Site icon Palestinealyoum

ثلاثة أعوام من الإبادة .. كيف خسرت غزة أراضيها الزراعية؟

قصف الأرض الزراعية

المركز الفلسطيني للإعلام

حين عاد المزارع محمد السلخي إلى أرض عائلته في حي الزيتون بمدينة غزة بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم يكن أمامه الحقل الذي عرفه قبل الحرب؛ بل إه أمضى مع أسرته شهورًا في رفع الركام وبقايا البيوت البلاستيكية التي سُوّيت بالأرض، ثم حاول زراعة الكوسا بما بقي لديه من إمكانات.

يقول السلخي -الذي تعلم الزراعة عن أبيه وجده- إن مزرعته كانت تنتج قبل الحرب كميات وفيرة من الخضراوات للسوق المحلية وللتصدير، لكن أكثر من ثلاثة هكتارات (وحدة قياس مترية للمساحة تعادل 10,000 متر مربع) من البيوت المحمية دُمّرت، ومعها شبكة الري وتسع آبار ونظامان للطاقة الشمسية ومحطتان لتحلية المياه. وحتى بعد وقف إطلاق النار لم تعد العودة إلى الأرض آمنة؛ فبحسب شهادته، ظلت أصوات إطلاق النار ترافق ذهابه إلى الحقل القريب من مناطق الانتشار العسكري الإسرائيلي.

ذات الحال التي يعيشها السلخي، تتكرر مع غيره؛ حيث في الزوايدة، وسط قطاع غزة، ظل المزارع كريم الذي أمضى أكثر من 30 عامًا بين الطماطم والخيار والخضراوات الورقية والقمح، يحاول إنقاذ ما تبقى من مصدر رزقه. أصابت النيران البيت المحمي الذي يعتمد عليه وتركت غطاءه البلاستيكي مثقوبًا، فيما ارتفعت تكاليف الإنتاج واضطربت الأسواق، ومع ذلك ظل يزرع ما يستطيع، لا طلبًا للدخل فقط، بل لأن الخضراوات نفسها تحولت إلى سلعة يصعب على الفقراء الوصول إليها، وقد لخّص – في حديث لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية- أمنيته بكلمات بسيطة: أن يصبح كيلو الخضراوات في متناول الجميع حتى يستطيع الفقير أن يأكل.

دمار الأرض وقتل مزارعيها

وفي دير البلح، يحمل محمد اليَطي ذاكرة أخرى لما كانت عليه الزراعة قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ حيث كان الرجل (البالغ من العمر 39 عامًا عندما وثقت الفاو شهادته)، يبدأ عمله السادسة صباحًا، ثم يعود إلى الأرض بعد العصر حتى المغرب. كانت ثلاثة عشر دونمًا وبيوتها المحمية تنتج الباذنجان والخيار والفلفل والطماطم، حتى أطلت عليهم الحرب بدمارها الشامل فقتلت 22 فردًا من عائلته، فيما تعرضت أرضه للتجريف والقصف ولم يعد قادرًا إلا على العمل في جزء منها، فتراجعت كمية محصوله بشدة، وبذلك تختصر حكايته وجهين للمأساة في غزة: خسارة البشر وخسارة الأرض التي كانت تطعم من بقي منهم.

أما محمد حمدان قديح، المزارع من خزاعة شرقي خان يونس، فبدأ مع أبنائه بعد عودته في يونيو/حزيران 2024 إصلاح الأرض والبيوت المحمية التي تضررت في الشهور الأولى للحرب، لكن المحاولة لم تدم طويلًا؛ فقد نزحت الأسرة مجددًا في مارس/آذار 2025، ثم أظهرت صور الأقمار الصناعية التي حللتها منظمة العفو الدولية تدمير المنطقة التي تقع فيها أرضه وبيوته المحمية خلال مايو/أيار؛ إذ كانت العائلة تزرع الطماطم والفلفل والملوخية، وكانت الأرض موردها الاقتصادي الأساسي. وهكذا لم يعد الخطر بالنسبة للمزارع متعلقًا بفشل موسم أو خسارة محصول، بل بإمكان اختفاء المزرعة نفسها بعد أن يكون قد أنفق ما تبقى لديه لإحيائها.

القضاء على الماشية

ولا يقتصر المشهد على مزارعي الخضراوات؛ فالماشية التي هي إحدى أهم الروافد الزراعية، صارت في أسوأ أحوالها إنتاجا بينما كانت مصدرًا اقتصاديًّا هامًّا لشريحة كبيرة في قطاع غزة؛ فهذه حكمت الحميدي -إحدى مربيات الماشية في الزوايدة- قالت للفاو إنها كانت تملك أكثر من أربعين رأسًا قبل أن يتناقص العدد إلى عشرين أو أقل بسبب انعدام العلف والماء، ومثل ذلك قالت ورد سعيد، التي نزحت من حي الزيتون إلى دير البلح مصطحبة حيواناتها؛ حيث فقدت معظم القطيع في رحلة النزوح، وبات البحث عن علف للحيوانات يعني المخاطرة بالحياة.

