Site icon Palestinealyoum

غزة تختنق.. غياب الزيت وقطع الغيار يهدد الحياة

أزمة الزيوت في غزة

خاص المركز الفلسطيني للإعلام

لم تعد أزمة زيوت المحركات وقطع الغيار في قطاع غزة مشكلة تخص المركبات ووسائل النقل وحدها، بل تحولت إلى أزمة تشغيل تهدد قطاعات حيوية تمتد من المستشفيات والمخابز والمصانع إلى آبار المياه ومحطات الصرف الصحي والمركبات الإنسانية، في ظل اعتماد واسع على المولدات بعد انقطاع الكهرباء عن القطاع.

ورغم دخول كميات محدودة من الزيوت الصناعية مؤخرًا، فإن الأزمة لم تنتهِ، إذ لا تزال قطع الغيار والفلاتر ومستلزمات الصيانة شحيحة، فيما تعمل المولدات والمحركات لساعات طويلة تتجاوز قدراتها وجداول صيانتها، ما يرفع مخاطر تعطلها وخروج مرافق كاملة عن الخدمة.

وتكشف شهادات مسؤولين ومؤسسات محلية ودولية أن المشكلة لم تعد في توفر الزيت وحده، وإنما في غياب منظومة متكاملة للتشغيل والصيانة، الأمر الذي يجعل كل عطل صغير قابلًا للتحول إلى أزمة في مستشفى أو مخبز أو مصنع أو وسيلة نقل.

المستشفيات.. مولدات تعمل فوق طاقتها

في القطاع الصحي، تبدو تداعيات الأزمة الأكثر خطورة، بعدما أصبحت المولدات المصدر الأساسي للكهرباء اللازمة لتشغيل الأقسام والأجهزة الطبية.

وحذر المهندس مازن العرايشي، مدير عام الهندسة والصيانة في وزارة الصحة، من تفاقم أزمة نقص زيوت المولدات الكهربائية في المستشفيات، مؤكدًا أن الكميات التي سُمح بإدخالها خلال الفترة الماضية كانت «إسعافية» ولا تلبي احتياجات التشغيل والصيانة.

وقال العرايشي في تصريح لمراسلنا إن عددًا من مولدات المستشفيات يحتاج بصورة عاجلة إلى تغيير الزيوت، موضحًا أن التأخير في ذلك يعرضها لـ«تعقيدات فنية وميكانيكية قد تؤدي إلى توقفها».

وكشف أن الاحتياج الشهري لمرافق وزارة الصحة من زيوت المولدات يبلغ نحو 2500 لتر، لافتًا إلى أن عددًا من المولدات توقف بالفعل خلال الأيام السابقة بسبب عدم توفر الزيوت وقطع الغيار وكميات الوقود الكافية.

وأضاف أن المولدات التي ما زالت تعمل «تعمل على مدار الساعة في ظروف فنية وميكانيكية صعبة»، ولا تستطيع تغطية احتياجات الأقسام الحيوية والمنقذة للحياة، مطالبًا بإدخال الزيوت وقطع الغيار بصورة عاجلة لضمان استمرار عملها.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت أكدت فيه وزارة الصحة توقف عدد من المولدات في المستشفيات بالفعل، بسبب نقص الزيوت وقطع الغيار والوقود، محذرة من خروج المزيد منها عن الخدمة.

«المعمداني».. عطل المولد يوقف أجهزة وخدمات

وفي مستشفى الأهلي العربي «المعمداني» بمدينة غزة، تحولت أزمة الزيت إلى عطل فعلي طال الخدمات الطبية.

ففي 9 سبتمبر/أيلول، توقف المولد الكهربائي الرئيسي للمستشفى عن العمل بعد تشغيله لنحو 1200 ساعة بالزيت نفسه، وفق منسق الشؤون الإدارية في المستشفى موسى عياد.

وأوضح عياد أن المولدات الضخمة تحتاج عادة إلى تغيير الزيت بعد نحو 250 إلى 300 ساعة، لكن النقص الحاد في الزيوت ومواد التشغيل أجبر المستشفى على مواصلة تشغيل المولد بالزيت ذاته.

وقال إن التشغيل المطول تسبب في أعطال بمضخات الزيت والوقود وأضرار ميكانيكية في أجزاء من المحرك، بينما يواجه المستشفى نقصًا في قطع الغيار اللازمة لإعادته إلى الخدمة.

