Site icon Palestinealyoum

ثلاث سنوات من حرب غزة تهز النظام الدولي وتعمّق عزلة “إسرائيل”

قصف مستشفى الأقصى

خاص المركز الفلسطيني للإعلام

لم تعد تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة محصورة في حدود الأراضي الفلسطينية أو منطقة الشرق الأوسط، بل امتدت لتطال العلاقات الدولية، ومصداقية القوى الغربية، ومستقبل النظام الدولي القائم على القواعد والقوانين، في وقت تتسع فيه دوائر التوتر والصراع، وتتزايد فيه الانتقادات لاستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية دون مساءلة توازي حجم الدمار والخسائر البشرية.

وفي قراءة لهذه التحولات، يرى الصحفي ستيف بلومفيلد، في مقال نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية السبت أن الحرب على غزة لم تغيّر ملامح الشرق الأوسط فحسب، وإنما أسهمت في تغيير العالم، بعدما كشفت، وفق تحليله، عن تناقضات عميقة في مواقف القوى الغربية، وأضعفت قدرتها على الدفاع عن منظومة القواعد الدولية التي طالما استندت إليها في علاقاتها مع الدول الأخرى.

ازدواجية المعايير تضرب مصداقية الغرب

ويضع بلومفيلد التباين بين المواقف الغربية من الحرب الروسية على أوكرانيا والحرب الإسرائيلية على غزة في صلب التحولات التي شهدها النظام الدولي؛ إذ إن الدعم الغربي الواسع لأوكرانيا، مقابل استمرار الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل رغم حجم الدمار والضحايا الفلسطينيين، أثار تساؤلات بشأن مدى اتساق الخطاب الغربي مع المبادئ التي يعلن التمسك بها.

ويشير هذا التناقض إلى أزمة تتجاوز حدود المواقف الدبلوماسية، لتطال الثقة الدولية بقدرة الدول الغربية على تطبيق القانون الدولي بصورة متساوية، بعيدًا عن حسابات التحالفات والمصالح السياسية.

فحين تُرفع شعارات حماية المدنيين واحترام سيادة الدول في ساحة، بينما تتراجع فاعليتها أمام مشاهد القتل والدمار في ساحة أخرى، تصبح مصداقية الخطاب الغربي موضع مساءلة، وتجد دول عديدة في ذلك مدخلًا للتشكيك في عدالة النظام الدولي وآليات عمله.

ولا تقتصر آثار هذه الأزمة على صورة الحكومات الغربية، بل تمتد إلى قدرة هذه الحكومات على حشد الدعم الدولي لمواقفها في أزمات أخرى، في ظل تزايد المطالبات بأن تكون المعايير القانونية والإنسانية واحدة، وألا تتحدد قيمتها وفق هوية الطرف المتورط في الانتهاكات أو موقعه في شبكة التحالفات الدولية.

من غزة إلى الإقليم.. اتساع دوائر الصراع

ولا تنفصل هذه التحولات عن التداعيات الإقليمية للحرب، التي تجاوزت القطاع إلى ساحات أخرى، في ظل تصاعد المواجهات والتوترات المرتبطة بالصراع، وامتدادها إلى لبنان واليمن، إلى جانب انعكاساتها على حسابات الأمن والاستقرار في المنطقة.

ويرصد بلومفيلد اتساع دائرة العنف وتداخل مسارات الصراعات، بما يجعل الحرب على غزة جزءًا من مشهد إقليمي ودولي أكثر اضطرابًا، تتشابك فيه المواجهات العسكرية مع المصالح الاستراتيجية للقوى الإقليمية والدولية.

ويعكس هذا الامتداد أن استمرار الحرب وتداعياتها لا يهددان حياة الفلسطينيين وأمنهم فحسب، بل يفرضان أيضًا أثمانًا سياسية وأمنية على المنطقة، ويزيدان صعوبة احتواء الأزمات ومنع انتقالها إلى ساحات جديدة.

وفي هذا السياق، لا تبدو آثار الحرب قابلة للاختزال في نتائجها العسكرية المباشرة؛ فالتداعيات تمتد إلى العلاقات بين الدول، وإعادة ترتيب الأولويات الأمنية، وتراجع الثقة بالمساعي الدولية الرامية إلى احتواء النزاعات، خصوصًا عندما يُنظر إلى التعامل مع الأزمة الفلسطينية باعتباره محكًا لجدية الالتزام بالقانون الدولي.

تراجع التأييد لإسرائيل وتبدّل المزاج العام

وعلى المستوى الشعبي، تبرز الحرب على غزة بوصفها عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل المواقف تجاه إسرائيل، لا سيما في الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث تصاعدت الانتقادات الموجهة إلى سياساتها العسكرية، واتسعت النقاشات بشأن حدود الدعم الغربي لها.

