Site icon Palestinealyoum

غزة على حافة الجوع.. تقليص المساعدات يهدد نصف مليون فلسطيني وينذر بتفاقم الكارثة

شاحنات المساعدات

المركز الفلسطيني للإعلام

تتفاقم المخاوف من اتساع رقعة الجوع في قطاع غزة، مع إعلان برنامج الأغذية العالمي تقليص مساعداته الغذائية لنحو نصف مليون فلسطيني بسبب نقص التمويل، بالتزامن مع تراجع دخول شاحنات الإغاثة بأكثر من 43% خلال شهر واحد، في وقت يعتمد فيه أكثر من 95% من سكان القطاع على المساعدات الإنسانية، وسط استمرار تداعيات الحرب والحصار والدمار، واقتراب فصل الشتاء.

ويضع هذا التطور مئات آلاف الأسر الفلسطينية أمام تهديد مباشر لأمنها الغذائي، في ظل تآكل قدرتها على توفير الاحتياجات الأساسية، وفقدان مصادر الدخل والممتلكات، بينما تحذر جهات حكومية وحقوقية من أن تقليص الإغاثة سيعمّق الأزمة الإنسانية، ويزيد مخاطر سوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى والنازحين.

وبحسب تقرير نشرته وكالة «رويترز» في 19 أكتوبر/تشرين الأول، سيخفض برنامج الأغذية العالمي عدد المستفيدين من مساعداته الغذائية الشهرية في غزة من 1.6 مليون شخص إلى 1.1 مليون، بسبب نقص التمويل، إلى جانب تقليص الحصص الغذائية والمساعدات النقدية والوجبات الساخنة.

وتشمل الإجراءات خفض الحصص الغذائية إلى النصف، وتقليص المساعدات النقدية المقدمة إلى 75 ألف أسرة، وخفض عدد الوجبات الساخنة اليومية من 250 ألفاً إلى 150 ألف وجبة، فيما سيضطر بعض السكان في المناطق صعبة الوصول إلى الاكتفاء بوجبة ساخنة كل يومين بدلاً من يومياً.

وتعكس هذه الإجراءات اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية المتزايدة والموارد المتاحة للاستجابة لها، في وقت لا تزال فيه أعداد كبيرة من الفلسطينيين تعتمد على برامج الإغاثة لتأمين الحد الأدنى من الغذاء، بعد أن ألحقت الحرب أضراراً واسعة بمقومات الحياة، وأفقدت آلاف العائلات مصادر رزقها.

تراجع المساعدات بأكثر من 43%

وفي مؤشر إضافي على حجم الأزمة، حذّر محمد صالحة، مدير شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة، من الانخفاض الحاد في كميات المساعدات الإنسانية التي تدخل إلى القطاع، مشيراً إلى تراجع أعداد الشاحنات الإغاثية بأكثر من 43% خلال الفترة الأخيرة.

وأوضح صالحة، في تصريحات صحفية، أن عدد شاحنات المساعدات انخفض من 2182 شاحنة خلال أغسطس/آب الماضي إلى 1244 شاحنة في سبتمبر/أيلول، بفارق 938 شاحنة خلال شهر واحد.

وقال إن أكثر من 95% من سكان القطاع يعتمدون بصورة أساسية على المساعدات الإنسانية، بعدما فقدت آلاف العائلات مصادر دخلها وممتلكاتها خلال الحرب، وأصبحت عاجزة عن توفير احتياجاتها اليومية من الغذاء والمواد الأساسية.

وأضاف أن الاحتياجات الإنسانية اليومية تتراوح بين 600 و800 شاحنة محملة بالمساعدات والبضائع والمواد الأساسية، بينما تشير تقديرات ميدانية إلى دخول نحو 180 إلى 250 شاحنة في بعض الفترات، ما يعكس استمرار العجز الكبير في حجم الإمدادات.

ولا تتوقف المشكلة عند عدد الشاحنات، بل تمتد إلى طبيعة المواد التي تدخل القطاع، إذ تحتاج المؤسسات الإنسانية إلى كميات كبيرة من الطحين والمواد الغذائية والأدوية والوقود ومستلزمات الإيواء، في وقت تواجه فيه برامج إغاثية نقصاً في الإمدادات والتمويل.

