Site icon Palestinealyoum

عمال الضفة في الداخل.. لقمة العيش تحت مطاردة الاحتلال ومخاطر الاعتقال

عمال الضفة في الداخل.. لقمة العيش تحت مطاردة الاحتلال ومخاطر الاعتقال

في رحلة البحث عن لقمة العيش، يجد العامل الفلسطيني من الضفة الغربية نفسه أمام طريق محفوف بالمخاطر، يبدأ قبل شروق الشمس عند الحواجز العسكرية، ولا ينتهي عند الوصول إلى مكان العمل.

وبين الحاجة إلى تأمين قوت عائلته وقيود دولة الاحتلال الإسرائيلي المفروضة على الحركة والعمل، يعيش آلاف العمال الفلسطينيين واقعًا تتداخل فيه البطالة والفقر مع الملاحقة والاعتقال والخوف الدائم من فقدان مصدر الرزق.

وتجددت هذه المعاناة باعتقال شرطة الاحتلال الإسرائيلي 25 عاملًا من الضفة الغربية خلال حملة نفذتها في كفر قاسم والطيبة وجلجولية، بحجة دخولهم إلى الداخل المحتل من دون تصريح.

ولم تقدم شرطة الاحتلال تفاصيل إضافية حول هويات المعتقلين أو ظروف دخولهم، مكتفية بالقول إن الحملة تأتي ضمن ما تصفه بمكافحة الإقامة غير القانونية والجريمة في البلدات العربية.

تأتي هذه الاعتقالات في سياق ملاحقة متواصلة للعمال الفلسطينيين القادمين من الضفة الغربية، إذ تستهدف الحملات الإسرائيلية العمال أنفسهم، إلى جانب أصحاب العمل وأشخاص آخرين تتهمهم سلطات الاحتلال بتوفير المساعدة لهم.

ولا يمثل الاعتقال وحده مصدر الخوف بالنسبة للعامل، فمجرد محاولة الوصول إلى مكان العمل قد تتحول إلى رحلة محفوفة بالمخاطر، خصوصًا بالنسبة لمن لا يحملون تصاريح، في ظل تشديد إجراءات الحركة وإغلاق المعابر والحواجز أمام قطاعات واسعة من العمال.

وتشير معطيات أممية إلى أن القيود الإسرائيلية على الحركة ونظام الحواجز والتصاريح يواصلان التأثير على وصول الفلسطينيين إلى أماكن العمل والخدمات، بينما أُلغيت أو عُلقت معظم تصاريح الوصول إلى الداخل والقدس المحتلة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.

يبدأ يوم كثير من العمال قبل الفجر بوقت طويل، إذ يغادرون منازلهم في ساعات الليل للوصول إلى الحواجز قبل تشكل طوابير طويلة من المنتظرين، وبعد ساعات من الانتظار والتفتيش والإجراءات الأمنية، يواصل العامل طريقه إلى مكان العمل، قبل أن يعيد الرحلة ذاتها في نهاية يوم شاق.

ولا تتوقف المعاناة عند التأخير؛ فمحاولات العبور بعيدًا عن نقاط التفتيش الرسمية قد تعرض العمال لخطر الإصابة أو الاعتقال؛ ووفق بيانات أممية، استشهد 21 فلسطينيًا وأصيب أكثر من 300 آخرين أثناء محاولتهم عبور الجدار للوصول إلى أماكن عملهم في القدس المحتلة والداخل المحتل، منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى منتصف سبتمبر/أيلول 2026.

رغم المخاطر، يجد بعض العمال أنفسهم مضطرين إلى مواصلة البحث عن فرصة عمل داخل الأراضي المحتلة، في ظل محدودية فرص العمل في الضفة الغربية وتدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، فضلًا عن الفارق الكبير في مستويات الأجور بين سوق العمل الإسرائيلي والأسواق الفلسطينية.

وتدفع هذه الظروف بعض العمال إلى اتخاذ قرارات قاسية للحفاظ على مصدر دخلهم، فيحاولون الوصول إلى أماكن العمل بطرق مختلفة، فيما يضطر آخرون إلى المبيت قرب مواقع عملهم لتجنب تكرار رحلة العبور اليومية أو خشية الوقوع في قبضة قوات الاحتلال.

