Site icon Palestinealyoum

غزة.. مفقودون بلا جثامين ومحتجزون بلا أثر.. ثلاث سنوات ولا إجابة عن سؤال أين أبناؤنا؟

المركز الفلسطيني للإعلام

في غزة، لا تنتهي قصة الضحية عند استشهادها أو فقدانها. فآلاف العائلات ما زالت عالقة في مرحلة أشد قسوة: انتظار معرفة المصير.

أشخاص خرجوا من منازلهم ولم يعودوا، وآخرون فقدوا أثناء النزوح أو على الطرقات، وأطفال انقطعت أخبارهم خلال بحثهم عن الغذاء، وجثامين ما زالت عالقة تحت أطنان الركام، بينما تتحدث عائلات أخرى عن أقارب يُعتقد أنهم اعتُقلوا ولم تتلقَّ أي معلومات رسمية بشأن أماكن وجودهم.

وبمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، الذي يصادف 30 أغسطس/آب من كل عام، يعود ملف المفقودين في قطاع غزة إلى الواجهة باعتباره أحد أكثر الملفات تعقيدًا وإيلامًا التي خلفتها الحرب.

11 ألف مفقود.. والرقم لا يحسم المصير

لا توجد حتى الآن قاعدة بيانات نهائية قادرة على تحديد مصير جميع المفقودين في القطاع.

وأعلنت وزارة العدل الفلسطينية، في أبريل/نيسان الماضي، أن أكثر من 11 ألفًا و200 فلسطيني في عداد المفقودين أو المختفين قسرًا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم أكثر من 4700 امرأة وطفل.

وفي تقدير أحدث، ميّز «المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا» بين فئتين مختلفتين؛ الأولى تضم نحو 4000 إلى 5000 شخص يُعتقد أنهم ما زالوا تحت أنقاض المباني المدمرة، والثانية تضم ما بين 2500 و3000 شخص توجد مؤشرات على احتمال تعرضهم للاختفاء القسري.

ويؤكد المركز أن الرقم الأخير مبني على دراسة لعينة من 317 حالة، وأن نتائجه لا تمثل جميع حالات الفقد في القطاع.

وهنا تكمن إحدى أهم مشكلات الملف: ليس كل مفقود مختفيًا قسرًا، وليس كل من لم يُعثر عليه جثمانه معلوم المصير. فهناك من ابتلعهم الركام، وهناك من انقطعت أخبارهم خلال النزوح، وهناك من تتحدث عائلاتهم عن اعتقالهم دون معلومات عن أماكن احتجازهم.

الركام يخفي آلاف الجثامين

على الأرض، تتحول عملية البحث عن المفقودين تحت الأنقاض إلى معركة أخرى.

فالدفاع المدني في غزة يواجه نقصًا حادًا في الآليات الثقيلة والوقود ومعدات الإنقاذ، فيما تقدر الجهات الفلسطينية حجم الركام بعشرات ملايين الأطنان.

وفي يوليو/تموز الماضي، بدأت المرحلة الثانية من مشروع استعادة جثامين الشهداء بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

وبعد 381 ساعة من العمل، تمكنت الطواقم من انتشال جثامين ورفات 233 فلسطينيًا من أصل 407 مفقودين تحت أنقاض 20 منزلًا فقط، بينهم 73 طفلًا و106 نساء.

وتكشف هذه الأرقام محدودية القدرة على الوصول إلى الضحايا؛ إذ إن أكثر من ثلث المفقودين في تلك المنازل ظلوا تحت الأنقاض رغم مئات الساعات من العمل.

وخلال أغسطس/آب، شهد القطاع عمليات انتشال واسعة لجثامين ظلت مدفونة لسنوات. ففي حي الصبرة، جرى انتشال 112 شهيدًا من عائلتي أبو شريعة والحساينة بعد نحو ثلاث سنوات تحت الركام، فيما انتُشلت لاحقًا عشرات الجثامين من مناطق بينها تل الهوى والزيتون والصبرة والشيخ رضوان والشاطئ.

وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن آلاف العائلات في غزة لا تزال تنتظر معلومات عن أقاربها، بعضهم يُعتقد أنهم تحت الركام منذ سنوات، في وقت تواجه فيه العائلات صعوبات كبيرة في التعرف إلى جثامين ذويها بسبب محدودية إمكانات الطب الشرعي.

الاختفاء القسري.. ملف مختلف وأكثر خطورة

لكن الركام ليس التفسير الوحيد لغياب آلاف الفلسطينيين.

فالدراسة التي أعدها المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا ترصد مؤشرات على حالات اختفاء مرتبطة بعمليات اقتحام وحصار واحتجاز خلال الحرب.

ومن بين الحالات التي شملتها العينة، وقعت 76 حالة خلال اقتحام القوات الإسرائيلية للمنازل وحصار الأحياء، و60 أثناء محاولات العودة إلى المنازل أو جلب الاحتياجات، و42 خلال النزوح أو المرور عبر الحواجز العسكرية، و39 أثناء البحث عن الغذاء أو انتظار المساعدات.