وأكد صالحة أن ارتفاع أعداد الشاحنات التجارية لا يعوض النقص في المساعدات الإنسانية، لأن شرائح واسعة من الفلسطينيين لم تعد تمتلك القدرة الشرائية لشراء احتياجاتها من الأسواق، بعدما استنزفت الحرب مدخراتها وأفقدتها مصادر رزقها.

وتكشف هذه المعطيات عن أزمة مركبة؛ فحتى عندما تتوفر بعض السلع في الأسواق، لا يعني ذلك أن الأسر المنهكة قادرة على شرائها، فيما يؤدي تراجع المساعدات المجانية إلى زيادة الأعباء على العائلات التي فقدت مصادر دخلها، ويجعل تأمين الغذاء مرتبطاً بقدرة شرائية تآكلت بفعل الحرب.

تحذيرات من انهيار المنظومة الإغاثية

من جهتها، حذّرت وزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة من انهيار المنظومة الإغاثية وشبكات الأمان الاجتماعي، عقب إعلان برنامج الأغذية العالمي تقليص مساعداته لنحو نصف مليون فلسطيني.

وقالت الوزارة إن القرار سيؤثر مباشرة في عشرات آلاف العائلات الفقيرة والأرامل والأيتام وكبار السن وذوي الإعاقة والنازحين، محذرة من ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال والنساء الحوامل.

وأشارت إلى أن طواقمها ولجان الطوارئ والشركاء المحليين عاجزون عن سد الفجوة الإغاثية، في ظل شح المواد الأساسية وتوقف عدد من المطابخ والمؤسسات الشريكة عن العمل.

ودعت الوزارة برنامج الأغذية العالمي ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية إلى إعلان حالة الطوارئ الإنسانية، وتوفير تمويل عاجل لاستئناف المساعدات الغذائية، إلى جانب تكثيف الجهود لتوفير السلال الغذائية والوجبات الطارئة، وإنشاء مظلة حماية اجتماعية تحد من تفاقم الجوع.

وتبرز هذه التحذيرات حجم الاعتماد على منظومة الإغاثة في غزة، إذ لا تقتصر آثار تقليص المساعدات على الأسر التي تفقد حصصها الغذائية، بل تمتد إلى المؤسسات المحلية والمطابخ المجتمعية التي تواجه أصلاً نقصاً في الموارد، ما يهدد بتوسيع دائرة الحرمان الغذائي.

حقوقيون: الغذاء حق لا يخضع لحسابات التمويل

وفي ردود الفعل الحقوقية، طالبت إيمان أبو عويمر، الباحثة في مجال حقوق الإنسان، برنامج الأغذية العالمي بالتراجع عن القرار، مؤكدة أن الحق في الغذاء حق إنساني أساسي يرتبط بالحق في الحياة والكرامة، ولا يجوز إخضاعه لحسابات التمويل أو التجاذبات السياسية.

وقالت أبو عويمر، إن نقص التمويل لا يبرر التخلي عن المسؤوليات الإنسانية تجاه المدنيين، ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى، معتبرة أن تحميل الفلسطينيين في غزة تبعات عجز التمويل الدولي أمر غير مقبول.

ودعت الدول المانحة إلى توفير تمويل فوري ومستدام يضمن استمرار المساعدات ووصولها إلى مستحقيها دون عوائق، محذرة من أن تأخير الاستجابة يفاقم مخاطر الجوع وسوء التغذية.

وفي السياق ذاته، طالب مركز حماية لحقوق الإنسان برنامج الأغذية العالمي بالتراجع عن القرار وضمان استمرار المساعدات دون انقطاع، محذراً من تداعيات حرمان نحو نصف مليون فلسطيني من الدعم الغذائي في ظل الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع.

وأكد المركز أن الغذاء ليس منحة مشروطة أو امتيازاً قابلاً للسحب والتعطيل، بل حق أساسي لا يجوز المساس به أو إخضاعه لأولويات المانحين، داعياً الدول المانحة إلى تحويل تعهداتها إلى مساهمات فعلية تسد العجز المالي وتضمن استمرارية البرامج الغذائية والإغاثية.

