Site icon Palestinealyoum

غزة ترفض التهجير .. الفلسطينيون يتمسكون بالأرض رغم التدمير

غزة ترفض التهجير

خاص المركز الفلسطيني للإعلام

في خيمة محاطة بمبانٍ مدمرة وسط مدينة غزة، يجلس أبو محمد رائد أمام مشهد يلخص جانبًا من الحكاية الفلسطينية في القطاع: أطفال ينتظرون دورهم للحصول على المياه، ونساء يطبخن بجوار الخيام، وركام يحيط بمكان يفترض أن يكون بيتًا، لكن الرجل، لا يتحدث عن الرحيل، بل يقول إن غزة بالنسبة إلى أهلها مثل الأم، وإن التخلي عنها ليس أمرًا سهلًا، لأن جذور عائلته وأجداده وأبنائه مرتبطة بهذه الأرض. تأتي هذه الشهادة في وقت تنطلق فيه دعوات إسرائيلية جديدة تتحدث عن إخراج سكان القطاع تحت عنوان “الهجرة الطوعية”.

إلى جواره تقريبًا، يضع محمد أبو القمبوز المسألة في صيغة أكثر مباشرة. يقول الرجل إن اقتلاع السكان الأصليين من غزة أمر بالغ الصعوبة، وإنه لن يترك القطاع، مستندًا إلى حقيقة أن أبناءه نشأوا فيه كما نشأ آباؤه وأجداده. موقف أبو القمبوز جاء رغم أنه يعيش داخل مخيم للنزوح وتحيط به المباني المتضررة، ويعرف أن البقاء يعني استمرار المعاناة، لكنه يرى في المغادرة خسارة أخرى تتعلق بالأرض والجذور.

وبجولة عابرة بين تلك الآلام المكنونة في صدور أصحابها، لن تخطئ عينُك أن ترى أطفالاً يقفون للحصول على الماء، فيما تتوزع الخيام حولهم، وتظهر خلفها أبنية أصابها الدمار، وفي هذا التفصيل الصغير تتجمع المفارقة التي تحكم حياة سكان غزة: أطفال يعيشون آثار حرب طويلة، لكنهم في الوقت ذاته يستمرون في الذهاب إلى نقاط المياه، وتناول الطعام، واللعب، والنوم، والعيش داخل المكان نفسه، إنها صورة للصمود بوصفه ممارسة يومية أكثر منه شعارًا سياسيًا.

وبعفوية في الموقف، وتلقائية في الحديث، وبديهة في العبارة، يقدم محمد أبو القمبوز سبب تمسكه بالمكان، مبينًا أن أبناءه ولدوا فيه ونشأوا فيه، هكذا بكل بساطة، وليس بعد هذا من سببٍ يكفي للانغراس في الأرض مهما احترقت بأهلها.

هذه الفكرة تتكرر في شهادات كثيرة من غزة؛ فالمكان بالنسبة إلى السكان ليس مجرد مساحة جغرافية يمكن استبدالها بأخرى، وإنما شبكة من البيوت والأحياء والمقابر والمدارس والذكريات والعلاقات العائلية، ولهذا تظهر العودة إلى المكان، حتى حين لا يعود المنزل موجودًا، كأحد أكثر مظاهر الصمود وضوحًا.

في جنوب قطاع غزة، حيث يحاول مزارعون استعادة علاقتهم بالأرض رغم تضييق مساحة الأراضي التي يمكن الوصول إليها، يعمل المزارع خالد الأسطل في أرضه التي تبعد نحو 500 متر عن «الخط الأصفر»، رغم الخطر الذي يحيط بالمزارعين في تلك المنطقة. يقول الأسطل: “إن ما تبقى من غزة هو أرضهم، وإنه وزملاءه سيواصلون زراعتها رغم المخاطر”.

خلف قصة الأسطل قصة أخرى أكثر عمقًا؛ فالمزارع سلامة مهنا، (71 عامًا)، كان يدير قبل حرب الإبادة بنكًا للبذور في القرارة يضم نحو 70 طنًا من بذور 42 محصولًا محليًا، قبل أن يدمر البنك خلال الحرب، وبعد ذلك بدأ مع مزارعين آخرين إعادة بناء مخزون صغير يضم نحو 32 صنفًا من البذور المحلية، ووضعوها في خيمة في دير البلح، بالنسبة إلى هؤلاء المزارعين، ليست البذرة مجرد مادة زراعية؛ إنها وسيلة للحفاظ على إمكانية الزراعة واستمرار الحياة الزراعية في المستقبل.

