
المركز الفلسطيني للإعلام
لم تكتفِ الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بهدم المنازل والمستشفيات والبنية التحتية، بل امتدت إلى المدارس والجامعات، لتضع التعليم أمام واحدة من أكثر أزماته كارثية، بعدما تحولت آلاف الساعات الدراسية إلى أيام من النزوح والانتظار، وتحولت المدارس من فضاءات للعلم إلى ملاجئ، ثم إلى مبان مدمرة أو غير صالحة للاستخدام.
ومع مرور ثلاث سنوات على بدء الحرب، تكشف الأرقام الفلسطينية والدولية حجم المأساة التي لحقت بالقطاع التعليمي؛ فقد أعلن وزير التربية والتعليم العالي الفلسطيني أمجد برهم أن أكثر من 90% من مدارس غزة وأكثر من 85% من الجامعات ومؤسسات التعليم العالي تعرضت للدمار، فيما تؤكد بيانات دولية أن نحو 98% من مباني المدارس في القطاع تعرضت للضرر، وأن أكثر من 93% منها يحتاج إلى إعادة تأهيل كبيرة أو إعادة بناء كاملة.
أكثر من 21 ألف شهيد من الطلبة والكوادر
تكشف بيانات وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية أن فاتورة الحرب البشرية في القطاع التعليمي لم تتوقف عند المباني، إذ استشهد في غزة أكثر من 19 ألفا و189 طالبا وطالبة في المدارس، و1386 طالبا وطالبة في الجامعات، فيما أصيب 28 ألفا و586 طالبا مدرسيا و3082 طالبا جامعيا بجروح متفاوتة.
وعلى مستوى الكوادر، استشهد 805 من العاملين في المدارس و246 من المحاضرين والعاملين في الجامعات، بينما أصيب 3298 من العاملين في المدارس و1493 من العاملين في الجامعات.
وبحسب حصيلة الوزارة التي تغطي الفترة من 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تجاوز عدد الشهداء من الطلبة والكوادر التعليمية في فلسطين 22 ألفا، في حصيلة تعكس حجم الاستهداف الذي أصاب العملية التعليمية خلال سنوات الحرب.
مدرسة من كل مدرسة تقريبا أصابها الدمار
لم تعد أرقام الدمار تترك مساحة كبيرة للحديث عن تعليم طبيعي داخل القطاع، إذ أظهر تقييم أممي أن 97% من المدارس تعرضت لنوع من الأضرار، بينما يحتاج 518 مبنى مدرسيا من أصل 564 إلى إعادة بناء كاملة أو أعمال تأهيل رئيسية حتى يصبح صالحا للعمل مجددا.
كما تعرض 432 مبنى مدرسيا، أي 76.6% من إجمالي المدارس، لضربات مباشرة منذ بداية الحرب، وفق تقييم للأضرار استند إلى بيانات الأمم المتحدة وصور الأقمار الصناعية.
وفي حصيلة وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، دُمرت أكثر من 179 مدرسة حكومية في غزة بشكل كامل، إلى جانب أكثر من 105 مدارس تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أونروا، فضلا عن تدمير أكثر من 63 مبنى جامعيا.
ولا تقتصر الخسارة على الجدران والمقاعد؛ فالدمار طال المختبرات والمستلزمات المدرسية والمعدات التقنية، ما يجعل استعادة العملية التعليمية مرتبطة بإعادة بناء منظومة كاملة، وليس مجرد إصلاح مبانٍ متضررة.
700 ألف طفل خارج التعليم النظامي
خلف هذه الأرقام يقف نحو 700 ألف طفل في سن الدراسة، عاشوا سنوات من الانقطاع عن التعليم الوجاهي. ووفقا لليونيسف، فقد حُرم معظم الأطفال في غزة من التعليم الحضوري الرسمي لنحو ثلاثة أعوام دراسية متتالية، فيما تعرضت قرابة 98% من مباني المدارس للضرر.
وكانت اليونيسف قد حذرت في نهاية 2025 من أن أكثر من 97% من مدارس القطاع تعرضت للضرر أو التدمير، وأن 91.8% من مرافق التعليم تحتاج إلى إعادة بناء كاملة أو إعادة تأهيل رئيسية حتى تعود إلى العمل، بينما لم يتمكن معظم الأطفال في سن الدراسة من الوصول المنتظم إلى التعليم الوجاهي لأكثر من عامين دراسيين.
