
المركز الفلسطيني للإعلام/ خاص
مع اقتراب موسم الأمطار، لا ينتظر مئات آلاف النازحين في قطاع غزة الشتاء بوصفه فصلًا عابرًا، بل يستعدون لمواجهة خطر قد يتسلل إلى خيامهم من الأرض، ويمزق أغطيتهم مع الرياح، ويغمر فرشهم وملابس أطفالهم بالمياه، بينما يقف كثيرون أمام خيارات محدودة لا تضمن لهم مأوى آمنًا.
وفي مشهد يلخص حجم المفارقة، يحاول نازحون استخدام أكياس الطحين الفارغة، بعد ملئها بالرمال، لإقامة حواجز تحول دون تسرب مياه الأمطار إلى أماكن إقامتهم.
فما كان يومًا وعاءً للحصول على الغذاء، بات وسيلة بدائية لمقاومة المياه، في ظل عجز كثير من الأسر عن تأمين خيام سليمة أو مواد كافية لتدعيمها. ونقلت الأمم المتحدة، في تقرير نشرته في 17 أكتوبر/تشرين الأول، صورة عن هذه الاستعدادات الفردية التي تعكس حجم الهوة بين احتياجات النازحين وإمكانات حمايتهم من الشتاء.
وتأتي هذه المخاوف في وقت يعيش فيه معظم سكان القطاع ظروف نزوح قاسية، بعدما دمرت الحرب مساحات واسعة من الأحياء السكنية والبنية التحتية، وأجبرت العائلات على الإقامة في خيام وملاجئ مؤقتة أو مبانٍ متضررة.
ومع تراجع قدرة هذه الأماكن على توفير الحماية من البرد والمطر، تتحول الاستعدادات للشتاء إلى سباق مع الزمن، لا تملك الأسر وحدها أدوات حسمه.
فالقضية لم تعد مقتصرة على توفير البطانيات والملابس الشتوية، بل تتعلق بمنع غرق مواقع النزوح، وتأمين المأوى، وتصريف مياه الأمطار والصرف الصحي، ومعالجة مخاطر المباني المتصدعة، وضمان وصول المساعدات إلى الأسر قبل أن تتحول الأحوال الجوية إلى كارثة جديدة.
مئات الآلاف أمام خطر الفيضانات
وحذرت الأمم المتحدة من اتساع مخاطر الفيضانات في قطاع غزة مع اقتراب موسم الأمطار.
ووفق تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الصادر في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2026، قيّمت الجهات الإنسانية أكثر من 400 موقع للنزوح، وحددت 217 موقعًا ضمن الفئات المتوسطة إلى العالية الخطورة، تؤوي نحو 235 ألف شخص.
كما أظهرت تقديرات أولية لمجموعة المأوى أن أكثر من 4 آلاف مبنى غير آمن يحتاج إلى هدم كلي أو جزئي، بينما لا يزال أكثر من 2300 مبنى منها مأهولًا، ويقيم فيها قرابة 44 ألف شخص.
ويعني ذلك أن التهديد لا يقتصر على الخيام التي قد تغمرها المياه، بل يمتد إلى عائلات تجد نفسها مضطرة إلى البقاء داخل منشآت قد لا تتحمل مزيدًا من التدهور أو الظروف الجوية القاسية.
وتزداد مخاطر الفيضانات في المناطق المنخفضة، والمواقع القريبة من الشاطئ والبحيرات الساحلية، والأماكن التي تعطلت فيها شبكات تصريف المياه أو انسدت بفعل الركام والنفايات.
وفي هذه المواقع، قد يؤدي هطول الأمطار إلى تجمع المياه حول الخيام وداخلها، وإضعاف الأرض التي تستند إليها، وتعطيل الممرات التي يستخدمها السكان للوصول إلى المرافق الصحية ونقاط توزيع الغذاء والمياه.
ولا تكمن المشكلة في حجم المطر وحده، بل في قدرة البيئة المحيطة على استيعابه وتصريفه. فالأمطار التي يمكن أن تمر بصورة طبيعية في منطقة تتوافر فيها شبكات تصريف فعالة، قد تتحول إلى مصدر خطر في موقع مكتظ بالخيام، تفتقر أرضه إلى التسوية، وتحيط به أكوام الركام، ولا تتوافر فيه مضخات كافية أو قنوات لتوجيه المياه بعيدًا عن أماكن الإقامة.
مأوى لا يصمد أمام الرياح والمياه
تعيش أعداد كبيرة من النازحين في خيام تآكلت بفعل الاستخدام الطويل والتعرض المتكرر للشمس والرياح والأمطار.