وإذا كانت الأرض الزراعية تمثل بالنسبة إلى خالد الأسطل مصدر رزق، فإنها بالنسبة إلى عائلات أخرى تمثل أيضًا دليلًا على أن الحياة لم تنقطع بالكامل؛ حيث يقول المهندس الزراعي في اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أسامة المخلالاتي، إن ما يعاد بناؤه من بنك البذور لا يمثل إلا جزءًا ضئيلًا جدًا من احتياجات القطاع الزراعي، لكن هذه المحاولة تظل ذات أهمية في ظل الخسائر الهائلة التي تعرض لها القطاع الزراعي.

وإذا انتقلنا من الخيمة إلى الأرض الزراعية، تظهر صورة أخرى للصمود؛ حيث إن بنك البذور الذي كان يحتوي على مخزون ضخم من المحاصيل المحلية فقد معظم إمكاناته خلال الحرب، لكن القائمين عليه لم يتخلوا عن الفكرة؛ فقد أعادوا جمع ما أمكن من البذور من المزارعين، وبدأوا دورة جديدة من الزراعة في ظروف بدائية. إنها محاولة للحفاظ على إمكانية المستقبل في وقت يصعب فيه تأمين احتياجات الحاضر.

ولا يخلو هذا النوع من الصمود من مخاطرة مباشرة؛ فالمزارعون الذين يعملون بالقرب من «الخط الأصفر» يقولون إن الوصول إلى الأراضي الزراعية أصبح أكثر خطورة، لا سيّما أن مساحة كبيرة من الأراضي الزراعية التي كانت مستخدمة قبل الحرب أصبحت تقع في مناطق تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية أو بالقرب من الخط. ومع ذلك، يقول خالد الأسطل إنه لا ينوي الرحيل، وإنه سيزرع ما تبقى من أرض يمكن الوصول إليها.

وتكشف هذه القصة أن الصمود لا يقتصر على رفض الخروج من غزة، وإنما يمتد إلى محاولة الحفاظ على الوظائف والمهارات وأنماط الحياة التي كانت قائمة قبل الحرب؛ فالزراعة بالنسبة إلى مجتمع يعتمد جزء من اقتصاده عليها ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل إحدى وسائل إعادة بناء المجتمع، وحين يحافظ المزارع على بذرة محلية أو يعيد زراعة أرضه، فهو يحاول إبقاء دورة الإنتاج قائمة، ولو في نطاق ضيق.

وتتكرر المشاهد نفسها في الأسواق والمطابخ الجماعية والمخابز؛ ووفق أحدث تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، كانت 25 جهة شريكة حتى 3 سبتمبر/أيلول 2026 تعد نحو 734 ألف وجبة يوميًا عبر 103 مطابخ، بينما كانت 22 مخبزة مدعومة تنتج قرابة 90 ألف حزمة خبز يوميًا، هذه ليست عودة إلى الحياة الطبيعية، لكنها دليل على أن المجتمع لا يزال يعيد تنظيم نفسه حول الاحتياجات الأساسية.

وفي أحد أكثر الأرقام دلالة، يقول التقرير الأممي إن الأسر في غزة لا تزال تواجه هشاشة شديدة في الحصول على المياه؛ إذ كانت 91% من الأسر التي جرى تقييمها تواجه مستوى متوسطًا إلى مرتفع من انعدام الأمن المائي، ومع ذلك تستمر عمليات توزيع المياه، وتشغيل الآبار، وإدارة المخابز والمطابخ، وهي شبكة من الخدمات التي تعتمد بدورها على الوقود وقطع الغيار التي لا يزال إدخالها مقيدًا.