خلف أرقام الاعتقالات والملاحقات، تختبئ تفاصيل إنسانية أكثر قسوة؛ إذ يضطر بعض العمال إلى قضاء الليل في مخازن أو مواقع عمل غير مهيأة للسكن، فيما يبيت آخرون في أماكن مفتوحة، فقط كي يتمكنوا من مواصلة العمل وتأمين احتياجات أسرهم.

وبالنسبة لهؤلاء، لا تعني رحلة العمل مجرد الانتقال من المنزل إلى مكان العمل، وإنما مغادرة الأسرة من دون ضمان العودة في الموعد، وقضاء ساعات طويلة في الانتظار، ثم مواجهة احتمال الاعتقال أو الإبعاد إذا ضبط العامل أثناء وجوده داخل الأراضي المحتلة من دون تصريح.

وأكدت مؤسسات الأسرى الفلسطينية أن العمال الفلسطينيين يتعرضون لحملات اعتقال وملاحقة وتنكيل، مشيرة إلى أن الانتهاكات تبدأ من لحظة الاعتقال وتمتد إلى الاحتجاز في ظروف وصفتها بالمهينة واللاإنسانية، فضلًا عن التعرض للإذلال والعنف الجسدي والنفسي. واعتبرت المؤسسات أن استخدام ذريعة الدخول أو العمل من دون تصاريح لملاحقة العمال واعتقالهم يحرمهم من حقهم في العمل وكسب الرزق بكرامة، داعية إلى وقف هذه الممارسات ومحاسبة المسؤولين عنها.

وتكشف شهادات حقوقية أن مخاطر العمل لا تتوقف عند الاعتقال والملاحقة، إذ وثقت مؤسسة الحق استشهاد العامل الفلسطيني مصطفى طلول، البالغ 30 عامًا، في حزيران/يونيو 2025، أثناء محاولته برفقة عمال آخرين عبور السياج الفاصل للوصول إلى مكان عمله داخل إسرائيل.

ووفق تحقيق المؤسسة وشهادة أحد العمال الذين كانوا برفقته، تعرضت المجموعة لإطلاق نار من مسافة قريبة، ما أدى إلى استشهاد طلول وإصابة عاملين آخرين، قبل أن تعتقل القوات الإسرائيلية بقية العمال وتحتجزهم لساعات.

وتقول المؤسسة إن هذه الواقعة جاءت بعد توقف تصاريح العمل، وفي ظل اضطرار عمال فلسطينيين إلى سلوك طرق غير رسمية بحثًا عن مصدر دخل.

وبذلك، يجد العامل الفلسطيني نفسه محاصرًا بين واقع اقتصادي صعب في الضفة الغربية وإجراءات إسرائيلية تجعل الوصول إلى سوق العمل أكثر تعقيدًا وخطورة؛ فيما تزيد القيود على الحركة من صعوبة الوصول إلى مصادر الدخل، بينما يدفع تراجع فرص العمل بعض الأسر إلى الاعتماد على دخل العمل داخل إسرائيل رغم المخاطر.

وتؤكد المعطيات الإنسانية أن نظام الحواجز والتصاريح الذي يفرضه الاحتلال لا يؤثر فقط على حركة الفلسطينيين، بل يمتد أثره إلى قدرتهم على الوصول إلى سبل كسب الرزق والخدمات الأساسية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الفلسطيني أصلًا من أزمات متراكمة.

وهكذا، يتحول العامل الفلسطيني إلى ضحية معادلة قاسية؛ فخلف كل عامل يحاول الوصول إلى مكان عمله أسرة تنتظر دخله، وخلف كل حاجز يقف ساعات طويلة حلم بسيط بالحصول على أجر يؤمّن الطعام والدواء والتعليم. وبين مطاردة الاحتلال وضيق الخيارات الاقتصادية، تصبح لقمة العيش نفسها رحلة محفوفة بالخوف والمخاطر.

Exit mobile version