وبعض هذه الملاجئ لا يوفر حماية كافية من تسرب المياه أو انخفاض درجات الحرارة، فيما تضطر أسر أخرى إلى الإقامة في منشآت متضررة لعدم توافر بدائل مناسبة.
وفي تقرير نشرته وكالة رويترز في 9 أكتوبر/تشرين الأول، نقلت الوكالة عن المنظمة الدولية للهجرة أن نحو مليوني شخص في غزة يحتاجون إلى مساعدات تتعلق بالمأوى قبل الشتاء، وأن الاحتياجات الخاصة بمستلزمات الإيواء الشتوي لم تُغطَّ إلا بنسبة تقارب 17%. كما أشارت المنظمة إلى أن أكثر من نصف الخيام والملاجئ المؤقتة في القطاع تحتاج إلى الاستبدال بسبب تدهور حالتها، وأن نحو 1.8 مليون شخص يعيشون في مواقع نزوح، معظمها معرض لمخاطر الفيضانات.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأن الخيمة، مهما كانت ضرورية في الاستجابة الطارئة، ليست بديلًا مستقرًا للسكن، ولا يُفترض أن تتحول إلى مأوى طويل الأمد في مواجهة مواسم متعاقبة من البرد والأمطار.
ومع طول أمد النزوح، تتراجع قدرة المواد المؤقتة على التحمل، بينما تتراكم احتياجات الأسر التي استهلكت مدخراتها وفقدت ممتلكاتها وأصبحت عاجزة عن شراء بدائل بنفسها.
وفي كثير من الحالات، لا تملك الأسرة سوى محاولة إصلاح الخيمة بما يتوافر لديها من أغطية أو أخشاب أو قطع بلاستيكية، أو رفع الفرش عن الأرض، أو وضع أكياس الرمل عند المداخل.
لكنها إجراءات فردية لا تعالج الخلل الأساسي في المأوى، ولا تمنع بالضرورة تسرب المياه أو انهيار الخيمة أمام الرياح القوية.
وتزداد المعضلة تعقيدًا حين لا تستطيع العائلات الانتقال إلى مبانٍ أكثر أمانًا؛ فالمباني المتضررة قد تحمل مخاطر الانهيار، فيما تعاني المناطق المتاحة من الاكتظاظ، وتبقى خيارات الانتقال مقيدة بتوافر الأرض والخدمات والقدرة على نقل الاحتياجات الأساسية.
شتاء يهدد الأطفال والمرضى
تتجاوز آثار الشتاء في غزة البلل والبرد إلى مخاطر صحية تتفاقم بفعل سوء التغذية، والاكتظاظ، وضعف خدمات الصرف الصحي، ونقص الرعاية الطبية. فالأطفال الذين يعيشون في خيام رطبة، وينامون على فرش مبللة، ولا يملكون ملابس جافة أو أغطية كافية، يصبحون أكثر عرضة لانخفاض حرارة الجسم والأمراض التنفسية والعدوى المرتبطة بتلوث المياه.
وفي خطة الاستعداد لفصل الشتاء 2026-2027، قالت اليونيسف إن نحو 84% من سكان قطاع غزة، أي أكثر من 1.76 مليون شخص، يعيشون في مواقع نزوح مكتظة أو ملاجئ متضررة وغير ملائمة، لا توفر حماية كافية من البرد والأمطار الغزيرة والفيضانات. وحذرت المنظمة من أن هذه الظروف ترفع مخاطر انخفاض حرارة الجسم، والتهابات الجهاز التنفسي، والأمراض المنقولة بالمياه، خصوصًا بين الأطفال الصغار والرضع ومن يعانون أمراضًا سابقة.
ووفق الخطة نفسها، توفي ما لا يقل عن 11 طفلًا، بينهم رضع، بسبب انخفاض حرارة الجسم خلال الشتاء السابق في غزة، بحسب ما أوردته المنظمة. ويكشف ذلك أن التعرض للبرد في بيئة تفتقر إلى المأوى المناسب ليس مجرد معاناة موسمية، بل خطر قد تكون له عواقب قاتلة، خصوصًا عندما تجتمع الرطوبة مع نقص الملابس والأغطية وضعف الرعاية الصحية.
ولا تقف المخاطر عند الأطفال. فالمسنون، والأشخاص ذوو الإعاقة، والجرحى، والمرضى الذين يحتاجون إلى أدوية منتظمة أو أجهزة مساعدة، يواجهون صعوبات إضافية في الانتقال داخل مواقع تغمرها المياه أو تعبرها ممرات موحلة. وقد يصبح الوصول إلى نقطة طبية أو سيارة إسعاف أكثر صعوبة عندما تتجمع المياه في الطرق أو تتضرر المسارات بين الخيام.
