Site icon Palestinealyoum

ثلاث سنوات في الخيام.. حين يصبح البيت حلمًا في غزة

خيام النازحين

المركز الفلسطيني للإعلام

ثلاث سنوات مرّت على حرب لم تكتفِ بهدم المنازل، بل دفعت مئات الآلاف من الفلسطينيين في قطاع غزة إلى حياة النزوح الطويل، حيث تحولت الخيام من مأوى مؤقت إلى واقع ممتد، وأصبح حلم العودة إلى بيت آمن أشبه بأمنية مؤجلة لا يعرف أصحابها متى تتحقق.

في مواصي خان يونس، جنوب قطاع غزة، تعيش أم أنس البطنيجي (40 عامًا) داخل خيمة تحمل معها ما تبقى من مقتنيات نزحت بها من مدينة رفح. تفتح عينيها كل صباح على جدران من قماش، وتنام كل ليلة على السؤال ذاته: متى تعود إلى بيت له باب تغلقه على أطفالها، بدل قطعة قماش لا تقيهم حر الصيف ولا برد الشتاء؟

تقول أم أنس إن ثلاث سنوات من حياة الخيام أنهكتها وعائلتها، مؤكدة أن مطلبها لم يعد يتجاوز الحصول على بيت نظيف وآمن، بعيدًا عن الحشرات والقوارض، يوفر لأطفالها الخصوصية والأمان والماء النظيف والمرحاض والكهرباء.

ولم تعد الخيمة بالنسبة إلى عائلات كثيرة في غزة محطة عابرة في رحلة النزوح، بل تحولت إلى عنوان لحياة كاملة، بما تحمله من ضيق وحرمان وغياب للخصوصية والاستقرار، في ظل شح المياه وتراكم النفايات وانتشار الحشرات والقوارض وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وتزداد المعاناة مع تعاقب الفصول؛ ففي الصيف تتحول الخيام إلى أماكن خانقة تحت أشعة الشمس، بينما لا توفر في الشتاء حماية كافية من البرد والمطر والرياح، ليبقى النازحون عالقين بين فصلين قاسيين، ينتظرون نهاية حياة لا تبدو مؤقتة.

وبحسب بيانات اليونيسف التي أوردتها “وفا”، كان نحو 1.9 مليون شخص من أصل 2.1 مليون نسمة في قطاع غزة يعيشون في حالة نزوح حتى منتصف عام 2026، ما يعني أن الغالبية الساحقة من السكان ظلت بعيدة عن منازلها، وسط تحذيرات من المخاطر الصحية والبيئية التي يتعرض لها النازحون.

بيت لم يعد موجودًا

في خيمة أخرى، يقف أحمد القرا، في الخمسينيات من عمره، بعدما نزح من بلدة بني سهيلا شرق خان يونس إلى غربها، مستعيدًا حياة كان فيها للبيت معنى مختلف.

يقول القرا إن عائلته كانت تملك منزلًا، ورغم بساطة إمكاناتها كان ذلك المنزل يمثل عالمها الخاص، أما اليوم فلا يجد أمامه سوى خيام متلاصقة وأكوام من النفايات والحشرات والقوارض والروائح الكريهة.

ولا يطلب القرا مساعدات إلى الأبد، بل يريد أن تنتهي الحرب فعليًا وأن تعود عائلته إلى بيتها، وإن لم يعد البيت قائمًا، فهو يريد فرصة لحياة طبيعية.

لكن العودة بالنسبة إلى كثير من سكان غزة لم تعد مجرد قرار بالرجوع، إذ إن حجم الدمار الذي أصاب المساكن جعل العثور على سقف صالح للحياة تحديًا بحد ذاته.

وبحسب تقييم للأضرار السكنية حتى يوليو/تموز 2026، شمل نحو 159 ألف وحدة سكنية، فإن 95,290 وحدة، أي 60% من الوحدات التي جرى تقييمها، دمرت أو تعرضت لأضرار إنشائية شديدة.