ومن هنا تكتمل مأساوية القصة الغزيّة للشعب المحاصر بين طفلٍ يقف للحصول على الماء لأن الماء ليس متاحًا بصورة طبيعية، والأسرة تطبخ بجوار الخيمة لأن المنزل لم يعد صالحًا، والمزارع يزرع قرب منطقة خطرة لأن الأرض المتاحة تقلصت، ومع ذلك تستمر هذه الأفعال يومًا بعد يوم، وهي التي تمنح المجتمع قدرة على البقاء.

إصرار أهل قطاع غزة على التشبث بالأرض والبقاء فيها ورفض التهجير منها، لا يعني غياب النزوح؛ فالتقرير الأممي الصادر في 11 سبتمبر/أيلول 2026 يقول إن الغارات والهجمات الإسرائيلية على مناطق مأهولة ما زالت تسبب خسائر بشرية وأضرارًا بالممتلكات وتؤدي إلى نزوح جديد، رغم اتفاق وقف إطلاق النار، وخلال الفترة التي يغطيها التقرير، أي من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر، ظل الوضع الإنساني في غزة شديد السوء، مع نقص مستمر في الإمدادات الطبية ومشكلات في المياه والصرف الصحي.

ووفق بيانات وزارة الصحة في غزة التي أوردتها أوتشا مع التنبيه إلى مصدرها، استشهد 35 فلسطينيًا وأصيب 104 خلال الفترة من 2 إلى 9 سبتمبر، بينما وفي أثناء إعداد هذا التقرير لـ”المركز الفلسطيني للإعلام” تودع غزة 4 شهداء في يوم واحد، بينهم طفلة، وكذلك الشاب بصير البرش، نجل مدير الصحة في قطاع غزة الدكتور منير البرش، لتصل حصيلة الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 ارتفعت إلى 1,390 شهيدًا، إضافة إلى 4,801 إصابة، فيما بلغ إجمالي حالات الانتشال من تحت الأنقاض 831 حالة.

وفي 8 سبتمبر الجاري، وفق التقرير نفسه، أصابت غارة مبنى في البريج قرب مدرستين تابعتين للأمم المتحدة تستخدمان كمأوى، كما تضررت أسر وملاجئ مجاورة، ولم تسجل وفيات في الحادثة المذكورة، لكن نحو 24 أسرة فقدت ملاجئها، وتضررت ست أسر أخرى. وهكذا يمكن أن يحدث النزوح الجديد حتى في بيئة يفترض أنها تخضع لوقف إطلاق النار.

ويشير التقرير الأممي كذلك إلى أن الأسر التي تعيلها نساء تضاعف عددها منذ أكتوبر 2023، ليصل إلى نحو 86 ألف أسرة، أي قرابة ربع الأسر في غزة، هذه المعلومة تضيف بُعدًا اجتماعيًا إلى قصة الصمود: فالحرب لا تختبر قدرة الفرد على البقاء فقط، وإنما تعيد توزيع أدوار الأسرة نفسها، وتضع أعدادًا متزايدة من النساء أمام مسؤولية إعالة الأطفال وتأمين الغذاء والمأوى والماء.

وتكتسب العودة إلى شمال غزة أهمية خاصة في فهم ظاهرة الصمود؛ ففي يناير/كانون الثاني 2025، عاد مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى الشمال بعد السماح لهم بالمرور، رغم أن كثيرًا منهم كان يعلم أن منازلهم إما مدمرة أو متضررة بشدة، ولم ينتظر العائدون اكتمال إعادة الإعمار؛ فالعودة سبقت إعادة البناء، وكأن الأولوية بالنسبة إلى كثير منهم كانت استعادة المكان قبل استعادة المنزل.

وقد أظهرت تلك العودة أن النزوح بالنسبة إلى كثير من الفلسطينيين لم يتحول تلقائيًا إلى استقرار خارج مناطقهم. فعندما أتيح الطريق، حمل الناس ما استطاعوا حمله وساروا شمالًا، بعضهم على الأقدام وبعضهم بعربات أو سيارات، فيما كان الدمار يملأ المشهد. وبذلك أصبحت العودة نفسها إحدى أكثر صور الصمود الجماعي وضوحًا.