حلّت هذه الخسارة العظيمة بهاتين الأسرتين بينما لم تكن الأغنام والماعز ممتلكات إضافية لهم، بل مخزونًا حيًا من الحليب واللحم والدخل يمكن أن يحمي الأسرة في زمن انهارت فيه الوظائف والأسواق.

على امتداد هذه الشهادات الفردية تتشكل صورة قطاع اقتصادي كان قبل الحرب أحد أعمدة الحياة في غزة؛ فالزراعة كانت تمثل قرابة 10% من اقتصاد القطاع قبل اندلاع الحرب، ولم تكن الأرض الزراعية مجرد مصدر للخضراوات والفواكه، بل شبكة واسعة من فرص العمل والنقل والتعبئة والتسويق والتصنيع الغذائي وتربية الحيوانات والصيد، وعندما تُدمّر مزرعة، لا يفقد صاحبها دخله وحده، بل يتوقف العامل الموسمي، ويخسر السائق حمولة، ويخسر التاجر سلعة، ويختفي جزء من الغذاء المحلي من السوق، ولهذا كان انهيار الزراعة أحد المسارات التي انتقلت عبرها آثار الحرب من ساحات القتال إلى موائد السكان.

حجم الدمار كارثي

بدأ حجم التدمير يتضح تدريجيًّا في صور الأقمار الصناعية؛ ففي فبراير/شباط 2024 كانت الفاو وUNOSAT تقدران تضرر 42.6% من الأراضي الزراعية، ثم ارتفعت النسبة في مايو/أيار إلى 57.3%، وبحلول سبتمبر/أيلول 2024 بلغت 67.6%، أي نحو 10,183 هكتارًا، وفي ذلك التقييم كانت الأضرار قد طالت 71.2% من البساتين والأشجار، و67.1% من المحاصيل الحقلية، و58.5% من الأراضي المزروعة بالخضراوات، وكانت آثار حركة المركبات الثقيلة والتجريف والقصف واضحة في الصور الفضائية، بما يعني أن التدهور لم يكن مجرد نتيجة ترك الأرض بلا زراعة.

ثم جاءت سنة 2025 لتكشف انتقال القطاع من الضرر الواسع إلى شبه الشلل؛ ففي أبريل/نيسان من ذلك العام كان أكثر من 80% من إجمالي مساحة الأراضي الزراعية قد تضرر، أي 12,537 هكتارًا من أصل 15,053 هكتارًا، فيما كان 77.8% من الأرض غير متاح للمزارعين، ولم يبق متاحًا للزراعة سوى 688 هكتارًا، أي 4.6% من المساحة الزراعية، وكانت الأوضاع أشد سوءًا في رفح ومحافظات الشمال.

وبحلول أغسطس/آب 2025 ازدادت الصورة قتامة؛ حيث قالت الفاو وUNOSAT إن 98.5% من الأراضي الزراعية أصبحت متضررة أو غير قابلة للوصول أو تجمع بين الأمرين، ولم يبق متاحًا للزراعة سوى 232 هكتارًا، أي 1.5% من الأراضي الزراعية في منطقة يعيش فيها أكثر من مليوني إنسان، وبهذا تحولت قضية الوصول إلى الأرض نفسها إلى أحد أهم محددات الأمن الغذائي؛ فقد تكون القطعة الزراعية غير مدمرة، لكن وجودها داخل منطقة محظورة أو خطرة يجعلها خارج الدورة الإنتاجية عمليًا.

كان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025 فرصة محدودة لإعادة بعض المزارعين إلى أراضيهم، وارتفعت مساحة الأرض التي يمكن الوصول إليها لبعض الوقت، لكن أحدث تقييم جغرافي نشرته الفاو في 18 أغسطس/آب 2026 كشف انتكاسة جديدة، تُظهر أن من أصل نحو 15 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، بقي 4,091 هكتارًا يمكن الوصول إليها، لكن 448 هكتارًا فقط كانت في الوقت نفسه قابلة للوصول وغير متضررة؛ أي نحو 3% فقط من مجمل الأراضي الزراعية في غزة. أما البقية (3,643 هكتارًا) الأخرى من الممكن الوصول إليها فكانت متضررة وتحتاج إلى إعادة تأهيل قبل استئناف الزراعة.

انخفاض المساحات الزراعية

والأكثر دلالة على تلك الخسارة الاقتصادية والغذائية، أن مساحة الأراضي السليمة والمتاحة انخفضت بين أكتوبر/تشرين الأول 2025 ويونيو/حزيران 2026 من 601 إلى 448 هكتارًا، بخسارة بلغت 25.5%. وربط تقييم الفاو وUNOSAT هذا الانخفاض، بصورة أساسية، بتقلص الوصول إلى الأراضي الزراعية مع التوسع غربًا في ما يسمى «الخط الأصفر» الفاصل بين منطقة وقف إطلاق النار والمنطقة الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية. وهنا تظهر المفارقة: وقف إطلاق النار الذي يفترض أن يفتح باب التعافي الزراعي لم يمنع تقلص المساحة التي يستطيع المزارع الوصول إليها بأمان.

