Site icon Palestinealyoum

غزة في قبضة أزمة نقدية مركّبة.. رواتب متآكلة وأموال يعجز أصحابها عن إنفاقها

غزة في قبضة أزمة نقدية مركّبة.. رواتب متآكلة وأموال يعجز أصحابها عن إنفاقها

المركز الفلسطيني للإعلام

لم تعد أزمة السيولة النقدية في قطاع غزة مقتصرة على شح الأموال المتداولة أو صعوبة الحصول عليها، بل تجاوزت ذلك إلى مفارقة اقتصادية أكثر تعقيداً، بات معها المواطن عاجزاً أحياناً عن إنفاق الأموال التي يمتلكها، في ظل رفض بعض التجار قبول الأوراق النقدية المهترئة، وفرض عمولات على تحويلها إلى أرصدة إلكترونية، بالتزامن مع تآكل الدخول وتأخر الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة.

وتكشف هذه الأزمة عن اختلال عميق في الدورة الاقتصادية، لم تعد فيه النقود تؤدي وظيفتها الطبيعية بوصفها وسيطاً للتبادل، وإنما أصبحت عملية الحصول عليها وتصريفها واستخدامها خاضعة لاشتراطات تفرضها ظروف السوق واختلالات النظام المالي، ما يضاعف الأعباء على المواطنين، خصوصاً الموظفين والأسر محدودة الدخل.

ولا تنفصل هذه المفارقة عن تداعيات الحرب الإسرائيلية على البنية المصرفية والاقتصادية، والقيود المفروضة على حركة النقد من وإلى القطاع، إذ أدى استمرار منع تجديد الأوراق النقدية وإخراج الفائض منها إلى تراكم اختلالات في توزيع السيولة، وظهور سوق تتفاوت فيها قدرة الأطراف على الوصول إلى الأموال والتصرف بها.

سيولة محاصرة.. أموال خارج التداول وأزمة تتجاوز نقص النقد

في الظروف الاقتصادية الطبيعية، تنتقل الأموال بين المستهلك والتاجر والمورد، بما يضمن استمرار النشاط التجاري ودوران رأس المال داخل الأسواق. لكن هذه الدورة تعرضت لاختلالات واسعة في غزة بفعل الحرب وتضرر البنية المصرفية وتقييد حركة النقد.

وفي هذا السياق، كشف القائم بأعمال الغرفة التجارية في غزة، رياض السوافيري، عن وجود ما بين 400 و500 مليون شيكل خارج التداول اليومي، نتيجة تركز كميات كبيرة من النقد لدى فئة محدودة من كبار التجار وأصحاب رؤوس الأموال، وهو ما يعكس أن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم الأموال المتاحة، وإنما أيضاً بمدى قدرتها على الانتقال بين مختلف أطراف السوق.

وتكمن خطورة هذا الاختلال في أن الأموال التي تبقى خارج التداول، مهما كان حجمها، لا تسهم في تنشيط الأسواق أو تلبية احتياجات المواطنين، بل يؤدي احتجازها إلى إضعاف قدرة التجار الصغار على توفير البضائع، ويحد من حركة البيع والشراء، ويعمق أزمة السيولة لدى الشرائح التي تحتاج إلى النقد في معاملاتها اليومية.

واقترح السوافيري تخصيص نسبة من المعاملات التجارية للدفع النقدي وفق جداول منظمة، بما يساعد على إعادة ضخ الأموال في الأسواق وتنشيط حركة التداول، في إشارة إلى أن الحل لا يرتبط فقط بتوفير كميات إضافية من النقد، وإنما أيضاً بإعادة توزيع الكتلة الموجودة وضمان انتقالها بين مختلف الأنشطة الاقتصادية.

قيود الاحتلال تعمّق الاختناق.. كتلة نقدية تتآكل وأسواق تفقد توازنها

لا يمكن فهم أزمة السيولة بمعزل عن القيود الإسرائيلية على نقل فائض الشيكل وإدخال أوراق نقدية جديدة إلى القطاع، وهي قيود تسببت في استمرار تداول أوراق فقدت جزءاً كبيراً من جودتها، وأضعفت قدرة المصارف على تجديد النقد وإعادة توزيعه بصورة طبيعية.