لكن الصورة لا ينبغي أن تختزل جميع سكان غزة في موقف واحد. ففي مقابل من يقولون إنهم لن يتركوا القطاع، هناك فلسطينيون قالوا إنهم يريدون المغادرة بسبب الحرب وفقدان المنازل وانعدام فرص الحياة. وفي مارس/آذار 2025 نقلت الجزيرة شهادات لفلسطينيين، بينهم شباب، قالوا إنهم يرغبون في الخروج من غزة. وجود هذه الرغبة لا ينفي الصمود؛ بل يكشف حجم الضغط الذي يواجهه المجتمع، ما يؤكد ذلك أن عشرات الفلسطينيين يعودون إلى القطاع يوميا رغم الإجراءات المعقدة والمخاطر التي يواجهونها، وهناك الآلاف سجلوا للعودة من مصر، بل إن العشرات منهم اضطروا لدفع أموال نقدية لتسريع العودة.

الفارق المهم هو بين «الرغبة في حياة أفضل» وبين «القبول بمغادرة الأرض تحت الضغط». فالشاب الذي يريد الخروج من أجل الدراسة أو العمل أو حماية أسرته لا يقدم بالضرورة موقفًا سياسيًا مؤيدًا للتهجير، كما أن العائلة التي ترفض المغادرة لا تعني أنها تقبل العيش في الخيمة إلى الأبد. كلا الموقفين يعكسان ظروفًا استثنائية صنعتها الحرب.

وفي سبتمبر 2026، عادت قضية إخراج الفلسطينيين من غزة إلى الواجهة السياسية الإسرائيلية؛ فقد طرح وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير خطة تمتد سبع سنوات للهجرة التي تسميها الحكومة الإسرائيلية «طوعية»، فيما جدد وزير الدفاع يسرائيل كاتس مواقف مؤيدة لمغادرة سكان القطاع. وبحسب رويترز، جاءت هذه الدعوات قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر 2026، وأثارت مجددًا المخاوف الفلسطينية من تكرار تجربة التهجير التاريخية.

وتزعم حكومة الاحتلال أن الحديث يدور عن «هجرة طوعية»، وتنفي نية نقل السكان بالقوة، فيما يؤكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تأييده لفكرة الهجرة الطوعية، لكنه قال إن مشاريع إعادة الاستيطان اليهودي في غزة التي يطرحها وزراء من اليمين المتطرف غير واقعية. وفي المقابل، ترى منظمات حقوقية ودول وهيئات دولية أن الظروف التي يعيشها السكان يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تقييم مدى «طوعية» أي انتقال.

وكانت الإدارة الأمريكية قد طرحت -على لسان رئيسها دونالد ترامب- في بداية عام 2025 تصورًا للتهجير القسري تحت مسمى “إعادة تطوير غزة”، يتضمن “نقل سكانها إلى أماكن أخرى”، وهو اقتراح أثار رفضًا فلسطينيًا وعربيًا واسعًا. وبعد ذلك تراجعت الإدارة الأمريكية عن بعض الصياغات الأكثر مباشرة المتعلقة بإخراج السكان، لكن فكرة إعادة تشكيل غزة ظلت جزءًا من النقاش السياسي الأمريكي حول مستقبل القطاع.

وتذهب الباحثة نعومي نيومان، في تحليل نشره معهد واشنطن، إلى أن طرح «ريفييرا غزة» يتجاهل، في تقديرها، واقع العلاقة الفلسطينية بالأرض ومفهوم «الصمود». وترى أن الفلسطينيين لا يتعاملون مع غزة بوصفها مجرد أرض قابلة للاستبدال بمكان آخر، وإنما بوصفها جزءًا من الهوية والذاكرة والمجتمع. هذا تفسير تحليلي قدمته نيومان، وليس حكمًا دوليًا ملزمًا.

وتقدم شهادة المزارع خالد الأسطل تطبيقًا عمليًا لهذا المفهوم الذي ناقشته نيومان: الأرض ليست فقط موقعًا للسكن، بل مصدر رزق وهوية واستمرارية؛ فعندما يقول إنه سيزرع ما تبقى من الأرض رغم الخطر، فهو يتحدث في الوقت نفسه عن الغذاء والعمل والارتباط بالمكان، وفي هذه النقطة يلتقي الصمود السياسي مع الصمود الاقتصادي والاجتماعي.

