Site icon Palestinealyoum

عمارة السعادة.. حين يتحول المبنى المتضرر إلى موت مؤجل في غزة

عمارة السعادة.. حين يتحول المبنى المتضرر إلى موت مؤجل في غزة

المركز الفلسطيني للإعلام

لم يكن انهيار عمارة “السعادة” في منطقة الصناعة غربي مدينة غزة، فجر الأربعاء، مجرد حادث انهيار مبنى سكني، بل صورة مكثفة لخطر يطارد آلاف الفلسطينيين الذين اضطروا إلى الاحتماء في مبانٍ تضررت خلال الحرب، بعدما حُرموا من بدائل سكنية آمنة، وبقيت الأبنية المتصدعة قائمة دون ترميم أو تدعيم.

وفي أحدث حصيلة، أعلن الدفاع المدني استشهاد 12 مواطنا، بينهم أطفال، وإصابة 13 آخرين، فيما ظل نحو 100 شخص في عداد المفقودين تحت الأنقاض، وسط عمليات بحث وإنقاذ متواصلة في ظروف بالغة الصعوبة.

وكانت حصيلة سابقة قد تحدثت عن أعداد أقل من الشهداء والمفقودين، قبل أن ترتفع مع استمرار عمليات الانتشال.

العمارة المنهارة كانت مؤلفة من ستة طوابق، وتعرضت لأضرار جراء قصف سابق، قبل أن تنهار فوق سكانها من النازحين، فيما طالت أجزاء من الانهيار خياماً مجاورة تؤوي نازحين أيضاً.

وتمكنت طواقم الدفاع المدني، بالتعاون مع طواقم بلدية غزة، من انتشال عدد من الأشخاص، بينما واصلت البحث عن العالقين والمفقودين تحت الركام.

مبنى نجا من القصف.. ولم ينجُ من تبعاته

تقدم عمارة “السعادة” نموذجاً لما يمكن وصفه بـ”الخطر المؤجل”؛ فالأضرار التي تلحق بالمباني جراء القصف لا تنتهي بانتهاء الغارة، وإنما قد تبقى آثارها الإنشائية قائمة لشهور، لتتحول الجدران المتصدعة والأسقف المتضررة إلى تهديد دائم للسكان.

وأوضح الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أن انهيار العمارة يكشف جانباً آخر من المأساة التي يعيشها الفلسطينيون في غزة، مشيراً إلى أن آثار القصف لا تنتهي بمجرد توقف الغارة، إذ تبقى المباني المتضررة معرضة للانهيار فوق رؤوس من يلجأون إليها.

وبحسب عفيفة، فإن الفلسطيني الذي ينجو من القصف قد يجد نفسه أمام خطر آخر داخل المبنى الذي لجأ إليه، بعدما أضعفت الغارات بنيته وتركت أجزاء منه عرضة للانهيار في أي لحظة.

وهذا الخطر لا ينفصل عن واقع النزوح؛ فالكثير من العائلات لا تملك خيار الانتقال إلى مكان أكثر أمناً، الأمر الذي يدفعها إلى الإقامة في مبانٍ متضررة رغم إدراكها لمخاطرها.

نحو ألفي مبنى مهدد

ولا تبدو عمارة “السعادة” حالة معزولة. فقد حذر الدفاع المدني من خطر انهيار نحو ألفي بناية متداعية في قطاع غزة، قال إنها مأهولة بأعداد كبيرة من السكان، ما يفتح الباب أمام تكرار مشاهد الانهيار وسقوط الضحايا إذا لم تتم معالجة الأبنية المتضررة بصورة عاجلة.

وسبق أن قضى ما لا يقل عن 34 فلسطينياً وأصيب العشرات جراء انهيار منازل ومبانٍ متضررة من القصف كانوا يقيمون فيها، وفق ما أورده المركز الفلسطيني للإعلام، بسبب عدم وجود بدائل سكنية لهم في مناطق مختلفة من القطاع.

وتضع هذه الأرقام الكارثة في سياق أوسع من حادثة واحدة؛ إذ إن آلاف المباني تعرضت خلال الحرب لأضرار متفاوتة، فيما تحتاج عملية تحديد الأبنية الآيلة للسقوط وتدعيمها أو إخلائها إلى معدات هندسية وآليات ثقيلة وإمكانات لا تتوفر بالقدر الكافي داخل القطاع.

الإنقاذ نفسه يواجه خطر الحصار

وبالتوازي مع الخطر الذي يهدد السكان داخل المباني المتضررة، تواجه فرق الدفاع المدني معضلة أخرى تتمثل في نقص المعدات اللازمة للتعامل مع الانهيارات.

وأكد الدفاع المدني أن طواقمه واجهت صعوبات كبيرة في الوصول إلى العالقين تحت أنقاض عمارة “السعادة”، مشيراً إلى أن نقص المعدات والمستلزمات اللازمة يعرقل عمليات الإنقاذ وانتشال الضحايا.

