Site icon Palestinealyoum

 سياسة سد الذرائع.. هل تكبح جماح غريزة العدوان الصهيونية؟

سياسة سد الذرائع

غزة – المركز الفلسطيني للإعلام

منذ عقود، تكررت في المشهد الفلسطيني والعربي مقاربة تقوم على تجنّب منح دولة الاحتلال ما يمكن وصفه بـ”الذريعة” لشن عمليات عسكرية أو توسيع نطاقها، وفي جوهر هذه السياسة، يجري التعويل على الهدوء، وضبط النفس، والالتزام بالتهدئات والاتفاقات، والابتعاد عن أي خطوة يمكن أن تستخدمها دولة الاحتلال لتبرير الاعتداءات والجرائم التي ترتكبها.

لكن سؤالاً يفرض نفسه أمام سجل طويل من الأحداث، هل كان سدّ الذرائع كافياً فعلاً لمنع الاعتداءات الإسرائيلية؟ أم أن وقائع تاريخية عديدة أظهرت أن التصعيد قد يقع دون أي مبررات سوى العدوان والطبيعة الحيوانية الغرائزية الإسرائيلية المجبولة على القتل والعدوان.

1948.. هدنة لم تمنع اقتحام القرى

تقدم أحداث حرب 1948 واحدة من أقدم الوقائع التي يمكن الاستناد إليها في هذا النقاش، فبعد إعلان الهدنة الأولى في يونيو/حزيران 1948، سُجلت خروقات واشتباكات في مناطق مختلفة.

وفي تقريره إلى الأمم المتحدة، أشار وسيط الأمم المتحدة إلى هجمات صهيونية على قرى عين غزال وجبع وإجزم خلال فترة الهدنة، وانتهى الأمر بإخلاء سكانها وتدمير عين غزال وجبع.

ولم يكتفِ التقرير بتسجيل الأحداث، بل أشار إلى أن سكان القرى كانوا قد عرضوا التفاوض عند بدء الهدنة، وأن الوسيط الأممي اعتبر ما حدث انتهاكاً لروح الهدنة ونصوصها، وطالب بالسماح للسكان بالعودة وإعادة تأهيل القرى المتضررة.

هذه الواقعة المبكرة تقدم مثالاً واضحاً على أن وجود هدنة واستعداد للتفاوض لم يكن كافياً وحده لمنع العمليات العسكرية الصهيونية وما وقع فيها من جرائم ومجازر مروعة.

لبنان 1982.. التهدئة لم تمنع الاجتياح

بعد النكبة بأكثر من ثلاثة عقود، جاءت تجربة لبنان لتقدم مثالاً أكثر وضوحا، فوفق سجلات الأمم المتحدة، كان وقف إطلاق النار بين دولة الاحتلال ولبنان قد دخل حيز التنفيذ في يوليو/تموز 1981، وظل خلال النصف الأول من 1982 قائماً إلى حد كبير، رغم تسجيل خروقات محدودة وتوتر مستمر.

وفي يونيو/حزيران 1982، تغير المشهد بصورة جذرية، إذ شنت دولة الاحتلال غارات على أهداف في منطقة بيروت وتحركت قواتها داخل الأراضي اللبنانية على نطاق واسع.

وفي التقارير الأممية آنذاك، أُشير إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية أعادت تأكيد التزامها بوقف العمليات العسكرية عبر الحدود اللبنانية، بينما استمرت دولة الاحتلال في عملياتها العسكرية التي انتهت إلى حصار بيروت وارتكاب جرائم ومجازر مروعة.

ثم جرى التوصل إلى وقف إطلاق نار في أغسطس/آب، أعقبه إجلاء العناصر المسلحة التابعة لمنظمة التحرير من بيروت في إطار ترتيبات دولية، وهنا تبرز مفارقة لافتة أنه حتى عندما وُجدت ترتيبات لوقف إطلاق النار وخرجت قوة فلسطينية مسلحة من بيروت ضمن اتفاق دولي، لم يكن ذلك وحده كافياً لإنهاء الإجرام العسكري الصهيوني في لبنان.

غزة 2008.. أشهر من الهدوء ثم الانفجار

في يونيو/حزيران 2008، توصلت دولة الاحتلال والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة إلى تهدئة بوساطة مصرية، وبحسب التوثيق الأممي، نص الاتفاق على وقف إطلاق الصواريخ من غزة مقابل تخفيف الحصار ووقف عمليات الاغتيال المستهدف داخل القطاع.

وتشير سجلات الأمم المتحدة إلى أن التهدئة استمرت نحو خمسة أشهر، قبل أن تتدهور الأوضاع مجدداً في نوفمبر/تشرين الثاني بعد عودة الاحتلال لسياسة الاجتياحات البرية والاغتيالات.

ليتوج ذلك بحرب واسعة غادرة في 27 ديسمبر/كانون الأول 2008 استمرت 23 يوماً، وهذه الحالة أكثر أهمية في النقاش حول “سد الذرائع”، لأن التهدئة نفسها كانت قائمة على معادلة واضحة، وقف إطلاق النار مقابل إجراءات صهيونية لتخفيف الحصار ووقف الاغتيالات.

2014.. وقف إطلاق النار لم يكن نهاية مضمونة

في حرب غزة عام 2014، تكررت صورة مشابهة، فقد شهدت الحرب سلسلة من فترات وقف إطلاق النار والهدن الإنسانية.

 وفي إحدى أكثر الحالات وضوحاً، وثقت الأمم المتحدة وقفاً لإطلاق النار 12 ساعة في 26 يوليو/تموز، أتاح انتشال جثامين وإيصال مساعدات إلى مناطق كانت محاصرة بالقتال.