وتظهر أزمة الطاقة في خلفية كل ذلك، فمن دون الوقود والزيوت لا يمكن تشغيل مضخات المياه أو محطات التحلية أو مرافق الصرف الصحي أو المستشفيات أو المخابز. وتقول أوتشا إن السلطات الإسرائيلية وافقت منذ مارس 2026 على إدخال 13,445 لترًا من زيت المحركات، بينما ظل 92,778 لترًا قيد الانتظار حتى أحدث تقرير متاح، ويخصص الجزء الأكبر من الكمية المنتظرة للمياه والصرف الصحي وإدارة النفايات.

وهكذا يصبح الحصار في الحياة اليومية سلسلة مترابطة: نقص الوقود يضعف المياه، وضعف المياه يؤثر في الصحة، ونقص قطع الغيار يعطل المعدات، ونقص المواد يؤخر إزالة الركام، والركام يمنع عودة الأسر إلى منازلها، وفي ظل هذه السلسلة، لا يمكن قياس آثار الحرب بعدد القتلى وحده، لأن المجتمع يواجه أيضًا استنزافًا طويل المدى لمقومات الحياة.

وقدرت عملية مشتركة للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة بنحو 71.4 مليار دولار على مدى عشر سنوات، في حين تضررت أو دمرت مئات آلاف الوحدات السكنية وتعرضت قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية لخسائر ضخمة، ولذلك فإن بقاء الفلسطينيين في غزة لا يعني أن العودة إلى الحياة الطبيعية باتت قريبة؛ فالطريق إلى إعادة بناء المدن نفسها سيكون طويلًا ومكلفًا.

وفي تقرير مجلس السلام المقدم إلى مجلس الأمن في مايو/أيار 2026، يقر المجلس بأن وقف إطلاق النار تعرض خلال الفترة التي يغطيها التقرير لانتهاكات «شبه يومية»، وأن بعضها كان خطيرًا، وأن آثارها شملت مقتل مدنيين واستمرار الخوف وإعاقة الوصول الإنساني. وهذه نقطة مهمة لأنها تعني أن الوثيقة الرسمية للمجلس نفسها لا تقدم صورة عن هدنة خالية من الخروقات.

لكن المجلس يضع في الوثيقة نفسها تفسيرًا مختلفًا لأسباب تعثر التنفيذ، إذ يقول إن العقبة الرئيسية أمام استكمال خارطة الطريق، من وجهة نظره، هي رفض حماس نزع سلاحها والتخلي عن السيطرة القسرية والسماح بانتقال مدني في غزة، وفي الوقت ذاته يؤكد أن جميع الأطراف مطالبة بالحفاظ على وقف إطلاق النار، وأن كل خرق، أيًا كان مصدره، يمكن أن يقوض المسار (رغم نفي الواقع الميداني لأية خروقات صدرت من الجانب الفلسطيني منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار).

وهنا تظهر المساحة التي أثارت انتقادات لمجلس السلام: فالوثيقة تسجل الانتهاكات، لكنها تجعل نزع سلاح حماس والتغيير السياسي في غزة محورًا أساسيًا لتقدم الخطة، ومن ثم يختلف تقييم المجلس عن تقييم مصادر فلسطينية وحقوقية ترى أن الأولوية ينبغي أن تكون للضغط على إسرائيل لوقف الهجمات وتأمين وصول المساعدات.

ومن جهة أخرى، يقدم الباحث الفلسطيني محسن محمد صالح إطارًا تحليليًا أوسع لفهم سياسات إسرائيل تجاه الأرض الفلسطينية. يتحدث صالح عن تكامل بين الفعل الرسمي وغير الرسمي الإسرائيلي في الضفة الغربية، ويربط ذلك بما يسميه «الضم الفعلي» للأرض. ورغم أن حديثه في ذلك السياق يتعلق أساسًا بالضفة الغربية، فإن الإطار الذي يقدمه يساعد على فهم لماذا ينظر كثير من الفلسطينيين إلى مسألة السيطرة على الأرض بوصفها صراعًا على الجغرافيا وليس مجرد نزاع عسكري مؤقت.