من جهة أخرى، فإن البيوت المحمية، التي كانت إحدى أدوات الزراعة المكثفة في غزة وتسمح بإنتاج كميات كبيرة في مساحة محدودة، تلقت ضربة مماثلة؛ ففي سبتمبر/أيلول 2024 كانت صور الأقمار الصناعية تشير إلى تضرر نحو 578 هكتارًا منها، ثم اتسعت الخسائر مع استمرار الحرب، وبحلول أبريل/نيسان 2026، ورغم تسجيل عمليات إصلاح محدودة، قالت الفاو إن أكثر من 81% من البنية التحتية للبيوت المحمية ما زال متضررًا وخارج الإنتاج، وهذا النوع من الخسارة شديد الأثر في قطاع ضيق المساحة يعتمد على زيادة الإنتاجية لكل دونم.

ومع البيوت المحمية انهارت منظومة الري؛ ففي سبتمبر/أيلول 2024 كان 1,188 بئرًا زراعيًا، أي 52.5% من الآبار التي رصدها التقييم، قد تعرض للضرر، ثم أشارت الفاو في مطلع 2025 إلى أن أكثر من ثلثي الآبار الزراعية، وعددها نحو 1,531 بئرًا، لم تعد تعمل، ومع تدمير المضخات وشبكات الأنابيب وأنظمة الطاقة الشمسية ونقص الوقود وقطع الغيار، يصبح وجود التربة والبذور غير كافٍ؛ إذ إن الزراعة المكثفة في غزة تعتمد بدرجة كبيرة على انتظام الري.

أضرار الروافد الاستراتيجية

ولم تعد المشكلة مقتصرة على إصلاح أنبوب أو إعادة حفر بئر؛ حيث وجد برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن الحرب أحدثت أضرارًا غير مسبوقة في التربة والمياه والساحل، وأن غزة فقدت منذ 2023 نحو 97% من محاصيل الأشجار و95% من الغطاء الشجيري و82% من المحاصيل السنوية وفق تقييمه المنشور في سبتمبر/أيلول 2025، كما أدت حركة الآليات العسكرية وضغط التربة إلى الإضرار ببنيتها وقدرتها على امتصاص المياه وإعادة تغذية المياه الجوفية، وهي آثار قد تستمر سنوات بعد توقف القصف.

يضاف إلى ذلك خطر التلوث؛ فركام الحرب الهائل قد يحتوي على الأسبستوس ومخلفات صناعية ومعادن ثقيلة، فيما حذر برنامج الأمم المتحدة للبيئة من احتمالات تلوث التربة والمياه الجوفية ومن ضرورة إجراء فحوص منهجية قبل استعادة الاستخدام الزراعي الواسع، ومعنى ذلك أن «إصلاح الدونم» ليس مجرد إزالة الأنقاض وتسوية سطح الأرض، وإنما قد يتطلب فحص التربة، وإزالة الملوثات، ومعالجة الملوحة، وإعادة تأهيل البنية المائية قبل أن يصبح إنتاج الغذاء آمنًا ومستدامًا.

الموت الكامن للمزارع

وثمة عدو صامت آخر ينتظر المزارعين تحت التراب: الذخائر غير المنفجرة؛ فقد بات تقييم مخاطر المتفجرات خطوة تسبق بعض التدخلات الزراعية، وفي منطقة الشيخ عجلين، إحدى أخصب مناطق غزة تاريخيًّا بإنتاج العنب والتين والحمضيات والخضراوات، أجرت فرق الأمم المتحدة لمكافحة الألغام تقييمات في تسع مناطق زراعية، وحددت ذخائر خطرة ووضعت علامات حولها قبل السماح للمزارعين بالعودة إلى أجزاء من الأرض، وفي يوليو/تموز 2026 شددت الجهات الإنسانية على ضرورة السماح بدخول معدات التخلص من الذخائر حتى لا تتحول الحقول إلى مصائد للمزارعين.

لذلك فإن تراجع الإنتاج النباتي جاء نتاج سلسلة متراكمة (متمثلة في تجريف الأرض وقصفها، واقتلاع الأشجار، وتدمير البيوت المحمية والآبار، والنزوح القسري للمزارعين، وفقدان العمال، ونقص المياه والوقود، وصعوبة الوصول إلى الأرض، والذخائر غير المنفجرة، ثم غياب البذور والأسمدة والمبيدات وشبكات الري وقطع الغيار)، وقد لخصت الفاو الوضع في أغسطس/آب 2026 بالإشارة إلى أن المزارعين، إلى جانب مشكلة الوصول إلى الأرض، يواجهون نقصًا حادًا في البذور والأسمدة ومعدات الري والوقود وسائر مستلزمات الإنتاج.