لكن العمليات العسكرية استؤنفت بعد انتهاء الهدنة، واستمر القصف والعمليات البرية إلى أن تم التوصل إلى وقف إطلاق نار مستدام في 26 أغسطس/آب.

وفي تقرير لجنة التحقيق التابعة لمجلس حقوق الإنسان، قدرت الأمم المتحدة عدد الفلسطينيين الذين قتلوا خلال الحرب بـ2,251 شخصاً، بينهم 1,462 مدنياً، إضافة إلى أكثر من 11 ألف جريح.

الضفة الغربية.. المثال الأوضح

في الضفة الغربية ظهرت المسألة بصورة مختلفة، فقد تبنت السلطة الفلسطينية، نهجاً يقوم على التنسيق الأمني ومنع الهجمات المسلحة انطلاقاً من المناطق الخاضعة لسيطرتها، على أمل أن يسهم ذلك في تقليص المبررات الصهيونية لارتكاب الجرائم بحق الأرض والإنسان.

لكن تجربة عام 2002 أظهرت حدود هذه المقاربة، فبحسب تقرير للأمين العام للأمم المتحدة، بدأت إسرائيل في 29 مارس/آذار 2002 عملية عسكرية واسعة في الضفة الغربية، شملت رام الله ثم طولكرم وقلقيلية وبيت لحم وجنين ونابلس، وسيطرت قوات الاحتلال بحلول 3 أبريل/نيسان على ست من أكبر مدن الضفة ومخيماتها ومناطقها المحيطة.

الواقعة تظل ذات دلالة بالنسبة إلى سؤال “سد الذرائع”، فوجود سلطة فلسطينية وأجهزة أمنية ومسار سياسي لم يمنع الاحتلال من تنفيذ اجتياح واسع للمدن الفلسطينية عندما قرر ذلك.

ورغم تمسك السلطة الفلسطينية بهذا النهج حتى يومنا هذا، إلا أن واقع الضفة يحكي الكثير عن نتائج هذه السياسة، فالإبادة الحاصلة في مخيمات الضفة وتهجير سكانها، والاعتقالات والاغتيالات والاقتحامات وهدم البيوت ومصادرة الأراضي وضمها لا يتوقف، وفوق كل ذلك تضييق اقتصادي خانق يجعل الحياة في الضفة جحيما لا يطاق.

غزة.. أوضح وأحدث الأدلة

في إطار اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، تضمنت المرحلة الأولى بنوداً واضحة، من بينها وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، وتسليم الأسرى الإسرائيليين الأحياء وجثامين الموتى، مقابل إفراج دولة الاحتلال عن أسرى فلسطينيين وتسليم جثامين فلسطينيين، إلى جانب انسحاب قوات جيش الاحتلال إلى الخط الأصفر.

وبمرور الوقت، اكتمل ملف الأسرى الصهاينة في يناير/كانون الثاني 2026 بالإفراج عنهم جميعا

أحياءً وأمواتاً، في وقت واصلت فيه قوات الاحتلال انتهاكاتها وجرائمها في قطاع غزة بأشكال مختلفة، ما جعل القطاع يعيش الحرب بكل تفاصيلها، في ظل هدنة يمكن القول إنها “إعلامية” فقط.

فحتى اليوم لا تزال توثق غارات صهيونية على قطاع غزة رغم استمرار إطار وقف إطلاق النار، وموافقة الفصائل الفلسطينية على ورقة ميلادينوف التي تهيئ الظروف للشروع في المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار.

وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التوقف، إذا كان أحد أبرز المبررات الصهيونية للحرب هو استعادة الأسرى وإعادتهم، فإن اكتمال هذا الملف كان يفترض، وفق منطق “سد الذرائع” الذي طولبت به فصائل المقاومة كثيرا، أن يفتح الطريق أمام وقف الحرب والعدوان الصهيوني وتنفيذ بقية الالتزامات المتفق عليها، لكن ذلك لم يحدث.

ولهذا فإن تجربة 2025–2026 تقدم اختباراً حديثاً لفكرة “سد الذرائع” حتى بعد إزالة واحد من أبرز الملفات التي استُخدمت لتبرير استمرار الحرب.

“سد الذرائع” لا تكبح غريزة العدوان

تكشف هذه الحالات السابقة عن نقطة مشتركة هي أن دولة الاحتلال لم تكن تحتاج في أي مرة إلى أي “ذريعة” حتى تستخدم القوة، والتاريخ يظهر أن الحسابات العسكرية والسياسية والأطماع والغريزة العدوانية الصهيونية تتجاوز مسألة “الذريعة” ومحاولات سدها تجنبا لوقوع الاعتداء.

 ولهذا فإن الاعتماد على سياسة “سد الذرائع” يواجه مشكلة أساسية، وهو أن الاحتلال هو الوحيد الذي يحدد متى يرغب في العدوان وأين وبأي طريقة، ودون النظر إلى محاولات أي طرف مقابل لإزالة الذرائع المحتملة  

فمن عين غزال وجبع في 1948، إلى لبنان عام 1982، ومن تهدئة غزة عام 2008 إلى حروب غزة المتعاقبة، وصولاً إلى اجتياحات الضفة الغربية، وحرب الإبادة المتواصلة على غزة رغم اتفاق وقف إطلاق النار، تظهر الحقيقة جلية، دولة الاحتلال لا تبحث عن ذرائع من أجل شن عدوانها في كل مكان منذ قيامها حتى الآن.

Exit mobile version