباه تحول إلى قرار بالقتل
وقعت الغارة في الأول من أبريل/نيسان 2024، بعدما أنهت القافلة مهمة إيصال شحنة مساعدات غذائية إلى مستودع في دير البلح.
وكانت الشحنة قد وصلت إلى غزة بحرًا من قبرص، وضمت نحو 200 طن من الأرز والدقيق ومواد غذائية أخرى، بما يكفي لإعداد أكثر من مليون وجبة.
لكن عملية إيصال المساعدات شهدت تأخيرًا في الحصول على الموافقة الأمنية الإسرائيلية، قبل أن تتحرك القافلة ليلًا باتجاه مستودع المنظمة.
وبحسب التحقيق، لم تكن الوحدة الإسرائيلية التي تولت تشغيل الطائرات المسيّرة قد تلقت جميع تفاصيل مهمة القافلة، رغم التنسيق المسبق بشأنها.
وفي موقع توزيع المساعدات، كان عدد من الحراس المحليين بانتظار القافلة، وكان أحدهم على الأقل يحمل سلاحًا. واعتبر ضباط إسرائيليون ظهور هؤلاء المسلحين قرب شاحنات المساعدات مؤشرًا على محاولة من حماس للسيطرة على القافلة.
إلا أن هذا الاستنتاج لم يكن صحيحًا، كما لم تكن هناك أدلة على أن حماس استولت على المساعدات.
القافلة واصلت طريقها.. لكن القصف لم يتوقف
رغم الاشتباه الإسرائيلي، وصلت القافلة إلى مستودعها في دير البلح وأفرغت المساعدات، وهو ما كان يفترض أن يؤكد عدم تعرضها للاختطاف أو السيطرة عليها.
وبعد ذلك، انفصل عمال «المطبخ المركزي العالمي» عن الحراس المحليين، وسلك كل طرف طريقًا مختلفًا.
وتظهر التقارير التي راجعتها «الغارديان» أن طائرة مسيّرة إسرائيلية تابعت مركبة الحراس لعدة دقائق قبل أن تتوقف عن استهدافهم بعدما دخلوا مبنى آخر.
لكن عمال الإغاثة واصلوا طريقهم في مركبات المنظمة، التي كانت تحمل علامات واضحة.
وبعد نحو ساعتين، تعرضت المركبات الثلاث لقصف متتابع أثناء توجهها جنوبًا نحو رفح.
وخلال نحو أربع دقائق فقط، أصابت ثلاثة صواريخ المركبات، ما أدى إلى مقتل أفراد الفريق السبعة.
«لم يكونوا أبرياء لأنهم مرتبطون بحماس»
وينقل التحقيق عن العقيد في الاحتياط نوحي مندل، الذي أصدر أمر القصف، قوله إن عمال الإغاثة أصبحوا أهدافًا لأنهم «اختلطوا» بمسلحين يُعتقد أنهم من حماس.
ويقول مندل إن المقصود بالاختلاط هو وجود الأشخاص بالقرب من بعضهم، أو الحديث أو قضاء الوقت معًا.
وبحسب روايته، فإن وجود رجال مسلحين إلى جانب عمال الإغاثة كان كافيًا لجعل القافلة بأكملها هدفًا.
وقال مندل، وفق «الغارديان»، إن العمال «لم يكونوا أبرياء لأنهم كانوا مرتبطين بحماس».
وتكشف هذه الإفادات، بحسب التحقيق، عن دور ما يسمى داخل الجيش الإسرائيلي بسياسة «الإدانة» أو «التجريم بالارتباط»، التي تسمح بتوسيع دائرة الاشتباه من شخص إلى أشخاص آخرين لمجرد وجودهم بالقرب منه.
خلاف حول الرواية الإسرائيلية
وكان جيش الاحتلال قد أرجع الحادث بعد وقوعه إلى أخطاء محددة ارتكبها عدد من الضباط، وأعلن اتخاذ إجراءات بحق بعض المسؤولين.
لكن التحقيق الجديد يشير إلى أن هذه الرواية تجاهلت عوامل أوسع، من بينها آلية تحديد الأهداف وقواعد الاشتباك المستخدمة في قطاع غزة.
كما وجد تقرير أعدته الحكومة الأسترالية بشأن مقتل المواطنة الأسترالية زومي فرانكوم أن تفاصيل مهمة القافلة المنسقة مسبقًا لم تصل بصورة كاملة إلى الوحدة العسكرية التي كانت تشغل الطائرات المسيّرة.
ويناقض ذلك بعض ما ورد في الرواية الإسرائيلية اللاحقة بشأن ملابسات الهجوم.
كما يشير التقرير الأسترالي إلى أن تغيير القافلة لمسار عودتها باتجاه رفح لم يكن عاملًا في قرار إطلاق النار، خلافًا لما ورد في الرواية الإسرائيلية التي تحدثت عن «انحراف» عن الطريق المتفق عليه.
سبعة عمال إغاثة
أسفر الهجوم عن مقتل سبعة من العاملين مع «المطبخ المركزي العالمي»: ثلاثة بريطانيين، وأسترالية، وفلسطيني، وبولندي، ومواطن أمريكي-كندي.
ومن بين الضحايا الفلسطيني سيف الدين عصام أبو طعمة، الذي كان يعمل سائقًا ومترجمًا، وكان يبلغ 25 عامًا.
وأثارت الجريمة إدانات دولية واسعة، خصوصًا من بريطانيا وأستراليا وكندا، التي انتقدت في أغسطس/آب الماضي قرار المدعي العسكري الإسرائيلي عدم فتح إجراءات جنائية ضد المسؤولين عن الهجوم.
وقالت منظمة «المطبخ المركزي العالمي» إن قرار عدم الملاحقة الجنائية يتعارض مع الحقيقة الكاملة، مؤكدة أن فريقها كان أعزل ولم يشكل أي تهديد.
وأضافت المنظمة أن الجيش الإسرائيلي كان يعرف هوية العاملين وتحركاتهم، وأن المركبات كانت تحمل علامات إنسانية واضحة.
مسؤولية تتجاوز «خطأ فرديًا»
وتخلص «الغارديان» إلى أن قضية عمال الإغاثة السبعة تثير أسئلة تتجاوز مسؤولية الضباط الذين شاركوا في تنفيذ الغارة، لتصل إلى قواعد تحديد الأهداف وآليات اتخاذ قرار القصف داخل الجيش الإسرائيلي.
ويشير التحقيق إلى أن منح القادة الميدانيين مساحة واسعة لتحديد من يُصنف «إرهابيًا» أو هدفًا، إلى جانب سياسة «الإدانة بالارتباط»، يمكن أن يؤدي إلى توسيع دائرة الاستهداف لتشمل مدنيين لا يشكلون خطرًا مباشرًا.
كما يربط التحقيق هذه السياسة بالمهمة التي حددتها الحكومة الإسرائيلية للجيش، والمتمثلة في ضرب قدرة حماس على إدارة قطاع غزة، بما في ذلك منعها من السيطرة على توزيع المساعدات.
وبذلك، يعيد التحقيق فتح ملف مقتل عمال «المطبخ المركزي العالمي» من زاوية مختلفة: ليس باعتباره مجرد خطأ عملياتي وقع في ليلة واحدة، وإنما باعتباره نتيجة محتملة لآلية أوسع لتحديد الأهداف وقواعد اشتباك تسمح بالاستهداف على أساس الاشتباه والارتباط.

