Site icon Palestinealyoum

حين تختنق غزة بمياه الصرف الصحي.. بحرٌ ملوث وكارثة تحاصر خيام النازحين

المركز الفلسطيني للإعلام

“مش عايشين بالمرة هانا، ولا حاسين بريحة الحياة خالص”.. بهذه الكلمات يختصر النازح عمر أبو حماد، من بني سهيلا، جانبًا من معاناة آلاف النازحين المقيمين على شاطئ خان يونس جنوب قطاع غزة، حيث تحاصرهم رائحة مياه الصرف الصحي المتدفقة إلى البحر ليلًا ونهارًا.

ويقول أبو حماد إن معاناتهم مع مياه المجاري لا تتوقف، مشيرًا إلى أنه فقد أحد أبنائه قبل نحو ستة أشهر، في ظل ما يصفه بالتلوث الشديد الناجم عن ضخ مياه الصرف الصحي في البحر.

ويصف النازحون مشهدًا يوميًا قاسيًا، تبدأ معه ساعات الصباح على رائحة المجاري بدل نسائم البحر، فيما تنتشر الحشرات والبعوض، وتتحول ساعات الليل إلى معاناة متواصلة تحرمهم النوم والجلوس أمام خيامهم مع أطفالهم.

ويؤكد النازح سالم قشطة، القادم من رفح، أن خيمته لا تبعد سوى نحو 50 مترًا عن نقطة تصريف مياه الصرف الصحي، ما جعل المكان غير صالح للسكن أو الحياة، على حد وصفه.

ويشير قشطة إلى انتشار الذباب والبعوض بصورة كبيرة، إلى جانب الروائح الكريهة، مؤكدًا أنه يمنع الأطفال من الاقتراب من البحر خشية تعرضهم للأمراض والتلوث.

ويلفت إلى أن ضخ مياه الصرف الصحي يتكرر ليلًا، بينما يضطر النازحون إلى استخدام وسائل بدائية لتخفيف حدة الروائح داخل خيامهم، في مشهد يعكس حجم المأساة التي يعيشونها.

ويقول أبو حماد إن لون البحر يتغير من الأزرق إلى الأسود بفعل مياه الصرف الصحي، فيما تتزايد الحشرات والروائح في محيط أماكن النزوح، لتتحول الشواطئ التي لجأ إليها الفلسطينيون بحثًا عن ملاذ إلى مصدر إضافي للخطر.

وتفاقمت أزمة الصرف الصحي في قطاع غزة إلى مستويات غير مسبوقة، مع انهيار واسع في منظومة المعالجة، ما يهدد البيئة والصحة العامة ويضاعف مخاطر تلوث البحر ومصادر المياه.

وأكدت سلطة المياه تصريف نحو 55 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي يوميًا دون معالجة، بينها 40 ألف متر مكعب تُضخ مباشرة إلى البحر، فيما تتسرب 15 ألف متر مكعب أخرى إلى البيئة عبر الحفر الامتصاصية وتسربات الشبكات.

وأوضحت أن محطات المعالجة الرئيسية الخمس في القطاع متوقفة عن العمل، بينما تعمل 18 محطة ضخ بصورة جزئية فقط من أصل نحو 74 محطة كانت تعمل قبل الأزمة.

وبيّنت أن نسبة السكان المخدومين بشبكات الصرف الصحي تراجعت من أكثر من 85% إلى نحو 45%، فيما انهارت قدرة المعالجة من 185 ألف متر مكعب يوميًا قبل الأزمة إلى الصفر حاليًا، باستثناء أعمال التأهيل الجارية في محطة الشيخ عجلين.

وتنفذ الجهات المختصة تدخلات عاجلة لدعم محطات الضخ وتوفير الوقود، إلى جانب إصلاح نحو 20 محطة ضخ وشبكات صرف صحي حرجة، ومعالجة نحو 900 نقطة ذات أولوية بيئية وصحية.

وتشمل الاستجابة أعمال شفط وضخ طارئة باستخدام المعدات الثقيلة، فضلًا عن تقييم الأضرار في 44 محطة ضخ ونحو 385 كيلومترًا من شبكات الصرف الصحي.

وتركز خطط التأهيل على إعادة تشغيل محطة معالجة الشيخ عجلين على مرحلتين، بقدرة أولية تبلغ نحو 22 ألف متر مكعب يوميًا بدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، قبل رفعها لاحقًا إلى نحو 65 ألف متر مكعب يوميًا.

وتشمل الاحتياجات العاجلة الوقود والمضخات والمولدات وقطع الغيار وشاحنات الشفط والتنظيف والمعدات الثقيلة، إلى جانب حلول صرف صحي مؤقتة في مواقع النزوح.

وتحذر سلطة المياه من أن استمرار تصريف مياه الصرف الصحي دون معالجة يفاقم تلوث البحر والبيئة ويهدد الصحة العامة، مؤكدة أن إعادة تشغيل منظومة الصرف الصحي وتأهيل بنيتها التحتية باتت أولوية عاجلة لحماية السكان والبيئة.

وبينما ينتظر النازحون على شاطئ خان يونس نهاية الحرب والعودة إلى بيوتهم، يجدون أنفسهم أمام مأساة أخرى تتسلل إلى خيامهم مع كل دفقة من مياه المجاري؛ رائحة تلاحقهم في النهار، وتحرمهم النوم في الليل، وبحر كان يفترض أن يكون متنفسًا لهم، فإذا به يتحول إلى شاهد آخر على قسوة الحياة في غزة.

Exit mobile version