ويشير تحليل بلومفيلد إلى تراجع التأييد لإسرائيل في قطاعات من الرأي العام، خصوصًا داخل الأوساط التقدمية، في ظل استمرار مشاهد الدمار والقتل وما أثارته من احتجاجات ونقاشات بشأن المسؤولية السياسية والأخلاقية للحكومات الداعمة لها.

وقد أظهرت التحركات الشعبية المؤيدة لفلسطين في عواصم غربية أن القضية الفلسطينية باتت حاضرة بقوة في النقاش العام، وأن التعامل معها لم يعد شأنًا خارجيًا منفصلًا عن المجتمعات الغربية، بل أصبح موضع خلاف سياسي وأخلاقي داخلي.

ومع ذلك، لا يعني هذا التحول أن المواقف الرسمية الغربية تغيرت بالقدر نفسه، أو أن الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل قد انتهى؛ إذ لا تزال هناك فجوة بين قطاعات من الرأي العام ومواقف الحكومات، وهي فجوة تضع صناع القرار أمام ضغوط متزايدة بشأن سياساتهم تجاه الحرب.

التكنولوجيا العسكرية وأسئلة المساءلة

ويتناول التحليل كذلك التحولات التي تطرأ على طبيعة الحروب الحديثة، مع تزايد الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية والاستهداف، وما يثيره ذلك من أسئلة بشأن الرقابة البشرية، ودقة القرارات العسكرية، والمسؤولية عن الخسائر التي تلحق بالمدنيين.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الدمار الواسع الذي شهده قطاع غزة، إذ تطرح التطورات التقنية تساؤلات تتعلق بحدود استخدام الأنظمة الآلية في تحديد الأهداف، ومدى خضوع القرارات الناتجة عنها لمعايير القانون الدولي الإنساني.

فالتقدم التقني في المجال العسكري لا يلغي مسؤولية الأطراف المتحاربة عن حماية المدنيين، ولا يعفي الجهات التي تتخذ القرارات العسكرية من المساءلة عن نتائجها. كما أن توظيف التكنولوجيا في الحروب يفرض ضرورة تطوير آليات الرقابة والتحقيق والمحاسبة، بما يمنع تحولها إلى وسيلة لتوسيع نطاق القوة العسكرية بعيدًا عن الضوابط القانونية.

ومن هذه الزاوية، لا تمثل غزة ساحة حرب مدمرة فحسب، بل تطرح أيضًا أسئلة تتجاوز حدودها بشأن مستقبل الحروب، وحدود استخدام التكنولوجيا، وقدرة المنظومة الدولية على فرض قواعد واضحة وملزمة على الأطراف المتحاربة.

غزة واختبار النظام الدولي

وتكشف الحرب، وفق الاتجاه العام الذي يطرحه المقال، عن أزمة أعمق في النظام الدولي، تتمثل في اتساع الفجوة بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية، وفي محدودية قدرة المؤسسات الدولية على ضمان المساءلة عندما تتعارض مقتضيات القانون مع مصالح القوى النافذة.

فاستمرار المعاناة الإنسانية، وتواصل الخلافات بشأن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، يعززان الانطباع بأن الحماية الدولية ليست متاحة بالدرجة نفسها لجميع الشعوب، وأن فاعلية القواعد القانونية تتأثر بموازين القوة السياسية والعسكرية.

وتكمن خطورة ذلك في أن تراجع الثقة بالقانون الدولي لا يقتصر على القضية الفلسطينية، بل يمكن أن ينعكس على نزاعات أخرى، ويضعف قدرة المؤسسات الدولية على أداء دورها في حماية المدنيين واحتواء الصراعات.

وبعد ثلاث سنوات من الحرب، تبدو آثار ما جرى في غزة أوسع من حدود الدمار المادي والخسائر البشرية؛ إذ باتت الحرب محورًا لنقاش عالمي حول العدالة الدولية، وحدود القوة، ومسؤولية الحلفاء، ومستقبل العلاقة بين القانون والمصالح السياسية.

وفي المحصلة، يضع تحليل بلومفيلد الحرب على غزة في سياق تحولات عالمية متشابكة، يرى أنها كشفت هشاشة الالتزام الدولي بالمبادئ المعلنة، وأعادت فتح النقاش بشأن مكانة الغرب وقدرته على قيادة النظام الدولي. وبينما تستمر تداعيات الحرب في التأثير على المنطقة والعالم، تبقى المساءلة واحترام القانون الدولي وحماية المدنيين عناصر أساسية لاختبار جدية أي حديث عن الاستقرار والسلام.

Exit mobile version