
المركز الفلسطيني للإعلام
لم يعد انهيار منظومة الصرف الصحي في قطاع غزة أزمةً خدمية أو إنسانية محلية تقتصر آثارها على السكان داخل القطاع، بعدما بدأت تداعياته تمتد إلى البيئة البحرية في شرق المتوسط، وسط تحذيرات من أن استمرار تدفق مياه الصرف غير المعالجة إلى البحر قد يفاقم أزمات بيئية وصحية تتجاوز حدود غزة.
بروز هذه الأزمة يأتي بالتزامن مع ظاهرة بيئية لافتة شهدها البحر المتوسط، تمثلت في وصول كتل كثيفة من الطحالب المجهرية إلى الساحل الفلسطيني المحتل، ما تسبب في ارتفاع شديد في عكورة مياه البحر وتعطل خمس محطات من أصل ست محطات رئيسية لتحلية مياه البحر، وفق التقرير.
ولا تعني هذه الوقائع أن مياه الصرف القادمة من غزة هي المصدر المباشر للطحالب أو أنها السبب الوحيد في تعطل محطات التحلية، إذ تشير المعطيات التي تناولها التقرير إلى أن مصدر الكتل الطحلبية يرجح أن يكون منطقة دلتا النيل في مصر، فيما يمكن أن تكون مياه الصرف غير المعالجة القادمة من غزة عاملًا مساعدًا من خلال توفير مغذيات تساعد على نمو الطحالب.
55 ألف متر مكعب من الصرف يوميًا
وتكشف أرقام الصرف الصحي حجم الكارثة البيئية التي يواجهها قطاع غزة.
وقال الخبير البيئي واستاذ العلوم البحرية في الجامعة الإسلامية عبد الفتاح عبد ربه إن نحو 55 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي تخرج من قطاع غزة يوميًا، بينها قرابة 40 ألف متر مكعب تُصرّف إلى البحر من دون معالجة، بينما تتسرب الكمية المتبقية إلى البيئة عبر الحفر الامتصاصية وتسربات شبكات الصرف.
وأوضح في تصريح لمراسل المركز الفلسطيني للإعلام أن هذه الكميات الهائلة تأتي في وقت تعرضت فيه منظومة الصرف الصحي في القطاع لدمار واسع، شمل محطات المعالجة وشبكات الصرف ومحطات الضخ، ما أدى إلى فقدان القدرة على معالجة مياه الصرف قبل وصولها إلى البيئة.
ولا تكمن المشكلة فقط في كمية المياه التي تصب في البحر، وإنما في طبيعة ما تحمله هذه المياه من مواد ومركبات يمكن أن تغير خصائص البيئة البحرية.
الصرف الصحي.. أكثر من مجرد مياه ملوثة
وأضاف عبد ربه أن مياه الصرف الصحي ليست مجرد مياه ملوثة، وإنما تحتوي أيضًا على كميات من النيتروجين والفوسفور والمواد العضوية، وهي عناصر تمثل مغذيات يمكن أن تستفيد منها الطحالب والكائنات المجهرية، خصوصًا عندما تتوافر درجات الحرارة المرتفعة والضوء والظروف البحرية الملائمة.
وهنا تظهر العلاقة بين أزمة الصرف الصحي في غزة والظاهرة الطحلبية التي ضربت الساحل الفلسطيني المحتل، دون الوقوع في استنتاج علمي مبسط يقول إن غزة أنتجت الكتلة الطحلبية.
وأشار عبد ربه إلى أن مياه الصرف غير المعالجة القادمة من غزة قد تكون جزءًا من منظومة المغذيات التي تساعد على زيادة شدة الازدهار الطحلبي في المياه الساحلية.
لكنه شدد على أن ذلك لا يعني أن قطاع غزة هو مصدر الكتل الطحلبية التي عطلت محطات التحلية الإسرائيلية، إذ تشير المعطيات المتاحة إلى أن مصدر هذه الكتل يرجح أن يكون منطقة دلتا النيل.