وتُظهر القيود على دخول هذه المستلزمات باعتبارها أحد أهم العوائق غير المباشرة أمام استعادة الزراعة؛ ففي مراحل سابقة أفاد قطاع الأمن الغذائي بأن مواد أساسية مثل مجموعات البذور والأسمدة العضوية وأغطية النايلون الخاصة بالبيوت المحمية لم يسمح بدخولها، وفي 2026 ظلت الفاو تطالب بتحرير استيراد المدخلات الزراعية عبر القطاع الخاص، بما في ذلك المعدات التي تصنفها إسرائيل ضمن مواد «الاستخدام المزدوج»، لأن إعادة تأهيل المزارع ومرافق الإنتاج لا يمكن أن تتم بالأدوات اليدوية وحدها.

قيود على آلات الزراعة

وقد قدمت الفاو مثالًا رقميًّا على الثمن الغذائي لهذه القيود: برنامج دعم ألف مزارع كان قادرًا، في ظل المدخلات المتاحة، على إنتاج نحو خمسة آلاف طن من الخضراوات تكفي قرابة 95 ألف شخص لعام، لكن المنظمة قدّرت أن المزارعين أنفسهم يمكنهم إنتاج نحو 12,800 طن تكفي قرابة 165 ألف شخص إذا سُمح بالدخول الكامل وغير المقيد للمدخلات والمعدات الزراعية، والفارق بين الرقمين يوضح أن الحصار على أدوات الإنتاج لا يصيب المزارع وحده؛ إنه يترجم مباشرة إلى آلاف الأطنان من الغذاء المفقود من السوق.

وبحلول يوليو/تموز 2026، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إن الواردات التجارية إلى غزة ظلت موجهة في معظمها للاستهلاك، فيما دخلت كميات محدودة من الآلات والمدخلات الزراعية والسلع الضرورية لاستعادة سبل العيش والقدرة الإنتاجية، وفي الأسبوع من 6 إلى 12 يوليو، كان 26% من الشاحنات التجارية المرصودة يحمل سلعًا غير أساسية، في الوقت الذي كانت فيه قطاعات الإنتاج تطالب بالآلات والأعلاف والمدخلات، وهذا الاختلال يعني أن فتح المعبر لسلع استهلاكية لا يساوي بالضرورة فتحه أمام أدوات إعادة بناء الاقتصاد.

تراجع الثروة الحيوانية

أما الثروة الحيوانية، فقد واجهت مسارًا آخر من الانهيار؛ ففي مايو/أيار 2025 قالت الفاو إن أعداد الأغنام تراجعت إلى نحو 36% من مستوياتها السابقة، والماعز إلى 39%، والأبقار إلى 3.8%، والدجاج البياض واللاحم إلى 1.4%، وتوقعت المنظمة آنذاك نفوق نسبة إضافية تراوح بين 20 و30% من الحيوانات المتبقية نتيجة حظر دخول الإمدادات الإنسانية والتجارية، خصوصًا الأعلاف والأدوية البيطرية.

وبحلول نوفمبر/تشرين الثاني 2025 قدرت الفاو أن نحو 14,300 رأس فقط من الأغنام والماعز بقيت على قيد الحياة، موزعة على نحو ألفي أسرة من مربي الماشية؛ وهو ما يعادل قرابة ثلث الماعز و20% من الأغنام التي كانت موجودة، وهذه الحيوانات المتبقية اكتسبت قيمة غذائية استثنائية، لأنها أصبحت من آخر المصادر المحلية للحليب واللحوم في مجتمع عانى نقص البروتين وسوء التغذية. ولهذا لم تعد حماية القطيع مسألة دعم اقتصادي فحسب، بل تدخلًا مباشرًا في الأمن الغذائي.

العلف كان قلب الأزمة؛ حيث إن قبل الحرب كان نحو 650 شاحنة أعلاف يدخل غزة شهريًّا (بحسب الفاو)، لكن تدمير المخزون وتعطل التجارة وقيود المعابر رفعت الأسعار وجعلت بعض المربين يبحثون عن بدائل شديدة المحدودية، وفي يوليو/تموز 2026 ذكرت OCHA أن آخر شحنة أعلاف كانت قد دخلت في 4 يونيو/حزيران، وأن استمرار التأخير يهدد المكاسب المحدودة في بقاء الحيوانات وتعافي القطعان، وكل يوم بلا علف قد يعني ذبح حيوان منتج أو موته، ومن ثم خسارة أصل اقتصادي يستغرق تعويضه سنوات.

كما أن انهيار الخدمات البيطرية يزيد المخاطر؛ فالحيوان الذي ينجو من القصف قد يموت بسبب المرض أو نقص الغذاء أو المياه، كما أن غياب اللقاحات والأدوية يخلق مخاطر صحية على الأسر التي تعيش في تماس مباشر مع الحيوانات، لذلك تشمل قائمة الاحتياجات العاجلة التي تطرحها الفاو الأعلاف واللقاحات والأدوية والملاجئ والمياه، إلى جانب السماح مستقبلًا بإدخال الحيوانات الحية لإعادة تكوين القطعان، والبيض المخصب لإعادة تشغيل مزارع الدواجن التجارية.