وانعكس ذلك على الخدمات الطبية مباشرة؛ إذ توقفت خدمات التصوير المقطعي والأشعة ومعظم الخدمات الأخرى، في حين لم يتمكن المولد البديل الصغير من تشغيل جميع مرافق المستشفى وأقسامه.

وأوضح عياد أن معظم الإجراءات الطبية تحتاج إلى إمدادات كهربائية كبيرة ومستقرة، مشيرًا إلى أن «المعمداني» مستشفى جراحي تخصصي تُجرى فيه عشرات العمليات ويستفيد من خدماته نحو ألف شخص يوميًا.

كما أفاد مراسلنا بأن نقص الوقود والزيوت أدى لتوقف مشفى الكويت التخصصي بخان يونس، ومراكز طبية مختلفة في قطاع غزة.

تحذير طبي من شلل أوسع

ولا تتوقف المشكلة عند مستشفى واحد، وحذر محمد أبو عفش، مدير الإغاثة الطبية في قطاع غزة، من أن استمرار منع أو تقييد إدخال الزيوت وقطع الغيار والمولدات الكهربائية يهدد بتوقف الخدمات الصحية وشلل المنظومة الطبية.

وأوضح أن المؤسسات الصحية والمستشفيات، بما فيها مراكز الإغاثة الطبية والعيادات المتنقلة، تعتمد بصورة أساسية على المولدات لتوفير الكهرباء.

وأشار إلى أن أسعار الزيوت وقطع الغيار في السوق المحلية، عندما تتوفر، أصبحت باهظة إلى درجة تجعل شراءها متعذرًا، وهو ما أدى إلى تعطل مولدات وتقليص الخدمات المقدمة للسكان.

وتحذر منظمة «أطباء بلا حدود» كذلك من أن القيود على إدخال زيوت المحركات وقطع الغيار تهدد تشغيل مولدات المستشفيات وسيارات الإسعاف ومضخات المياه وشاحناتها، فيما أشارت المنظمة إلى ارتفاع حاد في أسعار زيوت الصيانة في السوق المحلية.

المياه والصرف الصحي.. المولدات شريان لا بديل عنه

من المستشفيات، تمتد الأزمة إلى المياه والصرف الصحي.

فالمولدات تشغل آبار المياه ومحطات التحلية والضخ ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي، بينما تحتاج هذه المنشآت إلى الزيوت وقطع الغيار بصورة مستمرة للحفاظ على تشغيل المعدات.

وحذرت بلديات شمال غزة من تعطل نحو 60% من المولدات ومحطات المياه، مؤكدة أن أزمة الزيوت والوقود وقطع الغيار أدت إلى احتراق وتعطل مولدات وشاحنات وشبكات مرتبطة بخدمات المياه.

وفي 2 سبتمبر/أيلول، أكدت سلطة المياه أن منظومة الصرف الصحي تواجه أزمة غير مسبوقة، مع تصريف نحو 55 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي يوميًا دون معالجة؛ منها نحو 40 ألف متر مكعب إلى البحر و15 ألف متر مكعب إلى البيئة عبر الحفر الامتصاصية وتسربات الشبكات.

وبذلك يصبح استمرار تشغيل المضخات والمولدات مسألة تتجاوز الجانب الفني، لتتصل مباشرة بالصحة العامة والبيئة ومخاطر تلوث المياه وانتشار الأمراض.

أرقام أممية.. عشرات آلاف اللترات تنتظر الموافقة

وتكشف بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» حجم الأزمة.

فمنذ الأول من مارس/آذار 2026، تمت الموافقة على إدخال 13,445 لترًا فقط من زيوت المحركات، بينما بقيت 92,778 لترًا بانتظار الموافقة.

ومن الكمية التي تمت الموافقة عليها، أُدخل فعليًا 12,175 لترًا، فيما كانت بقية الكمية المقررة للإدخال على دفعات.

وتشير البيانات إلى أن نحو 43,288 لترًا، أي 47% من الكمية المنتظرة، مخصصة للمياه والصرف الصحي والنظافة وإدارة النفايات، بينما خصصت 22,722 لترًا، أي 25%، للخدمات الصحية، إضافة إلى كميات للعمليات اللوجستية والأمن الغذائي.