وبذلك، فإن المسألة لا تتعلق بمصدر واحد للظاهرة، وإنما بتفاعل مجموعة من العوامل، بينها مصدر الكتل الطحلبية، وارتفاع حرارة مياه البحر، والتيارات والأمواج، إضافة إلى كمية المغذيات والمواد العضوية التي تصل إلى البيئة البحرية من مصادر مختلفة.
سلسلة تبدأ من غزة ولا تنتهي عند شاطئها
وقال عبد ربه إن تدمير منظومة الصرف الصحي في غزة يخلق سلسلة بيئية خطيرة تبدأ بتصريف مياه الصرف غير المعالجة إلى البحر، ثم زيادة المغذيات والمواد العضوية في المياه، بما قد يوفر ظروفًا أكثر ملاءمة لنمو الكائنات المجهرية والطحالب، وصولًا إلى تدهور جودة المياه الساحلية.
وتزداد خطورة هذه السلسلة مع استمرار التصريف يومًا بعد آخر، إذ إن عشرات آلاف الأمتار المكعبة من المياه العادمة لا تدخل البحر بصورة عابرة، وإنما تضيف بصورة متواصلة مواد عضوية ومغذيات إلى النظام البيئي البحري.
وأكد عبد ربه أن تصريف نحو 40 ألف متر مكعب من مياه الصرف غير المعالجة يوميًا يعني ضخ ملايين اللترات من المياه المحملة بالمواد العضوية والمغذيات إلى البحر بصورة مستمرة، محذرًا من أن استمرار هذه العملية لأيام وأسابيع وأشهر يحول الأزمة من مشكلة تلوث محلية إلى قضية بيئية إقليمية.
ولا تتوقف تداعيات هذا التلوث، وفق الخبير، عند تغير نوعية مياه البحر، وإنما يمكن أن تمتد إلى الثروة السمكية وصحة الإنسان والمنشآت الساحلية، فضلًا عن الآثار التي يمكن أن تتركها الملوثات على البيئة البحرية على المدى الطويل.
البحر لا يعرف الحدود السياسية
تكشف الأزمة الحالية حقيقة بيئية أساسية: البحر المتوسط ليس مجموعة بحار منفصلة وفق الحدود السياسية، وإنما نظام بيئي مترابط تتحرك مياهه وكائناته وملوثاته بفعل التيارات والأمواج والظروف المناخية.
وأضاف عبد ربه أن الأضرار الناجمة عن انهيار منظومة الصرف الصحي في غزة لا تبقى محصورة داخل القطاع، لأن البحر المتوسط نظام بيئي واحد، والملوثات التي تصب فيه يمكن أن تنتقل وتتفاعل مع عوامل بيئية ومناخية وبحرية أخرى.
ومن هذه الزاوية، فإن تدمير محطات معالجة مياه الصرف في غزة لا يعني فقط حرمان السكان من خدمة أساسية، وإنما يعني أيضًا تحويل جزء من مياه الصرف إلى البحر باعتباره المستقبل النهائي للتلوث.
وتصبح المفارقة أكثر وضوحًا عندما تتزامن هذه الكميات الكبيرة من الصرف مع ارتفاع درجات حرارة البحر ووجود كتل طحلبية تتحرك بفعل التيارات البحرية؛ إذ يمكن للمغذيات التي تحملها مياه الصرف أن تصبح عاملًا إضافيًا في البيئة التي تنمو فيها الكائنات المجهرية.
أزمة مياه داخل غزة.. وتلوث في البحر
المفارقة الأكثر قسوة أن غزة نفسها هي المتضرر الأكبر من انهيار منظومة المياه والصرف الصحي.
فالسكان يعانون في الوقت ذاته من نقص حاد في المياه، وتلوث مصادر المياه، وتضرر شبكات الصرف، وانتشار مياه الصرف في مناطق سكنية ومخيمات النزوح.
