Site icon Palestinealyoum

شتاء غزة يبدأ بكارثة.. 70 ألف خيمة تغرق ومئات آلاف النازحين في مواجهة البرد والعراء

شتاء غزة يبدأ بكارثة.. 70 ألف خيمة تغرق ومئات آلاف النازحين في مواجهة البرد والعراء

المركز الفلسطيني للإعلام

لم يكن المنخفض الجوي الأول الذي ضرب قطاع غزة مع بداية الموسم الشتوي مجرد موجة أمطار عابرة، بل تحول خلال ساعات قليلة إلى كارثة إنسانية جديدة، بعدما أغرقت المياه عشرات آلاف خيام النازحين، وأتلفت ما تبقى لديهم من فراش وأغطية ومستلزمات معيشية، لتجد مئات آلاف الأسر نفسها أمام اختبار قاسٍ في ظل انعدام المأوى الملائم ونقص الإمكانات اللازمة لمواجهة الشتاء.

وأعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، السبت، غرق نحو 70 ألف خيمة تؤوي النازحين خلال 12 ساعة فقط من بدء تأثير المنخفض الجوي، مقدرًا الخسائر الأولية المباشرة بنحو ثلاثة ملايين دولار.

وأوضح المكتب أن الأمطار والرياح تسببتا كذلك بانهيار عشرات الجدران في مختلف محافظات القطاع، ما أدى إلى وقوع إصابات متفاوتة، بينها حالات خطيرة، محذرًا من مخاطر انهيار المباني المتصدعة والآيلة للسقوط، التي تضررت بفعل القصف الإسرائيلي خلال الحرب.

وتعكس هذه الأرقام حجم الهشاشة التي يعيشها النازحون، الذين اضطروا إلى الإقامة في خيام مهترئة ومراكز إيواء مؤقتة، بعدما دمرت الحرب منازلهم وأجزاء واسعة من البنية التحتية، في وقت لم تتوافر فيه بدائل سكنية قادرة على حمايتهم من تقلبات الطقس.

آلاف الاستغاثات.. والدفاع المدني عاجز عن الاستجابة

وكشفت تداعيات المنخفض عن اتساع الفجوة بين حجم الاحتياجات الإنسانية والإمكانات المتاحة للاستجابة، إذ أعلن الدفاع المدني في غزة تلقيه 2166 نداء استغاثة منذ بدء المنخفض مساء الجمعة، لم تتمكن طواقمه من تلبية سوى 218 منها.

وقال المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل، خلال مؤتمر صحفي، إن عشرات مخيمات النازحين ومراكز الإيواء ومناطق سكنية بأكملها تعرضت للغرق، مشيرًا إلى أن الطواقم اضطرت في كثير من الحالات إلى تقديم إرشادات للأسر المتضررة بدل الوصول إليها، بسبب العدد الكبير من البلاغات ونقص المعدات.

وأشار جهاز الدفاع المدني عن تلقي نحو 1500 نداء استغاثة خلال الساعات العشر الأولى من العاصفة، في مؤشر على سرعة اتساع نطاق الأضرار وتزايد أعداد العائلات التي حاصرتها المياه.

ولم تقتصر الأضرار على الخيام، إذ تسببت الأمطار والرياح في انهيارات جزئية لمبانٍ ومنازل سبق أن تضررت خلال الحرب. وأفادت الأناضول بوقوع انهيارات في مبانٍ بمناطق مختلفة، وإصابة خمسة فلسطينيين جراء انهيار جدران وسقوط أجزاء معدنية، فيما حذر الدفاع المدني من أن أكثر من ألفي مبنى معرضة لخطر الانهيار فوق رؤوس ساكنيها.

وتكمن خطورة هذه التطورات في أن آلاف العائلات لا تجد خيارًا آمنًا للانتقال إليه، حتى عندما تصبح الخيام أو المنازل التي تقيم فيها مهددة بالغرق أو الانهيار.

أطفال ومرضى في العراء.. والمياه تبتلع ما تبقى من الحياة

وفي المشاهد التي نقلها المراسلون والصحفيون من مخيمات النزوح في مدينة غزة ودير البلح وخان يونس، ظهرت عائلات تحاول إخراج المياه من خيامها بوسائل بدائية، بينما غمرت البرك الطينية الفراش والبطانيات والملابس، واضطر أطفال إلى الوقوف حفاة وسط المياه والأوحال.

وقال مراسلنا إن العائلات واجهت تسرب المياه إلى خيامها المصنوعة من الشوادر والأقمشة، وهي مواد لا توفر الحماية الكافية أمام الأمطار الغزيرة والرياح.

وفي خان يونس، نقلت العدسات مشاهد من منطقة المواصي، حيث تنتشر تجمعات واسعة للنازحين، مشيرًا إلى أن العائلات المقيمة بمحاذاة الساحل تواجه مخاطر إضافية جراء الأمواج وارتفاع منسوب المياه، فضلًا عن تجمع مياه الأمطار داخل المخيمات.

وتتضاعف معاناة الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الأطفال الرضع والخدج وكبار السن والمرضى وذوو الإعاقة، الذين يحتاجون إلى بيئة آمنة ووسائل تدفئة ورعاية صحية لا تتوافر في معظم أماكن النزوح.

وحذر المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل من المخاطر التي تهدد هذه الفئات، في ظل استمرار إقامتها داخل خيام لا تقي من البرد والرطوبة، فيما تتزايد احتمالات الإصابة بالأمراض مع تلوث البيئة المحيطة.