وشدد على ضرورة وصول المساعدات إلى جميع المحتاجين بصورة آمنة وسريعة، دون عوائق أو شروط، وتوفير الظروف اللازمة لعمل المنظمات الإنسانية وحماية العاملين فيها.

المكتب الحكومي يحمّل الاحتلال المسؤولية

بدوره، حذّر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة من التداعيات الكارثية لقرار تقليص المساعدات الغذائية، معتبراً أنه ينذر بتسريع وتيرة المجاعة وتعميق الأزمة الإنسانية، ولا سيما بين الأطفال والنساء والمرضى وكبار السن.

وحمّل المكتب الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية عن تداعيات القرار، في ظل استمرار الحصار وتقييد دخول المساعدات الإنسانية، واعتبر أن استخدام الغذاء أداة للعقاب الجماعي يفاقم معاناة المدنيين.

ودعا الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى التحرك الفوري لتوفير التمويل اللازم وضمان استمرار عمل برنامج الأغذية العالمي، والضغط على الاحتلال لفتح المعابر كافة والسماح بتدفق المساعدات دون قيود أو شروط.

كما وجّه نداءً إلى الدول العربية والإسلامية والجهات الداعمة للتحرك العاجل، وتوفير الدعم المالي لبرامج الإغاثة، والعمل على إدخال الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية والطبية والإغاثية.

وتتلاقى هذه المطالب مع دعوة الجهات الحقوقية إلى عدم تحميل سكان القطاع نتائج أزمة التمويل، وضمان ألا تتحول المساعدات الإنسانية إلى استجابة متقطعة لا تواكب حجم الاحتياجات، في وقت لا تزال فيه مقومات التعافي محدودة.

الشتاء يضاعف معاناة النازحين

وتأتي أزمة الغذاء بالتزامن مع اقتراب الشتاء، وسط أوضاع إيواء بالغة الصعوبة يعيشها مئات آلاف النازحين في خيام مهترئة ومراكز إيواء تفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية من الأمطار والبرد.

وقال صالحة إن نحو 75% من خيام النازحين لم تعد توفر الحماية الكافية، مشيراً إلى أن بعض العائلات، التي يتراوح عدد أفرادها بين سبعة وثمانية أشخاص، تعيش داخل خيمة واحدة، وسط نقص حاد في الأغطية والملابس الشتوية ومواد العزل ومستلزمات التدفئة.

وأضاف أن الاستجابة المطلوبة لا ينبغي أن تقتصر على إدخال الخيام، بل يجب أن تشمل توفير وحدات سكنية مؤقتة ومواد ترميم ومعدات لتصريف مياه الأمطار، خصوصاً في المناطق المنخفضة والمكتظة بالنازحين.

وتتضاعف المخاطر مع تزامن نقص الغذاء مع ضعف المأوى والخدمات الصحية، إذ تواجه الأسر الأكثر هشاشة صعوبة في توفير الطعام والملابس والتدفئة، بينما تزيد الظروف المعيشية القاسية من الأخطار التي تهدد الأطفال والمرضى وكبار السن.

ووفقاً لما أورده تقرير «رويترز»، يحتاج برنامج الأغذية العالمي إلى 450 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة لمواصلة عملياته في غزة والضفة الغربية المحتلة، في وقت تتسع فيه الاحتياجات الإنسانية وتتزايد التحذيرات من تراجع القدرة على الاستجابة لها.

وتكشف الأرقام مجتمعة عن أزمة تتجاوز تقليص حصة غذائية أو وقف دعم عن مجموعة من المستفيدين؛ فالتراجع الحاد في الشاحنات، وفقدان القدرة الشرائية، ونقص التمويل، وتدهور ظروف الإيواء، عوامل تتداخل لتضع الفلسطينيين أمام مخاطر متزايدة.

ومع اقتراب الشتاء، تبدو الحاجة ملحّة إلى ضمان تدفق المساعدات بكميات تتناسب مع الاحتياجات الفعلية، وتوفير تمويل مستدام للبرامج الإنسانية، وفتح المعابر أمام الإمدادات الأساسية، حتى لا يجد مئات آلاف الفلسطينيين أنفسهم أمام مزيد من الجوع والحرمان في ظل استمرار آثار الحرب والحصار.

Exit mobile version