أي أن المجتمع الذي يدفع الثمن المباشر لتدمير منظومة الصرف هو نفسه الذي يواجه آثارها البيئية طويلة المدى، بينما تنتقل نسبة من الملوثات إلى البحر وتصبح جزءًا من نظام بيئي أوسع.
وتشير المعطيات التي تناولها تقرير «واشنطن بوست» إلى أن جميع محطات معالجة مياه الصرف الرئيسية في غزة خرجت عن العمل بفعل القصف الإسرائيلي، فيما تعطلت نسبة كبيرة من محطات ضخ الصرف، الأمر الذي دفع بكميات ضخمة من المياه العادمة إلى البحر أو إلى باطن الأرض.
وهذا الوضع يفتح أيضًا بابًا آخر للخطر، يتمثل في تلوث المياه الجوفية، في وقت يعتمد فيه سكان القطاع بصورة كبيرة على موارد مائية محدودة أصلًا وتعرضت للتلوث والاستنزاف.
لماذا تصبح إعادة بناء الصرف أولوية؟
وشدد عبد ربه على أن الحل لا يكمن في التعامل مع آثار التلوث بعد وصوله إلى البحر، وإنما في وقف مصادر التلوث من الأساس.
ويعني ذلك إعادة تشغيل محطات معالجة مياه الصرف، وإصلاح شبكات الصرف ومحطات الضخ، وإعادة تأهيل البنية التحتية التي دمرتها الحرب، إلى جانب مراقبة جودة المياه الساحلية بصورة مستمرة.
فالمعالجة المتأخرة للتلوث لا تعادل الوقاية منه. وكل يوم يستمر فيه تدفق مياه الصرف غير المعالجة يعني إضافة كميات جديدة من المواد العضوية والمغذيات والملوثات إلى البيئة.
ولا ينبغي النظر إلى إعادة بناء منظومة الصرف الصحي في غزة باعتبارها مشروعًا خدميًا فقط، بل باعتبارها جزءًا من حماية الصحة العامة والموارد المائية والبيئة البحرية.
أزمة تكشف الترابط البيئي
ما حدث مع الكتل الطحلبية ومحطات التحلية الإسرائيلية لا يقدم دليلًا على أن غزة هي مصدر الظاهرة، لكنه يكشف شيئًا أكثر أهمية: الأضرار البيئية لا تتوقف عند الحدود السياسية.
فالكتلة الطحلبية قد تأتي من دلتا النيل، وتتحرك بفعل التيارات، فيما توفر مياه الصرف غير المعالجة مغذيات إضافية، وتؤثر حرارة البحر والظروف المناخية في معدل نمو الكائنات المجهرية، ثم تصل النتيجة في النهاية إلى منشآت ساحلية تعتمد على مياه البحر.
ومن هنا، فإن معالجة أزمة الصرف الصحي في غزة ليست مجرد استجابة لمعاناة السكان، وإنما ضرورة لحماية منظومة بيئية مترابطة.
ويختصر عبد ربه جوهر المسألة في أن استمرار انهيار الصرف الصحي يحول أزمة محلية إلى قضية إقليمية، لأن البحر الذي يستقبل مياه غزة لا يحمل هوية سياسية ولا يتوقف عند الحدود.
وفي ظل استمرار تدفق عشرات آلاف الأمتار المكعبة من مياه الصرف يوميًا، فإن السؤال لم يعد فقط: كيف نحمي سكان غزة من مياه الصرف؟ بل أصبح أيضًا: كيف نمنع انهيار منظومة الصرف من تحويل البحر المتوسط إلى مستودع مفتوح لمخلفات الحرب؟
فكلما تأخرت إعادة تشغيل محطات المعالجة وإصلاح الشبكات، اتسعت دائرة الخطر، وانتقلت آثار الدمار من الأنابيب ومحطات الضخ إلى المياه الجوفية، ومن الشاطئ إلى البحر، ومن الأزمة الإنسانية المباشرة إلى أزمة بيئية قد تمتد آثارها لسنوات.