ويطرح هذا التحليل سؤالًا يتجاوز غزة نفسها: هل يمكن أن يؤدي تدمير المكان وتهجير سكانه المتكرر إلى تغيير التركيبة الجغرافية والديموغرافية على المدى الطويل؟ هذا هو أحد الأسباب التي تجعل عودة الفلسطينيين إلى أحيائهم، حتى في الخيام، تحمل قيمة تتجاوز مسألة السكن. إنها تعني أن عملية تغيير الجغرافيا لم تصبح أمرًا نهائيًا بمجرد تدمير المباني.

وفي الجانب الحقوقي، قالت هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي لعام 2026 إن القوات الإسرائيلية ارتكبت، وفق تقييم المنظمة، انتهاكات واسعة تشمل التهجير القسري وأفعالًا اعتبرتها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

هنا تظل شهادة الفلسطيني العادي أكثر مباشرة: «هل أترك الأرض؟». أبو محمد رائد يجيب بالنفي، ومحمد أبو القمبوز يرفض المغادرة، ورامي خيال العمر يقول إنه لن يترك أرض عائلته، وخالد الأسطل يعود إلى الزراعة رغم الخطر. هؤلاء لا يقدمون بالضرورة موقفًا موحدًا في كل القضايا السياسية، لكنهم يقدمون شيئًا واحدًا متكررًا: الرغبة في استمرار الحياة في غزة.

ولذلك فإن الصمود الفلسطيني في غزة لا ينبغي اختزاله في صورة رجل يرفض النزوح أمام الكاميرا. الصمود يظهر أيضًا في أم تحافظ على أطفالها داخل خيمة، وطبيب يستمر في العمل رغم نقص المعدات، وخباز ينتج الخبز، ومطبخ يوزع مئات آلاف الوجبات، ومزارع يحفظ البذور، وعائلة تعود إلى ركام بيتها، وطلاب يحاولون مواصلة تعليمهم. إنها منظومة اجتماعية تحاول منع الحرب من تحويل المجتمع إلى مجرد تجمع للنازحين.

وفي المقابل، فإن حجم المعاناة يجعل من الخطأ تحويل الصمود إلى مطالبة أخلاقية بأن يبقى الفلسطينيون مهما كانت الظروف. فهناك من يريد الخروج حيث انعدمت أسباب الحياة لديه داخل القطاع. لكن السؤال السياسي والقانوني الأهم يظل: هل يستطيع المدني اتخاذ قرار الرحيل أو البقاء بحرية فعلية عندما يكون محاصرًا بالقصف والجوع وانعدام السكن والمياه والأمن؟ هنا تحديدًا تتركز واحدة من أكثر القضايا حساسية في ملف التهجير.

وبين خيمة أبو محمد رائد، وأرض خالد الأسطل الزراعية، وخيمة سلامة مهنا التي عادت إليها البذور، وبين أرقام الأمم المتحدة عن القتلى والنازحين وانعدام المياه والغذاء، تتشكل صورة غزة بعد سنوات الحرب: مجتمع شديد الإنهاك، لكنه لم يتخلَّ عن محاولات إنتاج الحياة. وقد يكون هذا هو المعنى الأكثر دقة للصمود؛ ليس أن الناس لا يخافون، ولا أنهم لا يتمنون حياة خارج دائرة الحرب، وإنما أنهم، رغم الخوف والجوع والدمار والنزوح، ما زالوا يحاولون أن يجعلوا من المكان وطنًا قابلًا للحياة.

وفي الوقت نفسه، فإن استمرار الخروقات التي يقول مجلس السلام نفسه إنها تقع بصورة شبه يومية، واستمرار سقوط الضحايا وفق تقارير الأمم المتحدة، يعني أن اختبار الصمود لم ينتهِ بعد. وما سيحدد مستقبل غزة لن يكون مقدار قدرة السكان وحدهم على الاحتمال، وإنما أيضًا قدرة الأطراف الدولية على فرض حماية فعلية للمدنيين، وضمان المساعدات، وإعادة الإعمار، ومنع النزوح القسري، والوصول إلى ترتيب سياسي يتيح لسكان القطاع أن يعيشوا في أرضهم بأمن وكرامة.

Exit mobile version