كما أن تبلل الفرش والملابس يفرض على الأسر استنزافًا إضافيًا لمواردها المحدودة؛ إذ تحتاج إلى أماكن جافة لتخزين الأغطية، وملابس بديلة للأطفال، ووسائل لتجفيف ما ابتل، في وقت لا تتوافر فيه الكهرباء والخدمات المنزلية بصورة منتظمة لدى كثير من النازحين.
الصرف الصحي والركام.. خطر يتضاعف مع الأمطار
تواجه الاستعدادات للشتاء عقبة أخرى تتمثل في تضرر شبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، ونقص المعدات اللازمة لصيانتها وتشغيلها. فحين تختلط مياه الأمطار بمياه الصرف أو تمر فوق مناطق ملوثة بالنفايات، لا يعود الخطر محصورًا في غمر الخيام، بل يمتد إلى تلوث البيئة المحيطة وزيادة احتمالات انتشار الأمراض.
وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في تقريره الصادر في 2 أكتوبر/تشرين الأول، أن الجهود الجارية تشمل تنظيف قنوات التصريف، وتدعيم الملاجئ، وإصلاح أجزاء من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، وتحديد مواقع يمكن نقل الأسر إليها طوعًا إذا تعذر الحد من مخاطر الفيضانات في أماكنها الحالية. لكن هذه التدخلات تواجه قيودًا مرتبطة بنقص التمويل، ومخاطر الوصول، والقيود المفروضة على دخول المواد والمعدات.
وتوضح هذه المعطيات أن مواجهة الشتاء لا يمكن أن تقتصر على توزيع الخيام والبطانيات. فالموقع الذي لا يمتلك نظامًا فعالًا لتصريف المياه قد يظل معرضًا للغرق حتى لو حصلت أسرته على أغطية جديدة، كما أن إصلاح الخيمة لن يحمي سكانها من مياه ملوثة تتجمع حولها أو من انهيار مبنى متصدع يجاورها.
وتحتاج المواقع الأكثر تعرضًا للخطر إلى تدخلات متكاملة تشمل تسوية الأرض، وفتح قنوات التصريف، وإزالة النفايات والركام الذي يسد مجاري المياه، وتوفير مضخات عند الضرورة، وصيانة شبكات الصرف الصحي، إلى جانب تحسين الممرات والإنارة وتحديد أماكن آمنة يمكن الوصول إليها عند الطوارئ.
أما المباني الآيلة للسقوط، فتتطلب تقييمًا هندسيًا واضحًا، وإبلاغ السكان بمستوى الخطر، وتأمين بدائل مناسبة قبل إخلائها، بدل ترك العائلات بين خيارين قاسيين: البقاء في منشأة غير آمنة أو الانتقال إلى مكان لا تتوافر فيه شروط السكن الأساسية.
مساعدات محدودة وقيود تعرقل الاستجابة
على الرغم من بدء الاستعدادات الشتوية، لا تزال الفجوة واسعة بين حجم الاحتياجات وما تستطيع الجهات الإنسانية توفيره. ففي 17 سبتمبر/أيلول، أعلنت اليونيسف أنها تحتاج إلى 97.5 مليون دولار لحماية 540 ألف طفل وأسرهم في قطاع غزة والضفة الغربية من البرد والأمطار والفيضانات واضطرابات الخدمات الأساسية خلال الفترة من أكتوبر/تشرين الأول 2026 إلى مارس/آذار 2027.
وفي 9 أكتوبر/تشرين الأول، أفادت رويترز بأن المنظمة الدولية للهجرة قالت إن نحو 8600 طقم طوارئ للإيواء، تضم أخشابًا وأغطية بلاستيكية ومواد أساسية، لم يُسمح بإدخالها إلى غزة، بعد تصنيفها مواد ذات استخدام مزدوج. وأشارت الوكالة إلى أن السلطات الإسرائيلية تبرر القيود باعتبارات أمنية، بينما تقول الجهات الإنسانية إن القيود تحد من قدرتها على توسيع الاستجابة قبل الشتاء.
وتكشف هذه الفجوة أن الاستعدادات لا تتعلق بتوافر الأموال وحدها، بل بقدرة المنظمات على شراء المواد وإدخالها وتخزينها ونقلها وتوزيعها في الوقت المناسب. فحتى عندما تتوافر الموارد المالية، فإن تأخر دخول الخيام والأغطية وأدوات إصلاح الملاجئ ومعدات الصرف الصحي قد يقلص فرص تنفيذ التدخلات قبل هطول الأمطار.
