
المركز الفلسطيني للإعلام
مرّ عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ، لكن الاتفاق الذي عُلّقت عليه آمال بإنهاء الحرب ووقف نزيف الدم وفتح الطريق أمام الإغاثة وإعادة الإعمار، لم ينهِ معاناة الفلسطينيين، في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية، وتقييد دخول المساعدات والوقود والمستلزمات الطبية، وتعطيل جهود انتشال المفقودين وإعادة تأهيل البنية التحتية المدمرة.
وبعد عام من سريان الاتفاق، لا يزال نحو 1.5 مليون فلسطيني يواجهون ظروف نزوح قاسية، في وقت تتآكل فيه الخيام ومراكز الإيواء، وتتفاقم أزمة الغذاء والدواء، وسط قيود تحول دون توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الآمنة لسكان القطاع.
ودخل الاتفاق حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، عقب مفاوضات غير مباشرة استمرت أسابيع، بوساطة قطر ومصر وتركيا، وبدعم أمريكي، وتضمن وقف العمليات العسكرية، وانسحاب قوات الاحتلال إلى خطوط متفق عليها، وفتح المعابر، وتبادل الأسرى والجثامين، والسماح بإدخال المساعدات والآليات الثقيلة، تمهيدًا لبدء جهود التعافي وإعادة الإعمار.
غير أن الوقائع الميدانية، وفق بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، تكشف فجوة واسعة بين الالتزامات المعلنة وما تحقق فعليًا، مع استمرار الهجمات وتوسيع السيطرة العسكرية، وعدم الوفاء بالاحتياجات الإنسانية الأساسية للقطاع.
أكثر من 5300 خرق ومئات الشهداء
في ملف وقف العمليات العسكرية، سجل المكتب الإعلامي الحكومي أكثر من 5304 خروقات إسرائيلية للاتفاق خلال عامه الأول، بمعدل يقارب 15 خرقًا يوميًا، شملت القصف المدفعي والاستهداف المباشر بالطائرات المسيّرة وعمليات نسف المباني والمربعات السكنية.
وأسفرت هذه الخروقات، بحسب البيانات ذاتها، عن استشهاد 1471 فلسطينيًا وإصابة 5189 آخرين، إلى جانب اعتقال أكثر من 200 مواطن قرب ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، فيما توسعت السيطرة العسكرية الإسرائيلية لتشمل نحو 65% من مساحة القطاع، خلافًا لما نصت عليه ترتيبات الاتفاق.
وتعكس هذه الأرقام استمرار تعرض الفلسطينيين لمخاطر القتل والإصابة والاعتقال، رغم دخول الاتفاق حيز التنفيذ، في وقت لا تزال فيه مناطق واسعة محاصرة أو خاضعة لقيود عسكرية تحد من حركة السكان وقدرتهم على الوصول إلى أراضيهم وممتلكاتهم.
المساعدات دون المستوى المتفق عليه
وفي الجانب الإنساني، نص الاتفاق على السماح بدخول ما لا يقل عن 600 شاحنة يوميًا، تشمل المساعدات الإغاثية والطبية والسلع التجارية والوقود والغاز، بما يتيح تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان وتهيئة الظروف اللازمة للتعافي.
لكن بيانات المكتب الإعلامي الحكومي تشير إلى دخول 74 ألفًا و506 شاحنات فقط خلال عام، بمتوسط 223 شاحنة يوميًا، وبنسبة تنفيذ بلغت نحو 34.4% من العدد المتفق عليه.
وترافقت هذه الفجوة مع استمرار إغلاق المعابر أو تقييد عملها، وعرقلة دخول الشاحنات التجارية والإغاثية، وحظر أكثر من 400 صنف من المواد الأساسية والسلع الصحية ومستلزمات الطاقة والمولدات، وفق البيانات ذاتها.
وأبقى ذلك الأسواق والقطاعات الخدمية أمام نقص حاد في المواد اللازمة لتلبية احتياجات السكان، كما حدّ من قدرة المؤسسات الإنسانية على توسيع استجابتها، في ظل اتساع الاحتياجات الناجمة عن الدمار والنزوح وفقدان مصادر الدخل.
ولا تقتصر تداعيات نقص الإمدادات على الغذاء، بل تمتد إلى المستشفيات والمرافق الصحية وشبكات المياه والصرف الصحي، التي تحتاج إلى الوقود وقطع الغيار والمعدات اللازمة لاستعادة الحد الأدنى من قدرتها التشغيلية.
المرضى عالقون والمعابر لا تلبي الاحتياجات
وفي ملف حركة الأفراد، نص الاتفاق على فتح المعابر الحدودية، بما فيها معبر رفح، لتسهيل تنقل الفلسطينيين، ولا سيما الجرحى والمرضى والطلاب وحملة الإقامات، مع ضمان حقهم في العودة إلى القطاع.
لكن المكتب الإعلامي الحكومي أفاد بأن عدد من تمكنوا من السفر والعودة بلغ 13 ألفًا و785 شخصًا فقط، بنسبة تنفيذ وصلت إلى نحو 39%، مع استمرار حرمان آلاف المرضى والجرحى من السفر لتلقي العلاج خارج غزة.