وبحلول أغسطس/آب، أظهرت عملية تقييم أوسع أن نحو 107,941 وحدة سكنية، أي 60% من الوحدات التي جرى تقييمها، كانت متضررة بشدة أو مدمرة أو غير صالحة للسكن.

الماء والمرض.. تفاصيل يومية قاسية

ولا تتوقف معاناة النازحين عند ضيق الخيمة، فالماء والمرحاض والنظافة والتخلص من النفايات تحولت جميعها إلى تحديات يومية تثقل حياة الأسر.

وتشير اليونيسف إلى أن نحو 82% من الأسر في غزة تعاني انعدام الأمن المائي، فيما لا يستطيع ما يصل إلى 70% منها الوصول إلى الحد الأدنى البالغ ستة لترات من المياه للفرد يوميًا، بينما تعرض نحو 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي للضرر أو التدمير.

وتتفاقم المخاطر الصحية مع محدودية المراحيض وتراكم النفايات وانتشار القوارض، في بيئة نزوح مكتظة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الآمنة.

وتلخص أم حازم حمد، وهي مسنة تجلس إلى جانب أحفادها، مطلبها بكلمات بسيطة: لا تريد خيمة أفضل، بل تريد انتهاء حياة الخيمة.

وتقول إن حلمها هو بيت عادي، بجدران تستند إليها، وأرضية تمشي عليها، وباب يغلق عليها وعلى أطفالها، ومطبخ وحمام نظيف وماء يصل من الصنبور.

وتضيف أن المرض في حياة الخيام يتحول بدوره إلى معاناة أخرى، تبدأ بصعوبة الوصول إلى الطبيب، ولا تنتهي عند مشكلة النقل والدواء والمال ومكان العلاج.

وفي الجانب الصحي، تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن 19 مستشفى فقط من أصل 36 مستشفى في قطاع غزة كانت تعمل جزئيًا حتى 24 سبتمبر/أيلول 2026، دون أن يعمل أي منها بكامل طاقته، في وقت لا تزال فيه الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود شحيحة.

شتاء ثالث داخل الخيام

ومع اقتراب شتاء جديد، يستعد النازحون لمواجهة فصل آخر داخل خيام لم تعد قادرة على توفير الحد الأدنى من الحماية.

الحاج عمار عبد الله (60 عامًا)، النازح من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، يستعد مع أسرته لشتاء ثالث، محاولًا تجهيز خيمته بما يستطيع من شوادر وخشب وحديد ومسامير، رغم ارتفاع أسعارها وعجز الأسر عن تحمل تكاليفها.

ويقول إن النازحين يحاولون حماية أطفالهم وعائلاتهم من البرد والمطر، لكن حتى أبسط إجراءات التدعيم أصبحت مكلفة، فيما لا يمكن لأي تجهيز أن يحول الخيمة إلى مكان يوفر حياة مستقرة ومريحة.

ومنذ ثلاث سنوات، تتكرر دورة المعاناة ذاتها مع بداية كل صيف وشتاء؛ شوادر تتمزق بفعل الطقس والوقت، وخيام تحتاج إلى إصلاح، وأسر تبحث عن وسيلة للبقاء في مكان لم يكن يفترض أن يكون منزلًا دائمًا.

وهكذا، تختصر الخيمة بالنسبة إلى سكان غزة أكثر من مجرد مأوى مؤقت؛ فهي تختصر سنوات من النزوح وفقدان البيت والخصوصية والاستقرار.

وبين خيمة وأخرى، لا تبدو أحلام الغزيين كبيرة أو مرتبطة بالرفاهية، بل تنحصر في أبسط مقومات الحياة: جدار يستندون إليه، وماء يخرج من صنبور، وحمام نظيف، ومكان آمن للأطفال، ومفتاح لباب يغلقونه خلفهم، ليقولوا أخيرًا: هذا بيتنا.

Exit mobile version