Site icon Palestinealyoum

شباب غزة يواجهون النزوح بالمبادرات التطوعية.. جهود تتجاوز الإغاثة إلى تعزيز الصمود

شباب غزة يواجهون النزوح بالمبادرات التطوعية.. جهود تتجاوز الإغاثة إلى تعزيز الصمود

المركز الفلسطيني للإعلام

لم توقف الحرب والنزوح القسري مبادرات الشباب الفلسطيني في قطاع غزة، بل دفعتهم إلى ابتكار أساليب جديدة للعمل المجتمعي، وملاحقة احتياجات النازحين في مراكز الإيواء والخيام، في محاولة للتخفيف من معاناتهم وتعزيز صمودهم، وسط تراجع الإمكانات واتساع الاحتياجات الإنسانية.

وفي مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، لم يعد العمل التطوعي محصورًا في المكاتب أو قاعات التدريب كما كان قبل الحرب، إذ اضطرت المجالس الشبابية إلى نقل أنشطتها إلى أماكن تجمع النازحين، للحفاظ على التواصل مع الشباب وتقديم المساعدة للفئات الأكثر تضررًا، رغم ظروف النزوح وعدم الاستقرار.

وتقول إيمان محمد سلمان، أمينة سر مجلس شباب دير البلح، إن الحرب أحدثت تحولًا جذريًا في أولويات العمل الشبابي؛ فبعدما كانت البرامج تركز على تنمية المهارات والأنشطة الترفيهية، باتت الجهود تنصب على توفير متطلبات السلامة والاحتياجات المعيشية الأساسية، إلى جانب تقديم الدعم النفسي والاجتماعي العاجل.

وتوضح سلمان أن البقاء والصمود أصبحا أولوية تتقدم على برامج التنمية بعيدة المدى، في ظل تسارع الاحتياجات الإنسانية بما يفوق قدرة المؤسسات التقليدية على الاستجابة، الأمر الذي وضع المبادرات الشبابية في صدارة الجهود المجتمعية الرامية إلى مساندة السكان.

طاقات شبابية تسدّ فجوات الاستجابة

وتعتمد المجالس الشبابية في غزة، وفق بيانات جمعية الإنقاذ الشبابي، على متطوعين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا، وجدوا أنفسهم في قلب الأزمة، فعملوا على سدّ جوانب من النقص في الاستجابة المجتمعية من خلال تنفيذ مبادرات إغاثية وأنشطة تلامس الاحتياجات اليومية للسكان.

وتتميز هذه المبادرات، بحسب التقرير، بإشراك الشباب في تحديد الأولويات واتخاذ القرارات بصورة جماعية، انطلاقًا من معايشتهم الظروف ذاتها التي يواجهها المستفيدون. ويساعد هذا القرب من الواقع على تحديد الاحتياجات بصورة أكثر دقة، والاستجابة لها بمرونة في ظل الظروف الطارئة.

وفيما يتعلق بالتنسيق مع الجهات الرسمية، يجري مجلس شباب دير البلح اتصالاته مع البلدية والمؤسسات المحلية لتسهيل الجوانب اللوجستية والحصول على التصاريح اللازمة، فيما تبقى الأفكار والمشروعات منبثقة عن رؤية الشباب أنفسهم، بما يمنحها قدرة أكبر على التكيف مع المتغيرات الميدانية المتلاحقة.

ومع تكرار موجات النزوح، اكتسب الوصول إلى الشباب معنى مختلفًا؛ إذ لم يعد مرتبطًا بمقار ثابتة أو أنشطة معدّة مسبقًا، بل بات المجلس يتحرك إلى أماكن وجود النازحين، محاولًا توفير مساحات آمنة تتيح استمرار الدعم النفسي والاجتماعي للفئات الأكثر تضررًا.

من المساعدات العينية إلى الثقة المجتمعية

وتروي سلمان تجربة توزيع وجبات غذائية وطرود ملابس على العائلات النازحة، مشيرة إلى أن أثر هذه المبادرات لم يقتصر على توفير الاحتياجات المادية، بل امتد إلى رفع معنويات المتطوعين، الذين وجدوا في دعوات الأمهات وامتنان الأهالي دافعًا لمواصلة العمل رغم قسوة الظروف.

وتصف سلمان هذا الأثر بأنه لحظة قوة تعزز شعور المتطوعين بقدرتهم على إحداث فرق، حتى في ظل محدودية الإمكانات واتساع حجم المعاناة.

ومع مرور الوقت، تطورت علاقة المجلس بالشباب من تقديم المساعدات العينية إلى بناء الثقة المتبادلة، إذ باتوا يلجؤون إليه لعرض مشكلاتهم الشخصية والتعبير عن همومهم اليومية، ما أوجد روابط اجتماعية تتجاوز حدود النشاط التطوعي، وتجمع بين تقاسم المعاناة والبحث عن الأمل.

غير أن هذه الجهود، على أهميتها، لا تستطيع وحدها الاستجابة للاحتياجات المعقدة والممتدة التي يواجهها الشباب، وفي مقدمتها الحصول على فرص عمل مستقرة وإطلاق مشروعات مدرّة للدخل، في ظل تفاقم البطالة والفقر واتساع الفجوة بين حجم الاحتياجات والموارد المتاحة.

تحديات اقتصادية وطموحات تتجاوز الإغاثة

وتلفت سلمان إلى أن المبادرات الشبابية تتمتع بمرونة وسرعة في التحرك مقارنة بالمؤسسات التقليدية، التي قد تحدّ الإجراءات والشروط الإدارية من قدرتها على الاستجابة الفورية. ففي الوقت الذي يحتاج فيه العمل المؤسسي إلى ترتيبات وإجراءات، يستطيع المتطوعون التحرك سريعًا لتلبية نداء استغاثة من عائلة أو تنظيم نشاط طارئ.

وتجعل هذه المرونة المبادرات الشبابية ركيزة مهمة في الاستجابة المجتمعية الأولية، لكنها لا تعني قدرتها على معالجة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية العميقة للحرب، والتي تتطلب موارد أكبر وتدخلات مستدامة تتجاوز حدود العمل التطوعي المحلي.

وفي حال توافر إمكانات إضافية، يضع القائمون على المبادرات الدعم النفسي والتمكين الاقتصادي في مقدمة أولوياتهم المستقبلية، من خلال إنشاء مساحات تساعد الشباب على التعافي النفسي، وإطلاق مشروعات صغيرة توفر لهم مصادر دخل وفرصًا للاستقلال المالي، وتخفف اعتمادهم المستمر على المساعدات الإغاثية.

وتعكس تجربة مجلس شباب دير البلح واقع المجالس الشبابية في مختلف أنحاء قطاع غزة، حيث تتواصل محاولات المبادرة والعمل المجتمعي رغم القيود التي تفرضها الحرب والنزوح وانهيار الموارد.

وبينما تكشف هذه التجربة حجم الفجوات التي خلّفتها الحرب في منظومة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية، فإنها تبرز أيضًا قدرة الشباب الفلسطيني على إعادة تشكيل دورهم المجتمعي، والانتقال من تلقي آثار الأزمة إلى المشاركة الفاعلة في مواجهة تداعياتها.

ومع ذلك، فإن استمرار هذه المبادرات وتوسيع أثرها يظلان مرهونين بتوفير الدعم والموارد اللازمة، وفتح المجال أمام مشروعات مستدامة تعزز التعافي النفسي والاقتصادي، وتمنح شباب غزة فرصة للانتقال من معركة البقاء اليومية إلى بناء مستقبل أكثر استقرارًا.

Exit mobile version