انهيار منظومة الصيد

وعلى الساحل، تكاد الصورة الزراعية تتكرر بلغة البحر، إذ إن الصيد، الذي كان يمد آلاف الأسر بالدخل ويوفر للسكان مصدرًا مهمًا للبروتين، وصل إلى حافة الانهيار، وقدّرت الفاو أن متوسط الصيد اليومي بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأبريل/نيسان 2024 انخفض إلى 7.3% فقط من مستوى عام 2022، مع خسارة إنتاجية بلغت 17.5 مليون دولار، بينما دُمرت مزرعتا الاستزراع السمكي الرئيسيتان ومفرخ الأسماك.

ولا تمثل المراكب والشِّباك والمرافئ ومخازن التبريد مجرّد تفاصيل هامشية في هذه الصناعة، وقد وجد التقييم المرحلي المشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، أن 94% من قوارب الصيد و100% من منشآت التخزين البارد والتجهيز قد تأثرت، ومع نقص الوقود ومعدات الصيانة وشباك الصيد، لا يكفي أن يبقى البحر أمام الصياد؛ فلا صناعة صيد من دون قارب وميناء وسلسلة تبريد وتسويق.

أما من بقي قادرًا على الإبحار فيواجه الخطر المباشر؛ ففي مارس/آذار 2026 وثقت تقارير ميدانية صيادين يدخلون مئات الأمتار فقط إلى البحر بقوارب صغيرة ومتهالكة، بينما ظلت مخاطر إطلاق النار والاعتقال قائمة، والصياد داود سهيل، النازح من رفح، كان يأتي إلى شاطئ خان يونس ليرمم شبكة ممزقة ويتأمل بحرًا كان يومًا مصدر حياته. وتقول الفاو إن إعادة إحياء الصيد مشروطة قبل أي شيء بضمان الوصول الآمن إلى المياه، ثم إصلاح القوارب وإدخال المعدات والوقود.

تدمير الإنتاج المحلي

وهكذا أُصيبت مصادر الغذاء المحلية الثلاثة معًا: الأرض، والحيوان، والبحر، وهذا ما يفسر: لماذا تجاوزت الأزمة مفهوم «نقص الغذاء المستورد»؟. حين يفقد المجتمع مزرعته وبئره وقطيعه وقاربه في وقت واحد، يصبح اعتماده على المساعدات والواردات شبه كامل.

وأشار البنك الدولي في تحديثه الاقتصادي إلى أن الإنتاج الغذائي المحلي اقترب من التوقف، وأن البطالة في النشاط الزراعي تجاوزت 90% في إحدى مراحل 2025، فيما اختفت اللحوم والألبان والبيض والفواكه تقريبًا من النظام الغذائي لكثير من الأسر.

هذا الاعتماد يجعل إغلاق المعابر أو تقليص تدفق البضائع ينتقل إلى الأسواق خلال أيام؛ فعندما أُغلقت المعابر في مارس/آذار 2025، سجل برنامج الأغذية العالمي زيادات فورية في أسعار السلع الأساسية، ووصلت الزيادة في بعض الخضراوات والفواكه إلى نحو 200% مقارنة بأسعار ما قبل الإغلاق، والسبب مزدوج: غزة لا تستطيع تعويض الواردات بالإنتاج المحلي بعدما دمرت مساحات واسعة من أراضيها، ولا تستطيع استعادة الإنتاج المحلي لأن المواد اللازمة لذلك نفسها تحتاج إلى المرور عبر المعابر.

وبعد وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 تحسنت حركة المساعدات والأسواق نسبيًا، ودخلت كميات أكبر من الغذاء والوقود. لكن تقارير OCHA ظلت تؤكد أن المعابر لم تعمل بصورة مستقرة ومتوقعة، وأن طرق النقل كانت تتغير، وأن المعابر الشمالية أُغلقت في فترات، وأن بعض المسارات الإنسانية ظلت تواجه الرفض والتأخير، وفي الشهر الأول للاتفاق أُفرغت حمولة 3,185 شاحنة أممية وشريكة، وهو تحسن كبير مقارنة بالشهر السابق، لكنه لم يلغ القيود البنيوية التي تعرقل الاستجابة.

تراجع المساعدات

وتبرز هنا مسألة تنفيذ الترتيبات الإنسانية المرتبطة بوقف إطلاق النار؛ فقد استندت خطط الاستجابة إلى توسيع تدفق المساعدات وإعادة فتح مسارات الوصول، بينما أشارت مراجعات أممية لاحقة إلى أن مستوى دخول المساعدات لم يحافظ باستمرار على الحد المرجعي البالغ نحو 600 شاحنة يوميًا المرتبط بترتيبات وقف إطلاق النار، وأن متوسط الشاحنات الإنسانية المنسقة أمميًا ظل أقل كثيرًا من ذلك خلال أشهر لاحقة، مع الإقرار بأن الأرقام الأخرى تشمل التجارة والمساعدات الثنائية ولا تخضع كلها لنظام الرصد نفسه.