وقد أوضح نائب محافظ سلطة النقد الفلسطينية، محمد مناصرة، أن تراكم الشيكل يرتبط بالقيود الإسرائيلية المفروضة على شحن الفائض النقدي، مشيراً إلى أن السقف المحدد لشحن العملة لم يعد يتناسب مع حجم التداول، وأن سلطة النقد تسعى إلى زيادة الكميات المسموح بنقلها.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة؛ لأنها توضح أن أزمة السيولة ليست مجرد نتيجة لضعف النشاط التجاري أو سوء إدارة الأموال داخل القطاع، بل ترتبط أيضاً بعوامل خارجية تتحكم في حركة النقد، وتحد من قدرة النظام المصرفي على أداء دوره في توفير الأوراق النقدية الصالحة للتداول.

ومع استمرار هذه الظروف، تصبح الأوراق النقدية المهترئة أكثر حضوراً في المعاملات، فيما تتراجع قدرة النظام المصرفي على ضخ النقد وتوزيعه، وهو ما يخلق اختلالاً في حركة الأموال ويزيد صعوبة وصولها إلى المواطنين والتجار الصغار.

من المورد إلى المستهلك.. اشتراطات الدفع تنقل عبء الأزمة إلى المواطنين

لا يتوقف الاختناق عند حدود المصارف، بل ينتقل إلى الأسواق عبر سلسلة من الاشتراطات التجارية، إذ يفضل بعض الموردين التعامل بالأرصدة والتحويلات الإلكترونية، بينما يجد التجار الصغار أنفسهم مضطرين إلى قبول هذه الشروط حتى يتمكنوا من الحصول على البضائع، وهو ما يضع المستهلك في نهاية المطاف أمام خيارات محدودة.

وفي هذا الإطار، أوضح ناهض شحيبر أن عدم دخول كتل نقدية جديدة إلى غزة أو إخراج الفائض منها منذ بداية الحرب أدى إلى اهتراء الأوراق النقدية وتكدس الأموال لدى كبار التجار، مقابل تراجع قدرة صغار التجار والمواطنين على الوصول إليها.

وتكشف هذه الشهادة عن خلل في توزيع السيولة داخل السوق، حيث لا تتساوى الأطراف في القدرة على الاحتفاظ بالنقد أو تصريفه أو تحويله إلى أرصدة قابلة للاستخدام.

ومن هنا، فإن رفض بعض التجار للأوراق المهترئة لا يمكن قراءته باعتباره مجرد سلوك فردي، بل يأتي في سياق أزمة أوسع تتعلق بقدرة التاجر نفسه على استخدام الأموال التي يتسلمها في شراء البضائع وتسوية التزاماته مع الموردين. غير أن هذه الصعوبات، مهما كانت مبرراتها، تنقل عبء الأزمة إلى المستهلك، الذي يجد نفسه مضطراً إلى البحث عن وسيلة دفع بديلة أو تحمل خسارة مالية إضافية.

رواتب متآكلة.. الموظفون يدفعون ثمن تعطل الدورة المالية

تظهر إحدى أكثر نتائج هذا الاختلال قسوة في أوضاع الموظفين الذين يعيشون أصلاً أزمة دخل متفاقمة، نتيجة عدم انتظام صرف مستحقاتهم وتراجع قدرتها الشرائية.

فالموظف الذي ينتظر أشهراً للحصول على دفعة مالية محدودة، لا يستطيع التعامل معها باعتبارها دخلاً مستقراً، خصوصاً عندما يجد نفسه مضطراً إلى دفع عمولات أو قبول خسارة جزء من قيمتها بسبب حالة الأوراق النقدية.

وفي 21 أكتوبر/تشرين الأول، حذرت نقابة الموظفين العموميين في غزة من استمرار تأخر المستحقات المالية لآلاف الموظفين، مشيرة إلى أن كثيرين منهم يعيشون ظروفاً معيشية قاسية في الخيام ومراكز الإيواء، ويعجزون عن توفير احتياجات أسرهم الأساسية في ظل ارتفاع الأسعار.