ويفاقم تعثر السفر الطبي معاناة المصابين والمرضى الذين يحتاجون إلى تدخلات تخصصية غير متاحة داخل القطاع، خصوصًا في ظل الأضرار التي لحقت بالمستشفيات ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، ما يجعل فتح المعابر ضرورة إنسانية ملحّة لا تحتمل التأجيل.
كما يحرم استمرار القيود المفروضة على حركة الأفراد عائلات من فرص لمّ الشمل، ويعرقل سفر الطلبة ومتابعة الحالات الإنسانية التي تتطلب العلاج أو الإقامة خارج القطاع.
الأنقاض تحاصر المفقودين
وفيما كان الاتفاق يتيح إدخال الآليات الثقيلة والمعدات المتخصصة للدفاع المدني والبلديات، بهدف رفع الأنقاض وانتشال الجثامين وإعادة فتح الطرق وتأهيل شبكات المياه والكهرباء، فإن منع إدخال هذه المعدات وقطع غيارها أبقى عمليات الإنقاذ والإزالة أمام عوائق كبيرة.
ووفق المكتب الإعلامي الحكومي، لا يزال أكثر من 8500 مفقود تحت أنقاض المنازل والمنشآت المدمرة، وسط عجز الطواقم عن الوصول إليهم وانتشالهم بسبب نقص الإمكانات والمعدات اللازمة.
ولا تمثل هذه الأزمة مجرد تأخير في إزالة الركام، بل تعني استمرار معاناة آلاف العائلات التي تنتظر معرفة مصير أبنائها، كما تؤخر فتح الطرق وإزالة المباني الآيلة للسقوط وإعادة تشغيل المرافق العامة، وتعرقل أي خطوات جدية نحو إعادة الإعمار.
ويزيد استمرار الدمار من المخاطر التي تهدد السكان العائدين إلى أحيائهم أو المقيمين بالقرب من المباني المتضررة، في ظل محدودية إمكانات الفحص والتدعيم والإزالة الآمنة.
خيام مهترئة وشتاء يضاعف المعاناة
على الصعيد الإنساني، يواجه نحو 2.4 مليون فلسطيني في قطاع غزة تداعيات الدمار الواسع وتراجع الخدمات الأساسية، بينهم نحو 1.5 مليون نازح يعيشون في مراكز الإيواء والخيام، في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية والاستقرار.
وتشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي إلى أن نحو 162 ألف خيمة أصبحت مهترئة وغير صالحة للاستخدام، بعد تجاوز نسبة تهالكها 60%، مع اقتراب فصل الشتاء وما يحمله من مخاطر الأمطار والبرد والرياح على العائلات التي فقدت منازلها.
وتتضاعف المخاوف على الأطفال وكبار السن والمرضى، خصوصًا في ظل نقص الأغطية والملابس ومواد الإيواء، وعدم قدرة كثير من الأسر على توفير بدائل مناسبة للخيام المتضررة.
وفي ظل هذه الظروف، أفاد المكتب الإعلامي الحكومي بأن نحو 95% من سكان القطاع يعتمدون كليًا على التكايا والمساعدات الإغاثية الشحيحة، فيما تبحث أكثر من 200 ألف أسرة يوميًا عن وجبة غذائية واحدة تسد احتياجات أبنائها، وفق ما أورده التقرير نقلًا عن المنظمات الدولية.
ويكشف هذا الواقع عن اتساع الفجوة بين الاحتياجات اليومية للسكان وحجم المساعدات المتاحة، في وقت لا تزال فيه فرص العمل والإنتاج محدودة بفعل تدمير المنشآت والمرافق الاقتصادية، وتعطل سلاسل الإمداد، والقيود المفروضة على إدخال المواد الخام والمعدات.
اتفاق لم يفتح طريق التعافي
وبعد مرور عام على وقف إطلاق النار، لا تزال الملفات الأساسية المرتبطة بإنهاء معاناة الفلسطينيين عالقة، من وقف الهجمات والانسحاب العسكري إلى فتح المعابر وتوفير المساعدات وإدخال المعدات اللازمة للإنقاذ وإعادة الإعمار.
وتُظهر البيانات المعلنة أن استمرار الخروقات والقيود المفروضة على الإغاثة وحركة الأفراد والمعدات أبقى قطاع غزة أمام أزمة مركبة، تتداخل فيها الخسائر البشرية مع النزوح والجوع وتدهور الخدمات وانهيار البنية التحتية.
وبينما ينتظر الفلسطينيون ترجمة الاتفاق إلى إجراءات ملموسة تعيد إليهم الأمان وحقهم في السكن والعلاج والحياة الكريمة، يمر عامه الأول دون أن يتمكن مئات الآلاف من استعادة حياتهم الطبيعية أو العودة إلى منازلهم، فيما يظل النازحون في مواجهة ظروف قاسية، ويواصل آلاف ذوو المفقودين انتظار إجابات عن مصير أبنائهم.
وتبقى الاستجابة لهذه الكارثة مرهونة بوقف الهجمات، وتنفيذ الالتزامات المتعلقة بفتح المعابر وإدخال المساعدات والمعدات، ورفع القيود عن جهود الإنقاذ والإعمار، بما يضمن حماية المدنيين ووصول الاحتياجات الأساسية إلى جميع مناطق القطاع.