وتؤكد الأمم المتحدة أن زيوت المحركات ضرورية للمولدات التي تشغل آبار المياه ومحطات التحلية والصرف الصحي والمستشفيات ومراكز الرعاية الأولية وبنوك الدم والمستشفيات الميدانية، فضلًا عن المركبات والآليات المستخدمة في نقل الغذاء وجمع النفايات وإزالة الركام.

المخابز.. «قد يتوفر الطحين ولا ينتج المخبز رغيفًا»

وفي المخابز، لا تبدو الصورة أقل خطورة، وقال عبد الناصر العجرمي، رئيس جمعية أصحاب المخابز في قطاع غزة، إن دخول كميات من الزيوت خفف جزءًا من الأزمة، لكن نقص قطع الغيار وصيانة المولدات لا يزال يهدد المخابز العاملة.

وأوضح أن 42 مخبزًا تعمل حاليًا في القطاع، من أصل أكثر من 75 مخبزًا قبل الحرب، مشيرًا إلى أن المولدات تتحمل ساعات تشغيل طويلة وشاقة بسبب غياب الكهرباء المستقرة، ما يرفع حاجتها إلى الصيانة الدورية وتبديل الفلاتر والقطع المستهلكة.

وحذر العجرمي بعبارة تختصر جوهر الأزمة: «يمكن أن يتوفر الطحين داخل المخبز، لكنه يعجز عن إنتاج رغيف واحد إذا تعطلت الماكينات أو المولدات».

وطالب بإدخال حزمة متكاملة ومستدامة من قطع الغيار والزيوت والمعدات، للحفاظ على المخابز العاملة ومنع توقفها.

وكان العجرمي قد حذر في تصريحات سابقة من أن المولدات تحتاج إلى ثلاثة عناصر أساسية للاستمرار: الصيانة الدورية، وقطع الغيار، وزيوت التشغيل، وأن غياب هذه العناصر مع استمرار التشغيل القاسي يسرّع الأعطال الميكانيكية ويهدد بخروج المخابز عن الخدمة.

المصانع.. 250 منشأة أمام خطر التعطل

ولا يختلف الوضع كثيرًا في القطاع الصناعي.

وقال خضر شنيورة، المدير التنفيذي للاتحاد العام للصناعات الفلسطينية، إن نحو 250 مصنعًا ومنشأة صناعية، بينها منشآت غذائية ومعدنية، تواجه عقبات قاسية تهدد استمرار عملها.

وأوضح أن المشكلة لا تقتصر على المواد الخام، وإنما تشمل قدرة المصانع على إبقاء خطوط الإنتاج والمولدات قيد التشغيل، مشيرًا إلى أن أي عطل فني بسيط، في ظل غياب البدائل وقطع الغيار، يمكن أن يخرج مصنعًا كاملًا من الخدمة.

وأكد شنيورة أن الزيوت الصناعية عنصر أساسي لتشغيل المحركات، وأن تشغيل المعدات لفترات طويلة من دون تغيير الزيوت أو صيانتها يعرضها لتلف متسارع.

كما حذر من أن 90% من القطاع الصناعي تعرض لأضرار جسيمة خلال الحرب، وأن استمرار أزمة قطع الغيار سيضاعف خسائر المنشآت التي ما زالت قادرة على العمل.

وشدد على أن إعادة تشغيل القطاع الصناعي تحتاج إلى مسار متكامل يجمع بين المواد الخام والزيوت ومستلزمات الصيانة، وليس إدخال مادة واحدة بمعزل عن بقية الاحتياجات.

النقل.. 70% من الحافلات خارج الخدمة

وتنتقل الأزمة كذلك إلى قطاع النقل الذي يمثل شريانًا للحركة داخل غزة ومصدر رزق لآلاف الأسر.

وقال أنور أبو علبة، رئيس نقابة أصحاب شركات الباصات في قطاع غزة، إن نحو 70% من أسطول الحافلات توقف عن العمل، بينما لا تزال نسبة 30% فقط تعمل، مع تراجع يومي في أعداد الحافلات القادرة على الاستمرار.

وأرجع أبو علبة ذلك إلى تعطل دخول الإطارات والزيوت وقطع الغيار اللازمة للصيانة، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي يجعل تشغيل ما تبقى من الحافلات أكثر صعوبة.