وأشار عفيفة بدوره إلى أن غياب معدات الإنقاذ الثقيلة يجعل عمليات البحث والانتشال أكثر تعقيداً، فيما يمر الوقت بالنسبة إلى الأشخاص الذين ما زالوا عالقين تحت الركام. وطرح سؤالاً حول مدى توفر الحد الأدنى من معدات الإغاثة والإنقاذ التي تحتاجها غزة للتعامل مع مثل هذه الكوارث.

ولا يتعلق الأمر فقط بالوصول إلى الأنقاض بعد وقوع الانهيار، بل أيضاً بقدرة الجهات المختصة على الوصول مسبقاً إلى المباني المهددة، وفحصها وتحديد مستوى الخطورة وتدعيمها أو إخلائها بطريقة آمنة.

بلدية غزة: الخطر لن يتوقف هنا

من جهته، قال رئيس بلدية غزة يحيى السراج إن انهيار عمارة “السعادة” ليس الأول، محذراً من أنه قد لا يكون الأخير في ظل استمرار وجود آلاف المباني المتضررة دون تأهيل أو تدعيم.

وأوضح السراج أن البلدية سبق أن حذرت من خطورة الأبنية المتضررة، لكنها تواجه نقصاً في الإمكانات والمعدات اللازمة للتعامل معها، كما أن عدم توفر أماكن بديلة يجعل تحذير السكان من الإقامة فيها أمراً بالغ الصعوبة؛ إذ لا يستطيع كثير من المواطنين ببساطة مغادرة المباني التي يسكنونها دون وجود مأوى بديل.

وحذر رئيس البلدية كذلك من تزايد المخاطر مع اقتراب فصل الشتاء، مشيراً إلى أن الرياح القوية والأمطار الغزيرة يمكن أن تزيد من ضعف المباني المتضررة وترفع احتمالات انهيار أخرى، في ظل عدم توفر الإمكانات اللازمة لتدعيم الأبنية أو إخلائها بصورة آمنة.

بين إعادة الإعمار وإنقاذ من هم تحت الركام

وتكشف فاجعة “السعادة” فجوة بين الحديث عن إعادة إعمار غزة وبين الاحتياجات العاجلة للسكان الذين يعيشون بالفعل وسط آثار الدمار.

فبالنسبة إلى عائلات كثيرة، لا تبدأ الحاجة من مشروع إعادة إعمار طويل الأمد، وإنما من سؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن حماية من يعيشون اليوم داخل مبنى متصدع؟ وكيف يمكن إنقاذ من يعلق تحت الركام إذا انهار؟

ويرى عفيفة أن الحديث عن إعادة الإعمار لا يمكن فصله عن إنقاذ الأحياء الموجودين تحت الأنقاض، مشيراً إلى أن السكان يحتاجون قبل مشاريع الإعمار إلى وسائل تحمي حياتهم، ومعدات تتيح لفرق الدفاع المدني الوصول إلى المصابين والعالقين.

وطالب رئيس بلدية غزة بإدخال المساكن المؤقتة إلى القطاع، إلى جانب المعدات اللازمة للتعامل مع المباني المتضررة وإنقاذ السكان وتأمين احتياجاتهم الأساسية، مؤكداً أن معالجة الأزمة لا تحتمل التأجيل.

موت مؤجل ينتظر آلاف العائلات

في غزة، لم يعد الركام مجرد أثر للحرب الماضية، بل أصبح جزءاً من البيئة التي يعيش فيها السكان يومياً. مبانٍ متضررة، خيام ملاصقة لها، عائلات نازحة تبحث عن سقف، وفرق إنقاذ تفتقر إلى المعدات اللازمة؛ جميعها عوامل تتقاطع لتجعل السكن نفسه مصدراً للخطر.

وفاجعة عمارة “السعادة” أظهرت هذا الخطر بصورة دامية: مبنى تضرر في وقت سابق، بقي قائماً، ثم تحول في لحظة إلى كتلة من الركام فوق سكانه، بينما كان نحو مئة شخص، وفق أحدث إفادة للدفاع المدني، ينتظرون تحت الأنقاض من يصل إليهم.

وبينما تستمر عمليات البحث والانتشال، تظل تحذيرات البلدية والدفاع المدني قائمة بشأن آلاف الأبنية الأخرى، ما يجعل عمارة “السعادة” أكثر من مأساة منفردة؛ إنها إنذار بأن المباني المتضررة التي لم تُرمم أو تُدعّم قد تحمل معها حوادث جديدة، وأن تأجيل معالجة هذا الملف يعني إبقاء آلاف العائلات أمام خطر لا تملك القدرة على تفاديه.

Exit mobile version