وفي المقابل، فإن توفير المواد وحده لا يكفي إذا لم تتوافر فرق قادرة على تنفيذ الأعمال، أو وقود لتشغيل المعدات والمضخات، أو طرق آمنة للوصول إلى المواقع المتضررة. ولهذا ينبغي النظر إلى الاستعداد للشتاء بوصفه سلسلة مترابطة من الاحتياجات، يبدأ نجاحها بوصول المواد وينتهي بقدرة الأسرة على الاحتماء فعليًا من البرد والمياه.
من يتحمل مسؤولية حماية النازحين؟
تطرح الأزمة سؤالًا يتجاوز قدرة الأسر على تدبير احتياجاتها: من يضمن ألا يواجه النازحون فصلًا جديدًا في خيام غير صالحة للسكن، ومواقع لا تستطيع تصريف مياه الأمطار، ومبانٍ تشكل خطرًا على حياة قاطنيها؟
تتحمل الجهات الإنسانية مسؤولية تنظيم الاستجابة ضمن الإمكانات المتاحة، وتحديد المواقع الأكثر خطورة، وتوجيه الموارد إلى الفئات الأشد احتياجًا. لكن نجاح هذه الجهود يتطلب تمويلًا كافيًا، وإمكانية وصول إلى السكان، ودخول المواد والمعدات الضرورية، وتوافر الأراضي المناسبة لإقامة ملاجئ أكثر أمانًا أو نقل الأسر إليها طوعًا.
كما يتطلب الأمر إعطاء الأولوية للمواقع التي تجمع بين الاكتظاظ وخطر الفيضانات وضعف المرافق الصحية، بدل الاكتفاء بتوزيع المساعدات وفق أعداد المستفيدين وحدها. فالأسرة التي تقيم في منطقة منخفضة، داخل خيمة ممزقة وبالقرب من شبكة صرف متضررة، قد تحتاج إلى حزمة تدخلات مختلفة عن أسرة أخرى حصلت على مأوى أكثر متانة، حتى لو كانت الحالتان تعانيان نقصًا في الأغطية والملابس.
ومن الضروري كذلك إشراك النازحين في تحديد احتياجاتهم، والاستماع إلى النساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، لأن معرفة السكان بتفاصيل المواقع ومجاري المياه والممرات التي تغمرها الأمطار يمكن أن تساعد في توجيه التدخلات إلى الأماكن الأكثر إلحاحًا.
ولا ينبغي أن يكون نقل الأسر من المواقع الخطرة مجرد إجراء مؤقت ينتهي بإبعادها عن مصدر الخطر، بل يجب أن يرتبط بتوفير مكان بديل آمن، وإمكانية الوصول إلى المياه والصرف الصحي والرعاية الصحية والتعليم والمساعدات الأساسية، مع مراعاة الروابط الأسرية والاجتماعية وملكية الأرض.
الشتاء اختبار للاستجابة الإنسانية
لا يمثل الشتاء في غزة مجرد اختبار جديد لقدرة النازحين على الصمود، بل اختبارًا لمدى قدرة الاستجابة الإنسانية على الانتقال من التعامل مع الأضرار بعد وقوعها إلى منعها قبل حدوثها. فإصلاح قنوات التصريف قبل المطر، وتدعيم الخيام قبل الرياح، وإخلاء المباني الخطرة بطريقة آمنة، وتوفير الأغطية والملابس الجافة، كلها إجراءات يمكن أن تقلل الخسائر إذا نُفذت في الوقت المناسب.
لكن الأرقام الأممية تكشف أن حجم المخاطر لا يزال واسعًا، وأن الفجوة بين الاحتياجات والموارد تترك مئات آلاف الأشخاص أمام احتمالات الغرق والبرد وتدهور الأوضاع الصحية.
وفي ظل استمرار الدمار والنزوح، لا تستطيع الأسر وحدها تحمل مسؤولية حماية أطفالها من موسم الأمطار، خصوصًا عندما تفتقر إلى المواد والمال والمكان البديل.
إن المعيار الحقيقي للاستعداد للشتاء ليس عدد الخيام التي جرى توزيعها، ولا عدد المواقع التي خضعت للتقييم، بل عدد الأسر التي أصبحت قادرة على قضاء ليلة ممطرة دون أن تغمر المياه فراشها، أو تتبلل ملابس أطفالها، أو تضطر إلى الفرار مرة أخرى بحثًا عن مكان أكثر أمانًا.
فبعد سنوات من النزوح والخسارة، لا يحتاج الغزيون إلى حلول مؤقتة تبقيهم على قيد الاحتمال فحسب، بل إلى حماية فعلية من البرد والمياه، وإلى مأوى يحفظ الحد الأدنى من الكرامة والأمان.
ومع اقتراب الشتاء، يصبح السؤال الملح ليس كيف سيواجه النازحون المطر، بل ما إذا كانت الاستجابة ستصل إليهم قبل أن يتحول المطر إلى مأساة جديدة.