وكان جهاد اسليم، نائب رئيس جمعية أصحاب شركات النقل الخاص في غزة، قد حذر في يونيو/حزيران من أن قطاع النقل البري بات على أعتاب التوقف الكامل إذا استمر نفاد الزيوت ومنع إدخال قطع الغيار والبطاريات والإطارات، مؤكدًا أن الأزمة تهدد الشاحنات والمركبات العاملة في مختلف القطاعات الحيوية.

المركبة.. حين يتحول الزيت إلى مصدر رزق

وفي الجانب المعيشي، تظهر الأزمة في حياة أصحاب المركبات الذين يعتمدون عليها لتأمين قوت أسرهم.

ومن بينهم محمد أبو هربيد، الذي توقفت مركبته التي يعتمد عليها في إعالة أسرته بعد اضطراره إلى استخدام زيوت مستهلكة ومكررة لمواصلة العمل، ما أدى إلى تلف محركها.

وقال أبو هربيد إن المركبة كانت مصدر دخله الوحيد، وكان يستخدمها من الفجر حتى المساء لنقل المواطنين وقضاء حوائجهم، قبل أن يجد نفسه بلا وسيلة للعمل.

وأضاف: «الزيت هو عصب المحرك، وزيوت المحركات إما غير متوفرة أو تباع بأسعار تفوق قدرتي على شرائها من دخل النقل اليومي».

وأشار إلى أن توقف مركبته لا يعني فقدان مصدر رزقه فقط، بل يزيد صعوبة تنقل المواطنين، بينما يضطر بعضهم إلى قطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام، حتى في حالات المرض أو الإصابة.

شبكة المنظمات الأهلية: الأزمة تطال كل شرايين الحياة

وحذرت شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية من أن القيود على إدخال الزيوت المعدنية وزيوت المحركات والفلاتر وقطع الغيار تهدد استمرار الخدمات الأساسية والإنسانية في غزة.

وقالت الشبكة إن هذه المواد ضرورية لتشغيل المولدات والمركبات والمعدات التشغيلية، وإن تداعيات نقصها تطال الرعاية الصحية، وضخ مياه الشرب، والصرف الصحي، والإسعاف، والمخابز، وإدارة النفايات، والنقل والخدمات الإنسانية والإغاثية.

وأكدت أن الاعتماد على كميات محدودة تدخل عبر قنوات استثنائية أو محاولة شراء هذه المواد من السوق المحلية بأسعار باهظة لا يمثل حلًا مستدامًا للأزمة.

من المستشفى إلى المخبز.. أزمة واحدة بأوجه متعددة

وتكشف هذه الشهادات والأرقام أن أزمة الزيوت وقطع الغيار في غزة لا يمكن اختزالها في نقص مادة تشغيلية واحدة.

فالمستشفى يحتاج الزيت حتى يبقى المولد قيد العمل، والمولد يحتاج قطع الغيار والفلاتر، ومحطة المياه تحتاج المولد والمضخة، والمخبز يحتاج المولد وخط الإنتاج، والمصنع يحتاج المحركات، فيما يحتاج سائق المركبة إلى الزيت حتى يبقى قادرًا على العمل وإعالة أسرته.

ولهذا فإن دخول كميات محدودة من الزيوت لا يعني انتهاء الأزمة، طالما بقيت قطع الغيار والفلاتر والمعدات اللازمة للصيانة شحيحة.

وفي ظل غياب الكهرباء العامة، أصبح استمرار الحياة اليومية في غزة مرتبطًا إلى حد كبير بقدرة هذه المولدات والمحركات على الصمود. وتؤكد الأرقام الأممية أن عشرات آلاف اللترات المطلوبة للقطاعات الحيوية لا تزال بانتظار الموافقة، بينما يحذر المسؤولون محليًا من أن المولدات والمنشآت العاملة تقترب من حدود قدرتها على الاستمرار.

وهكذا، تتحول أزمة الزيت وقطعة الغيار من مشكلة فنية تبدو صغيرة في ظاهرها إلى سلسلة مترابطة من المخاطر: مولد يتوقف، جهاز طبي يتعطل، مخبز يخفض إنتاجه، مضخة مياه تتوقف، حافلة تخرج من الخدمة، وعائلة تفقد مصدر دخلها.

وفي غزة، حيث تعمل القطاعات المتبقية أصلًا بأدنى قدر من الإمكانات، فإن استمرار هذه الأزمة لا يهدد المحركات وحدها، بل يهدد شرايين الحياة التي لا تزال تعمل وسط الدمار.

Exit mobile version