والأهم للزراعة أن عدد الشاحنات وحده لا يكشف طبيعة ما تحمله؛ فالقطاع يحتاج جرارات ومعدات تسوية وإزالة أنقاض، وقطع غيار، ومضخات وأنابيب وشبكات ري، وبذورًا وأسمدة ومبيدات، وأغطية للبيوت المحمية، وأعلافًا وأدوية بيطرية، ومعدات تبريد، وقوارب وشباك صيد، ولهذا تشدد الفاو على أن إدخال مجموعة متكاملة من المدخلات في الوقت المناسب شرط لاستعادة الإنتاج؛ فإدخال البذور بلا شبكة ري، أو العلف بلا دواء بيطري، أو محصول بلا تبريد ونقل، لا يعيد سلسلة الإنتاج إلى العمل.

حتى الآلات اللازمة لرفع الركام وإصلاح الطرق تواجه مشكلات في الوقود والزيوت وقطع الغيار؛ ففي مايو/أيار 2026 حذرت OCHA من أن القيود على المولدات وزيوت المحركات وقطع غيار المركبات وآليات إزالة الأنقاض باتت تؤدي إلى أعطال لا يمكن إصلاحها، بالنسبة إلى المزارع، هذه ليست مشكلة لوجستية بعيدة عنه؛ فالطريق المسدود يمنع وصول الجرار، والركام فوق الحقل يمنع الحراثة، وتعطل المولد يوقف البئر، وغياب التبريد يفسد المحصول قبل وصوله إلى السوق.

ثم تأتي الاستهدافات وإطلاق النار المستمران ليضيفا طبقة أخرى من الخطر؛ فقد سجلت تقارير OCHA بعد وقف إطلاق النار استمرار الغارات وإطلاق النار وسقوط الضحايا، وذكرت في مايو/أيار 2026 أن انعدام الأمن والضربات وإطلاق النار والقيود على الحركة ما زالت تعوق العمليات الإنسانية، ووفق التقييم النهائي للأضرار والاحتياجات، قُتل 449 فلسطينيًا وأصيب 1,246 بين وقف إطلاق النار ومنتصف يناير/كانون الثاني 2026، ثم ارتفعت الأرقام في التقارير اللاحقة، وفي مثل هذه البيئة لا يستطيع المزارع التخطيط لموسم يحتاج شهورًا من العمل والاستثمار.

تراجع الإنتاج وارتفاع الأسعار

وتظهر خطورة الأمر بصورة خاصة في الأراضي القريبة من «الخط الأصفر» والمناطق الشرقية، حيث تقع تاريخيًّا مساحات مهمة من الأراضي الزراعية؛ فالزراعة نشاط مكاني لا يمكن نقله بسهولة، ولذلك فإن توسيع مناطق عدم الوصول لا يقل أثرًا اقتصاديًّا، في بعض الحالات، عن تدمير الأرض نفسها؛ فالنتيجة واحدة بالنسبة للسوق: دونم خارج الإنتاج. وهذا ما يفسر انخفاض مساحة الأرض السليمة والقابلة للوصول حتى بعد وقف إطلاق النار.

في الأسواق، يقرأ المواطن هذه الخرائط العسكرية والزراعية على بطاقات الأسعار؛ ففي فترات تحسن دخول البضائع تراجعت أسعار بعض الخضراوات، لكن أي اضطراب في المعابر يعيدها سريعًا إلى الارتفاع.

وفي مارس/آذار 2026، بعد إغلاق مؤقت للمعابر، قالت OCHA إن أسعار الغذاء وغاز الطهي قفزت، وسجلت الطماطم مستويات قياسية، وفي شهادات من السوق خلال الشهر نفسه، تحدث مواطنون عن وصول كيلو الطماطم والخيار إلى نحو 25 شيكلًا في بعض المواقع، وهي أسعار تجعل طبق السلطة نفسه بعيد المنال عن أسر فقدت رواتبها ومدخراتها.

وحتى عندما تتحسن وفرة السلع لا تنتهي الأزمة؛ ففي يوليو/تموز 2026 كان 77% من الأسر التي شملها رصد برنامج الأغذية العالمي يبلغون عن صعوبات في الوصول إلى الأسواق، أساسًا بسبب نقص المال وعدم القدرة على تحمل الأسعار، وكان استهلاك اللحوم والبيض يعادل مرة واحدة أسبوعيًا في المتوسط، والفواكه نصف يوم أسبوعيًا، والخضراوات نحو يومين أسبوعيًا، وهي مستويات أدنى بكثير من الفترة السابقة للحرب؛ فالخسارة الزراعية هنا تلتقي مع انهيار الوظائف والدخل لتنتج أزمة غذاء لا تحلها رؤية الخضراوات فوق البسطات وحدها.

وبحلول سبتمبر/أيلول 2026 ظلت الصورة الاقتصادية شديدة الهشاشة؛ فقد أظهرت بيانات مجموعة العمل النقدية التي نقلتها OCHA أن مستوى الأسعار العام ظل أعلى بنحو 207% من مستويات ما قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأن سعر الطماطم ارتفع 31% خلال أسبوع واحد في إحدى فترات الرصد، كما أن معبر كرم أبو سالم ظل نقطة الشحن التشغيلية الوحيدة بعد إغلاق زيكيم منذ مايو/أيار، ما يجعل الأسواق كلها عرضة لصدمة فورية إذا تعطلت هذه البوابة الوحيدة.

