
المركز الفلسطيني للإعلام
“ما أكلتش حبة زيتون من أربع سنوات والله حرام.. ظلم”، بهذه الكلمات تختصر كريمان شراب، المواطنة من خان يونس جنوبي قطاع غزة، وجعا يتجاوز حرمانها من حبة زيتون اعتادت أن تأكلها من أرضها، إلى فقدان موسم كامل من الذكريات والحياة التي كانت تجمع الفلسطينيين بأشجارهم وأراضيهم.
تستعيد شراب مواسم الزيتون التي كانت تنتظرها بشغف، حين كانت تقطف الثمار وتجلس بين الأشجار، تميّز الحبات السوداء من الخضراء، وتحلم اليوم بأن يعود الزيتون إلى غزة، وأن تتمكن العائلات من الرجوع إلى أراضيها، ويعود معها زيت البلاد والحياة التي مزقتها ثلاث سنوات من حرب الإبادة الإسرائيلية.
بعد ثلاثة أعوام من حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، لم تعد شجرة الزيتون مجرد محصول زراعي ينتظر المزارعون موسمه، بل أصبحت شاهدا على حجم الخسارة التي طالت الأرض والإنسان ومصادر الرزق، فيما يحاول ما تبقى من الأشجار والثمرات أن يصمد أمام الدمار الواسع الذي أصاب الأراضي الزراعية ومعاصر الزيتون، واستمرار تعذر الوصول إلى مساحات تقع تحت السيطرة الإسرائيلية.
وفي غرب الزوايدة وسط القطاع، يحمل مزارعون محصولهم القليل إلى معصرة زيتون أعيد تشغيل أحد خطوط إنتاجها من بين الركام، في محاولة لاستخراج الزيت من الثمار المتبقية، والحفاظ على ما أمكن من موسم باتت ملامحه مختلفة عن السنوات التي سبقت الحرب.
معصرة من سبعة خطوط.. محاولة لإنقاذ ما تبقى
يستعيد نصر عودة، صاحب مزرعة، صورة معصرته قبل تدميرها، حين كانت تعمل بسبعة خطوط إنتاج، بطاقة إجمالية بلغت 15 طنا في الساعة، وكانت حاصلة على شهادات الجودة العالمية «آيزو» و«هاسب».
لكن القصف الإسرائيلي دمّر المنشأة بالكامل، ولم يتبق من خطوط الإنتاج سوى أجزاء أمكن انتشالها من الركام والأنقاض، ليتمكن عودة من استعادة خط إنتاج واحد ونقله إلى منطقة الزوايدة، قرب دير البلح، وإعادة تركيبه وتشغيله.
ويقول عودة إن المعصرة التي كانت تستقبل المحاصيل بكميات كبيرة لم تعد قادرة على العمل بطاقتها السابقة، مضيفا أن ما يجري اليوم هو محاولة لعصر ما تبقى من ثمار الزيتون، بعدما طالت الخسائر الأشجار نفسها، ولم يعد متاحا سوى جزء محدود من المحصول.
ويوضح أن نحو 15% فقط من أشجار الزيتون في قطاع غزة بقيت، وفق تقديره، فيما دُمّر 85% منها، معتبرا أن استهداف هذه الأشجار ألحق ضربة قاسية بقطاع الزراعة وبأحد أبرز رموز الوجود الفلسطيني على أرضه.
ويقول عودة إن شجرة الزيتون تمثل امتدادا للأجداد وتجذرا في الأرض، وإن ارتباط الفلسطينيين بها يتجاوز قيمتها الاقتصادية إلى ما تحمله من ذاكرة وهوية وانتماء. ولم يتوقف أثر الدمار، بحسب شهادته، عند الأشجار والمنشآت الصناعية، بل طال العاملين في قطاع الزيتون ومعاصرِه أيضا، إذ فقدت منشأته عددا من العاملين والمهندسين الذين قُتلوا خلال الحرب، بينهم نجل المهندس المشرف على مجموعة المعاصر ومهندس آخر وموظف من عائلة اللوح، وفق ما ذكره.
وهكذا، لم يعد إنقاذ خط إنتاج واحد مجرد محاولة لإعادة تشغيل منشأة اقتصادية، بل بات جزءا من السعي إلى إبقاء موسم الزيتون حيا، ولو بكميات محدودة، في وقت يحاول فيه المزارعون استعادة صلتهم بأراضيهم التي حُرم كثيرون منهم من الوصول إليها.
كيلو زيتون بسعر 45 شيكلا.. موسم لا يشبه ما قبله
في أسواق خان يونس، تبدو صورة الموسم أكثر قسوة؛ فالثمار التي كانت متاحة للعائلات والمزارعين والتجار، والتي ارتبطت في الذاكرة بالتكافل وتبادل الهدايا بين الأقارب والجيران، أصبحت سلعة نادرة تفوق أسعارها قدرة كثيرين على الشراء.