وطالبت النقابة بصرف المستحقات المتأخرة، والالتزام بمواعيد شهرية ثابتة، وضمان تسليم الموظفين أوراقاً نقدية صالحة للتداول.

ولا تعكس هذه المطالب مجرد رغبة في تحسين آلية الصرف، بل تكشف عن تداخل أزمتين تضاعف إحداهما أثر الأخرى: أزمة الحصول على الدخل، وأزمة القدرة على استخدامه بعد الحصول عليه.

فالتأخر في صرف الراتب يقلص قدرة الأسرة على التخطيط لمصروفاتها، وتراجع القوة الشرائية يخفض كمية السلع التي يمكن شراؤها، ثم تأتي أزمة النقد لتضيف اقتطاعات جديدة وتضع عوائق أمام إنفاق المبلغ المتبقي.

عمولات على أموال المواطنين.. سوق موازية تستثمر في أزمة النقد

أفرزت الأزمة سوقاً موازية لخدمات تحويل الأموال، تقوم على مبادلة النقد الورقي بالأرصدة الإلكترونية أو تحويل الأرصدة إلى أموال نقدية، مقابل عمولات متفاوتة.

وتشير تقارير ميدانية إلى أن عمولات تحويل النقد الورقي إلى رصيد إلكتروني تراوحت بين 3% و10%، وفق حالة الأوراق النقدية والجهة التي تقدم الخدمة.

وهذا يعني أن المواطن الذي يمتلك ألف شيكل قد يخسر ما يصل إلى مئة شيكل لمجرد تحويل أمواله إلى رصيد إلكتروني، قبل أن يشتري أي احتياجات أساسية.

وسبق أن حذرت سلطة النقد الفلسطينية من استغلال حاجة المواطنين إلى السيولة، مشيرة إلى أن بعض الأشخاص والتجار وأصحاب محال الصرافة غير المرخصة تقاضوا نسباً مرتفعة مقابل توفير النقد للمواطنين من حساباتهم المصرفية.

وتكمن خطورة هذه الممارسات في أنها تفرض تكلفة إضافية لا ترتبط بإنتاج سلعة أو تقديم خدمة جديدة، وإنما تنشأ من اختلال نظام الدفع نفسه، ما يجعل المواطن يدفع مقابل القدرة على استخدام أمواله قبل أن يشتري احتياجاته الأساسية.

وتزداد خطورة ذلك عندما تكون الأموال المخصصة للتحويل عبارة عن رواتب محدودة أو مساعدات إنسانية لا تحتمل اقتطاعات جديدة.

الدفع الإلكتروني.. بديل تصطدم فعاليته بانهيار البنية التحتية

قد يبدو التوسع في الدفع الإلكتروني حلاً لأزمة النقد الورقي، لكنه يحتاج إلى بنية تحتية مستقرة تشمل الكهرباء والإنترنت والاتصالات والخدمات المصرفية، وهي شروط لا تتوفر بصورة منتظمة في قطاع غزة.

وفي هذا السياق، أكد نائب محافظ سلطة النقد محمد مناصرة أن التوسع في المدفوعات الإلكترونية ضرورة اقتصادية في ظل القيود الإسرائيلية على شحن النقد، لكنه شدد على أن التطبيق الشامل لأي توجه لتقليل استخدام النقد يتطلب أولاً توفير بنية تحتية متكاملة وضمان وصول الخدمات إلى مختلف المناطق والقطاعات.

وهذا يضع التحول الرقمي أمام تحدٍ حقيقي؛ فالمواطن الذي يمتلك رصيداً إلكترونياً قد يجد نفسه عاجزاً عن استخدامه عند انقطاع الإنترنت أو الكهرباء، أو تعطل الخدمات المصرفية.

ومن ثم، فإن التوسع في الدفع الإلكتروني دون توفير مقوماته قد ينقل الأزمة من نقص النقد إلى تعذر إتمام المعاملات، كما قد يحرم فئات واسعة من التعامل بحرية بأموالها.