خسائر كبيرة وانكماش اقتصادي

لهذه الأسباب لا يمكن فصل أزمة الزراعة عن «الخنق الاقتصادي» الأشمل؛ فالمزارع الذي فقد أرضه فقد أيضًا رأسماله، والعامل الزراعي فقد أجره، والتاجر فقد سلسلة توريده، والأسرة المستهلكة فقدت قدرتها الشرائية، وقد انكمش اقتصاد غزة بنسبة كارثية خلال الحرب؛ ووفق التقييم النهائي المشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي انكمش النشاط الاقتصادي بنحو 83% في 2024، ولم تحقق التحسينات المحدودة المرتبطة بفترات وقف إطلاق النار انعكاسًا حقيقيًا لهذا الشلل الاقتصادي.

وقدرت الفاو في مايو/أيار 2025 الأضرار والخسائر الزراعية المتراكمة بأكثر من ملياري دولار آنذاك، منها نحو 835 مليون دولار أضرارًا مادية و1.3 مليار دولار خسائر اقتصادية، لكن استمرار الدمار رفع التقديرات اللاحقة: ففي التقييم النهائي المنشور في أبريل/نيسان 2026 قُدرت أضرار النظام الزراعي والغذائي بنحو 1.44 مليار دولار وخسائره بنحو 1.46 مليار دولار، إلا أن الأهم من الأرقام نفسها أن الخسارة مستمرة ما دامت الأرض خارج الإنتاج؛ فكل موسم لا يُزرع يضيف دخلًا ومحصولًا مفقودين إلى فاتورة الدمار.

لهذا قفز تقدير احتياجات التعافي الزراعي من نحو 4.2 مليارات دولار في التقييم المرحلي لعام 2025 إلى 10.5 مليارات دولار في التقييم النهائي لعام 2026، ومن هذا المبلغ يحتاج قطاع الزراعة والنظام الغذائي إلى نحو 7.5 مليارات دولار خلال أول 18 شهرًا، وهو أكبر احتياج تمويلي قصير الأجل بين القطاعات التي شملها التقييم، والمطلوب يشمل المساعدات الغذائية العاجلة، وإعادة القدرة الإنتاجية، وتأهيل الأسواق ومرافق التخزين والبنية الأساسية اللازمة لتدوير الاقتصاد الغذائي من جديد.

الأمن قبل الترميم

ومع ذلك فالبداية الحقيقية لأي خطة ترميم، ليست المال بل الأمن؛ حيث لا يمكن مطالبة مزارع باستثمار مدخراته في بيت محمي قد يتعرض للقصف، ولا بإصلاح بئر يقع في منطقة لا يستطيع الوصول إليها، ولا إرسال جرار إلى أرض لم تُفحص من الذخائر، لذلك تضع الفاو الاستقرار والوصول الآمن في مقدمة شروط التعافي، وتقول إن استعادة إنتاج الغذاء تتطلب تحولًا كبيرًا في إمكانية الوصول والسلامة والاستثمار ودعم المجتمعات المحلية.

يلي ذلك مسح شامل للأراضي دونمًا دونمًا، ما يشمل: تحديد ما جُرّف، وما تلوث، وما امتلأ بالركام أو الذخائر، وما فقد طبقته السطحية الخصبة، ثم إزالة الأنقاض وتسوية الأرض وفحص التربة والمياه وإعادة تأهيلها. وقد أوصى برنامج الأمم المتحدة للبيئة باختبارات منهجية للتربة، وإزالة الركام وإعادة تدوير الممكن منه، والتخلص الآمن من الذخائر، وإعادة بناء منظومات المياه والصرف.

وبعد الأرض تأتي المياه والطاقة. يحتاج القطاع إلى إصلاح الآبار وشبكات الري وخزانات المياه ومحطات التحلية والمضخات، وإعادة أنظمة الطاقة الشمسية التي كانت تشغل جزءًا من البنية الزراعية. كما ينبغي معالجة الملوحة وتلوث المياه الجوفية واستخدام تقنيات ري أكثر كفاءة في قطاع يعاني أصلًا شح المياه. وأي خطة لا تعيد شبكة الري ستدفع المزارع للاعتماد على مياه باهظة الثمن، فتزيد كلفة الإنتاج وينتقل العبء مرة أخرى إلى المستهلك في السوق.

ثم يجب فتح المعابر بصورة منتظمة للآلات والمدخلات، وليس للغذاء الجاهز فقط. المطلوب جرارات وآليات زراعية ومعدات إزالة وتسوية، وبذور وشتلات وأسمدة ومبيدات وأغطية بيوت محمية وأنابيب ومضخات وقطع غيار ووقود، إلى جانب الأعلاف والأدوية البيطرية والحيوانات والبيض المخصب، وقوارب الصيد والشباك والمعدات. وقد قالت الفاو صراحة إن الموافقات الفردية والمتقطعة على بعض المواد لا تكفي، وإن المزارع والمربي والصياد يحتاجون مجموعة متكاملة من المدخلات في الوقت الصحيح حتى تعمل دورة الإنتاج.