ويروي أحد تجار الزيتون في خان يونس أن السوق شهد، بعد ثلاث سنوات من الحرب، عودة أولى كميات الزيتون المعروضة للبيع، لكن بسعر بلغ 45 شيكلا للكيلو الواحد، في ظل أوضاع معيشية بالغة الصعوبة واستنزاف مدخرات الناس ومصادر رزقهم.
ويقول التاجر إن كميات الزيتون التي كانت متاحة لديه قبل الحرب تقلصت بشدة، مشيرا إلى أنه كان يمتلك نحو 12 دونما من أشجار الزيتون في منطقة الشوكة شرقي رفح، لكنه بات اليوم عاجزا عن الوصول إلى أرضه، ولا يعرف ما حل بها أو بأشجاره.
ويضيف أن علاقته بالزيتون تغيرت بالكامل؛ فبعدما اعتاد جني المحصول وتوزيع جزء منه على الأقارب والأصدقاء، من دون أن يكون البيع هدفه الأساسي، أصبح مثل غيره مضطرا إلى شراء الزيتون من السوق لتأمين حاجته منه.
ويصف المشهد الحالي قائلا إن الناس يأتون إلى السوق، ويسألون عن الزيتون ويتفحصونه، لكنهم يتراجعون عن الشراء عندما يسمعون السعر.
ويشير إلى أن بعض الزبائن لا يقصدون السوق لشراء الثمار بقدر ما يحاولون الاطمئنان إلى عودة الموسم بعد كل ما أصابه من دمار.
ولا تكمن المأساة في ارتفاع الأسعار وحده، بل في التحول الذي أصاب علاقة الغزيين بمحصول اعتادوا أن يكون جزءا من حياتهم اليومية ومواسمهم الاجتماعية.
فالحبة التي كانت تُقطف من الأرض وتُهدى للأحبة، باتت اليوم بعيدة عن متناول عائلات أنهكتها الحرب وفقدت أراضيها وأشجارها.
زيت البلاد وذاكرة الأرض
بالنسبة إلى كريمان شراب، لا ينفصل الزيتون عن تفاصيل الحياة التي عرفتها قبل الحرب؛ فهي تستحضر شارع الشراب في خان يونس، الذي ارتبط في ذاكرتها بأشجار الزيتون وموسمها الجميل، وتتحدث عن الأراضي التي كانت تزخر بالأشجار، وعن جلوسها بين أغصانها وقطف الثمار وتبدل ألوانها بين الأخضر والأسود.
وتتمنى شراب أن تعود تلك الأيام، وأن يتمكن الأهالي من الرجوع إلى أراضيهم، وتعود أشجار الزيتون إلى الإنتاج، ويستعيد الناس قدرتهم على تناول زيت بلادهم بدلا من الاعتماد على الزيت المستورد.
وتقول إنها لم تأكل حبة زيتون منذ نحو أربع سنوات، معربة عن حزنها إزاء حرمانها من هذا المحصول الذي اعتادت أن تجده في بيتها ومائدتها، وترى في غيابه صورة أخرى من صور الظلم الذي يعيشه الفلسطينيون في القطاع.
وبين معصرة تستعيد خطا واحدا من سبعة، ومزارعين لا يستطيعون الوصول إلى أراضيهم، وتجار يعرضون كميات شحيحة بأسعار مرتفعة، ونساء يستعدن ذكريات المواسم الماضية، تتكشف آثار حرب الإبادة الإسرائيلية الممنهجة على شجرة الزيتون بوصفها جزءا من دورة الحياة في غزة، لا مجرد محصول موسمي.
ورغم النتائج الكارثية التي خلفتها الحرب، لا يزال المزارعون يحاولون عصر ما تبقى من الثمار، فيما يتمسك الأهالي بأمل استعادة أشجارهم وأراضيهم ومواسمهم. فكل حبة زيتون تصل إلى المعصرة تحمل معها شيئا من ذاكرة الأرض، وكل قطرة زيت تُستخرج من المحصول المتبقي تذكّر الغزيين بما فقدوه وما يتطلعون إلى استعادته.
وفي غزة، حيث امتد الدمار إلى الأشجار والمعاصر والأراضي الزراعية، يبقى الأمل معلقا بعودة المزارعين إلى حقولهم، واستعادة القدرة على زراعة الأرض وجني ثمارها. عندها فقط، قد تستعيد حبة الزيتون مكانها على موائد العائلات، ويعود الزيت الفلسطيني إلى البيوت، وتستعيد المواسم شيئا من فرحها الذي غيّبته الحرب.