ولهذا ينبغي أن يكون التحول الرقمي خياراً متاحاً ومكملاً للتعامل النقدي، لا وسيلة لفرض أعباء جديدة على المواطنين أو إجبارهم على دفع عمولات إضافية.

اختلال موازين السوق.. كبار الموردين أقوى والصغار والمستهلكون أضعف

على المستوى الأوسع، تكشف الأزمة عن اختلال موازين القوة داخل السوق، حيث يمتلك الموردون وكبار التجار قدرة أكبر على تحديد شروط الدفع، بينما يضطر صغار التجار إلى التكيف معها، ويجد المستهلك نفسه الطرف الأقل قدرة على الاعتراض أو الاختيار.

ومع ضعف المنافسة وتراجع السيولة، تصبح فرص فرض العمولات والاشتراطات التجارية أكبر، وتتسع الفجوة بين من يمتلك القدرة على الوصول إلى قنوات الدفع ومن لا يمتلكها.

ولا تعني هذه المعادلة أن جميع التجار يستغلون الأزمة، فبعضهم يواجه صعوبات حقيقية في تصريف النقد وتسوية التزاماته، لكن استمرار هذه الاختلالات يخلق بيئة تسمح بتحميل الطرف الأضعف تكاليف لا يستطيع تحملها.

وتتجاوز التداعيات المعاملات اليومية لتؤثر في الثقة بالنظام المالي نفسه؛ فعندما تصبح قيمة الورقة النقدية العملية مرتبطة بمدى قبول التاجر لها، وعندما يضطر المواطن إلى دفع نسبة من أمواله حتى يتمكن من استخدامها، تتراجع الثقة في انتظام السوق وقدرتها على ضمان المعاملات.

كما أن خروج الأموال من التداول يضعف حركة رأس المال، ويحد من قدرة المحال الصغيرة على تجديد بضائعها، ويزيد اعتماد الأسر على المساعدات والديون، بما يفاقم الانكماش الاقتصادي ويؤخر أي إمكانية لاستعادة النشاط التجاري.

معالجة الجذور.. إنهاء القيود وضبط العمولات واستعادة التداول

تتطلب معالجة الأزمة التحرك على أكثر من مستوى، يبدأ بالضغط لإنهاء القيود الإسرائيلية على إدخال النقد الجديد وإخراج الفائض النقدي، وتوفير آليات لاستبدال الأوراق التالفة، وإعادة توزيع السيولة المتاحة بما يضمن وصولها إلى مختلف أطراف السوق.

كما تستدعي حماية المواطنين من العمولات المبالغ فيها، وتنظيم خدمات الترصيد والتكييش، وضمان شفافية تكاليفها، إلى جانب انتظام صرف مستحقات الموظفين وتوفير أوراق نقدية صالحة للتداول، وحماية صغار التجار من الاختناق المالي.

وفي الوقت نفسه، تبرز الحاجة إلى تطوير وسائل الدفع الإلكتروني وتوسيع الوصول إليها، دون تحويلها إلى شرط إجباري على المستهلكين، وبما يضمن استمرار التعاملات النقدية في ظل هشاشة البنية التحتية للاتصالات والكهرباء.

وفي المحصلة، لا تكمن مأساة أزمة السيولة في غزة في أن المواطنين لا يمتلكون المال فحسب، بل في أنهم باتوا يواجهون صعوبة في الوصول إليه وتداوله والاستفادة منه. فالموظف ينتظر راتبه، والتاجر يبحث عن نقد يستطيع تصريفه، والمستهلك يدفع عمولة حتى ينفق أمواله، فيما تستمر القيود والحرب في تقويض مقومات الدورة الاقتصادية.

وبذلك، يصبح المال الذي يفترض أن يخفف أعباء الحياة مصدراً لمعاناة إضافية، في مشهد يكشف كيف تحولت أزمة النقد من مشكلة مصرفية إلى أزمة معيشية تضرب تفاصيل الحياة اليومية في قطاع غزة.

Exit mobile version