كما أن اختلاط مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي في بعض مناطق النزوح يفتح الباب أمام مخاطر صحية وبيئية إضافية، خصوصًا مع تضرر شبكات الصرف الصحي وتراجع قدرة البلديات على تصريف المياه ومعالجتها.

200 ألف خيمة مطلوبة.. والإغاثة تصطدم بنقص الإمدادات

وفي ظل اتساع حجم الأضرار، تبدو الاحتياجات المطلوبة لمواجهة الشتاء أكبر بكثير من المساعدات المتاحة.

وقال مسؤولون في قطاع الطوارئ إن غزة تحتاج بصورة عاجلة إلى نحو 200 ألف خيمة، إلى جانب الكرفانات ومواد التدفئة ومستلزمات الحماية من الأمطار، لتوفير الحد الأدنى من المأوى لمئات آلاف النازحين.

وقال مدير الدفاع المدني في محافظة غزة رائد الدهشان إن الجهاز لا يمتلك خيمة واحدة أو شادرًا لتوفير الإيواء للمتضررين، موضحًا أن مهام الطواقم تتركز على إنقاذ الأرواح وإجلاء السكان من المواقع الخطرة، في ظل غياب الإمكانات اللازمة للتعامل مع الكارثة.

وفي السياق، قال مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية محمد صالحة، إن عدد الشاحنات التي تدخل القطاع يوميًا يتراوح بين 180 و200 شاحنة، وهو أقل بكثير من 600 شاحنة نص عليها البروتوكول الإنساني المرتبط باتفاق وقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أن نحو 40 شاحنة فقط من إجمالي الشاحنات تحمل مساعدات إنسانية.

وأضاف أن نحو 50 ألف خيمة لا تزال موجودة على الجانب المصري من الحدود، ولم تدخل إلى القطاع، داعيًا إلى التحرك قبل وقوع الكوارث بدل انتظار غرق الخيام وتضرر العائلات.

وتشير هذه المعطيات إلى أن أزمة الإيواء لا ترتبط فقط بتداعيات الطقس، وإنما أيضًا بصعوبة توفير المواد والمستلزمات الضرورية لمواجهة فصل الشتاء، في وقت لا تزال فيه أعداد كبيرة من السكان تعيش داخل خيام متهالكة أو مبانٍ متضررة.

تحرك إغاثي محدود أمام حجم الكارثة

وفي مقابل اتساع الأضرار، بدأت بعض الجهات تنفيذ تدخلات ميدانية للتخفيف من تداعيات المنخفض.

وأعلنت اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة تحريك معدات هندسية وجرافات إلى عدد من مخيمات النزوح، ضمن تدخلات عاجلة شملت أكثر من 15 مخيمًا ومناطق وشوارع رئيسية، بهدف إقامة سواتر ترابية وفتح مسارات لتصريف مياه الأمطار ومنع تدفقها نحو الخيام.

وأكدت اللجنة استمرار تدخلاتها خلال الأيام التالية، بالتنسيق مع الجهات المعنية، للحد من المخاطر التي تهدد العائلات النازحة مع استمرار الأحوال الجوية الماطرة.

غير أن هذه التدخلات، على أهميتها، تبقى محدودة أمام حجم الاحتياجات واتساع رقعة المخيمات المتضررة، خصوصًا أن تصريف المياه لا يعوض الخيام التي تلفت، ولا يوفر بدائل للعائلات التي فقدت فراشها وأغطيتها وممتلكاتها.

كما أن استمرار نقص الوقود والآليات ومعدات شفط المياه يضع البلديات والدفاع المدني أمام تحديات إضافية، ويحد من قدرتهما على التعامل مع تجمعات المياه في المخيمات والشوارع والمناطق السكنية.

شتاء طويل في ظل غياب المأوى وإعادة الإعمار

وتعيد هذه الكارثة إلى الواجهة المخاوف من تكرار المآسي الإنسانية التي شهدتها غزة خلال مواسم الشتاء السابقة، حين تحولت الخيام إلى مساحات غارقة بالمياه والطين، واضطرت عائلات إلى قضاء ليالٍ باردة دون أغطية أو أماكن آمنة للنوم.

وتأتي الأزمة الحالية في ظل استمرار آثار الحرب الإسرائيلية التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما خلفته من دمار واسع في المنازل والمنشآت والبنية التحتية، إلى جانب نزوح غالبية سكان القطاع وفقدان أعداد كبيرة منهم مساكنهم ومصادر عيشهم.

ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، لا تزال احتياجات الإيواء وإعادة الإعمار تفوق بكثير ما يصل إلى القطاع من مساعدات، وفق ما أوردته تقارير الجزيرة ورويترز والأناضول.

وتحذر هذه التطورات من أن المنخفض الأول قد لا يكون سوى بداية لموسم شتوي بالغ القسوة، إذا لم تتوافر استجابة عاجلة تتجاوز التدخلات المؤقتة، وتشمل إدخال الخيام والكرفانات ومواد البناء والتدفئة ومعدات تصريف المياه والإنقاذ.

فبالنسبة إلى النازحين، لا تمثل الأمطار مجرد تغير في الطقس، بل تهديدًا مباشرًا لما تبقى لديهم من مقومات الحياة؛ إذ لا يملكون منازل يعودون إليها، ولا خيامًا قادرة على حمايتهم، ولا إمكانات تتيح لهم مواجهة ليالي الشتاء الباردة.

وهكذا، يجد مئات آلاف الفلسطينيين أنفسهم أمام معركة جديدة مع الشتاء، عنوانها البحث عن مأوى جاف، وغطاء يحمي الأطفال، ومكان لا تغمره المياه، في وقت لا تزال فيه أبسط مقومات الحياة بعيدة المنال.

Exit mobile version