ومع تكرار النزوح وتدمير المدارس وفقدان الشعور بالأمان، لم يعد انقطاع التعليم مشكلة مؤقتة، بل أزمة تهدد التحصيل العلمي والنمو النفسي والاجتماعي وفرص الأطفال المستقبلية.
التعليم ينتقل إلى الخيام
في مواجهة هذا الانهيار، تحاول وزارة التربية والتعليم العالي إبقاء العملية التعليمية حية بما يتوافر من إمكانات، إذ جرى افتتاح نحو 700 نقطة تعليمية في مناطق مختلفة من القطاع، إلى جانب إنشاء 12 مدرسة افتراضية لخدمة الطلبة داخل غزة وخارجها.
وفي أيلول/سبتمبر الماضي، أفاد برهم بأن نحو 542 ألف طالب وطالبة في قطاع غزة يتلقون التعليم عبر أكثر من 700 منطقة تعليمية، بينما يتعلم نحو 20 ألف طالب عن بُعد من خارج القطاع، في حين يواجه نحو 40 ألف طالب صعوبة في الوصول إلى النقاط التعليمية ويجري توفير التعليم لهم إلكترونيا.
ولا تبدو الخيام والمراكز المؤقتة بديلا سهلا عن المدرسة؛ فالعملية التعليمية تجري في ظل نقص حاد في المساحات الآمنة والمستلزمات والكتب والبنية التحتية، فيما يحاول المعلمون والطلبة مواصلة التعلم في بيئة ما زالت تحمل آثار الحرب والنزوح.
الجامعات أيضا تحت الركام
وامتدت الكارثة إلى التعليم العالي، بعدما تعرضت غالبية الجامعات ومؤسسات التعليم العالي في غزة للدمار أو الأضرار الجسيمة، ما حرم آلاف الطلبة من المختبرات والقاعات والمكتبات والمرافق التي يحتاجونها لاستكمال دراستهم.
وفي أيار/مايو 2026، أعلنت الأمم المتحدة الإنمائية استكمال إنشاء 100 مساحة تعليمية موزعة على 10 مواقع مدرسية في القطاع، في إطار جهود إعادة الوصول إلى التعليم ودعم طلبة الثانوية العامة، في خطوة تستهدف توفير بيئات تعليمية مؤقتة في ظل الدمار الواسع.
الضفة أيضا.. مدارس تحت التهديد
ولا تتوقف تداعيات الاستهداف عند قطاع غزة، إذ أشار برهم إلى تصعيد الاحتلال استهداف مدارس التحدي في الضفة الغربية، خصوصا في الأغوار ومسافر يطا جنوبي الخليل، وتسليم إخطارات بهدم أكثر من 20 مدرسة في مسافر يطا، بما يهدد حق مئات الطلبة في الوصول إلى التعليم.
كما سجلت وزارة التربية والتعليم العالي استمرار الاعتداءات على المؤسسات التعليمية والطلبة والكوادر في الضفة الغربية، بما في ذلك الاعتقالات والاقتحامات والإغلاقات، لتتسع دائرة الضغط على التعليم الفلسطيني خارج القطاع أيضا.
حين يصبح إنقاذ التعليم معركة بحد ذاتها
بعد ثلاث سنوات من الحرب، لم يعد السؤال في غزة متى يعود الطلبة إلى مدارسهم فحسب، بل كيف يمكن إعادة بناء منظومة تعليمية فقدت آلاف الطلبة والمعلمين، ودُمرت غالبية مبانيها، وانقطعت عنها أجيال كاملة لسنوات متتالية.
فإعادة بناء المدارس والجامعات قد تعيد الجدران والمقاعد والمختبرات، لكنها لا تعيد السنوات التي فقدها الأطفال، ولا تمحو آثار النزوح والخوف وفقدان الزملاء والمعلمين. وبين الركام والخيام والتعليم الافتراضي، يحاول جيل غزة أن يتمسك بحقه في التعلم، في وقت تحولت فيه المحافظة على استمرار التعليم إلى معركة أخرى من معارك البقاء.