تجارب وآمال مشروطة

وبرغم كل ذلك، أثبتت التجارب الصغيرة أن استعادة الإنتاج ممكنة إذا توافرت الشروط، فقد دعمت الفاو في تجربة 2025 نحو مائتي أسرة زراعية تمكنت من زراعة ما لا يقل عن 720 دونمًا وإنتاج 1,094 طنًا من الخضراوات، بما فيها الباذنجان والفلفل والطماطم والكوسا والملوخية؛ وهي كمية تكفي الاحتياج السنوي الموصى به من الخضراوات لأكثر من 13 ألف شخص.

وفي 2026 وسعت المنظمة البرنامج ليستهدف 1,500 مزارع وزراعة دونم على الأقل لكل منهم، مع توقع إنتاج يكفي نحو مئة ألف شخص.

هذه النماذج تكشف أن دعم المزارع ليس بديلًا عن المساعدات الغذائية بل وسيلة لتقليل الاعتماد عليها. فكل طن من الطماطم أو الكوسا ينتج داخل غزة يعني غذاءً طازجًا يصل السوق، ودخلًا لمزارع وعامل وناقل وبائع، وضغطًا أقل على الاستيراد، وتنوعًا غذائيًا أفضل للأطفال. ومن هنا فإن إبقاء غزة معتمدة على الشاحنات بينما تظل بذورها ومضخاتها وآلاتها خلف المعابر يطيل الأزمة بدل حلها. التعافي الحقيقي يبدأ عندما يستطيع السكان إنتاج جزء معتبر من غذائهم بأنفسهم من جديد.

العقاب الجماعي والمسؤلية الدولية

ومن الزاوية الحقوقية، ذهبت منظمات دولية أبعد من توصيف «أضرار الحرب»؛ حيث قالت منظمة العفو الدولية إن تدمير الأراضي الزراعية والبنية التي تدعم الحياة يجب التحقيق فيه ضمن أنماط التدمير غير المشروع والعقاب الجماعي، ووثقت تجريف أراضٍ ومبانٍ في المنطقة الشرقية بعد تحليل صور أقمار صناعية ومقاطع مصورة.

أما هيومن رايتس ووتش فقد وثّقت بدورها تجريف حقول وبساتين وبيوت محمية، وربطت تدمير مصادر الغذاء بسياسة الحرمان من الموارد الأساسية. وهذه توصيفات ومواقف حقوقية تنسب إلى أصحابها، بينما تؤكد البيانات الأممية المستقلة، بصرف النظر عن التوصيف القانوني، الحجم الاستثنائي للدمار الزراعي.

وهنا تبرز مسؤولية المجتمع الدولي بصورة يصعب فصلها عن مسألة التنفيذ. فمنظمة الأغذية والزراعة والأمم المتحدة ووكالات الإغاثة لا تكتفي منذ شهور بطلب التمويل، بل تطالب أيضًا بإزالة القيود عن دخول البذور والأسمدة والمعدات والأعلاف ووسائل الإنتاج وفتح مسارات الوصول الآمن. وإذا كانت ترتيبات وقف إطلاق النار قد أنشأت فرصة لزيادة المساعدات وبدء التعافي، فإن استمرار إغلاق أو تقييد المعابر، ومنع مواد إعادة الإنتاج، واستمرار الاستهدافات وإطلاق النار، يعني أن المجتمع الدولي لم ينجح حتى الآن في تحويل الاتفاق إلى ضمان فعلي لعودة الحياة الاقتصادية الطبيعية. المسؤولية هنا ليست إنسانية فقط؛ إنها مسؤولية عن منع تحول الإغاثة الطارئة إلى حالة دائمة تحل محل حق السكان في العمل والإنتاج والغذاء.

بعد ثلاث سنوات من بدء حرب الإبادة الجماعية، تبدو أزمة الزراعة في غزة أكثر من سجل للحقول المجرفة والأشجار المقتلعة والبيوت المحمية الممزقة والآبار المعطلة والقطعان النافقة والقوارب المحطمة. إنها قصة تفكيك منظومة كانت تربط الأرض بالمائدة والدخل بالكرامة، المزارع الذي يعيد غرس شتلة بين الركام، ومربية الأغنام التي تحاول إنقاذ آخر رؤوس قطيعها، والصياد الذي يصلح شبكة ممزقة على الشاطئ، جميعهم يحاولون استعادة شيء يتجاوز الوظيفة: القدرة على إنتاج الحياة، ولن يتحول ذلك إلى تعافٍ واسع ما لم يتوقف الاستهداف بصورة فعلية، وتُفتح الأرض والبحر والمعابر، وتدخل الآلات والمدخلات بلا تعطيل، وتُزال الذخائر والركام، وتُرمم التربة والمياه والأسواق. وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل أسعار الخضراوات في السوق، والطبق الخالي من البروتين، والحقل الذي لا يستطيع صاحبه بلوغه، الشواهد اليومية على أن الحرب على الزراعة لم تنتهِ بمجرد توقف المعارك الكبرى.

Exit mobile version