كما وثقت الدراسة حالات مرتبطة بحصار منشآت طبية أو اقتحامها، ونقل المرضى، إلى جانب حالات وقعت أثناء العمل الصحفي والميداني.

وتشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أنها لم تتمكن من الوصول إلى المعتقلين في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، مطالبة بالحصول على معلومات بشأن مصير المعتقلين وأماكن وجودهم.

وهنا يتحول ملف المفقود من قضية إنسانية إلى قضية قانونية أيضًا؛ فالاختفاء القسري، وفق التعريف الأممي، يرتبط بحرمان شخص من حريته ثم رفض الاعتراف بذلك أو إخفاء مصيره ومكان وجوده.

محمود وأحمد.. أسماء تختصر آلاف القصص

خلف هذه الأرقام، توجد عائلات تعيش يوميًا على الاحتمال.

أحمد أبو عواد، الطفل البالغ 15 عامًا، خرج في أغسطس/آب 2025 باتجاه نقطة «موراغ» بين رفح وخان يونس بحثًا عن الطحين لإطعام أسرته، ثم انقطعت أخباره.

وفي مخيم جباليا، ما زالت عائلة محمود شعبان تنتظر إجابة منذ ديسمبر/كانون الأول 2023.

أما محمود عطا الله الدريملي، فقد فُقد أثناء محاولته العودة من جنوب القطاع إلى شماله في نوفمبر/تشرين الثاني 2024. وبعد أشهر من البحث، ظهرت صورة له وهو مكبل ومعصوب العينين، لتكتشف عائلته للمرة الأولى دليلًا على أنه كان حيًا بعد فقدانه.

لكن الصورة لم تقدم الإجابة الكاملة؛ إذ بقي مصيره ومكان وجوده مجهولين.

الجثامين تعود بلا أسماء

وتزداد الأزمة تعقيدًا بعد انتشال الجثامين أو استعادتها.

فالتعرف إلى هوية الضحايا يحتاج إلى مختبرات وأجهزة طب شرعي وتحليل للحمض النووي، وهي إمكانات ما تزال محدودة في غزة.

وتشير معطيات فلسطينية إلى أن عددًا من الجثامين التي أعيدت إلى القطاع لم يكن مصحوبًا بمعلومات تعريفية كافية، ما جعل التعرف إلى أصحابها عملية طويلة ومعقدة.

وهذا يعني أن العثور على الجثمان لا يمثل دائمًا نهاية قصة المفقود؛ فقد يتحول الجثمان نفسه إلى «مجهول» آخر، تنتظر عائلته إثبات هويته.

وتحذر جهات حقوقية من أن إزالة الركام بصورة عشوائية قبل توثيقه جنائيًا قد تؤدي إلى فقدان أدلة مهمة أو اختلاط الرفات، بما يصعّب لاحقًا تحديد هوية الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن قتلهم.

أطفال ينتظرون آباءهم.. وآباء ينتظرون أبناءهم

الأطفال يمثلون إحدى أكثر الفئات تعرضًا لخطر الفقد.

فبعضهم فقد خلال القصف، وآخرون انقطعت أخبارهم أثناء النزوح، فيما فُقد أطفال خلال بحثهم عن الطعام أو الماء أو الحطب أو أثناء محاولتهم الوصول إلى مناطق يعتقدون أنها أكثر أمانًا.

ولهذا لا يقتصر ملف المفقودين على البحث عن جثامين؛ بل يشمل البحث عن أطفال وأسرى ومحتجزين وأشخاص انقطعت أخبارهم في ظروف الحرب.

وتقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن آلاف العائلات في غزة ما زالت تعيش حالة من عدم اليقين بشأن مصير أحبائها، وإن القانون الدولي الإنساني يلزم أطراف النزاع باتخاذ جميع التدابير الممكنة لمعرفة مصير الأشخاص الذين أُبلغ عن فقدانهم وإعطاء عائلاتهم المعلومات المتوفرة عنهم.

الحرب تتوقف.. لكن ملف المفقودين لا يتوقف

اليوم، وبعد قرابة ثلاث سنوات على بدء الحرب، لا تزال آلاف العائلات لا تملك إجابة نهائية عن مصير أبنائها.

وفي الوقت الذي تتواصل فيه عمليات البحث والانتشال، يبقى جزء آخر من الملف مرتبطًا بالمعتقلين والمختفين الذين لا يعرف ذووهم أين هم، وما إذا كانوا أحياء، أو فارقوا الحياة، أو ما زالوا محتجزين.

وتطالب جهات فلسطينية بإنشاء آلية دولية مستقلة للتحقيق في حالات الاختفاء القسري، وتمكين اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الوصول إلى المحتجزين، وتوفير المعدات اللازمة لانتشال الجثامين، وتعزيز قدرات الطب الشرعي والتعرف إلى الضحايا.

في غزة، لا يعني غياب الجثمان أن القصة انتهت، ولا يعني غياب الخبر أن الشخص مات.

بين الركام ومراكز الاحتجاز والحواجز والطرق التي سلكها النازحون، بقي آلاف الفلسطينيين في منطقة رمادية لا تعرف فيها العائلات هل تنتظر عودة أبنائها، أم العثور على جثامينهم، أم الحصول على معلومة تثبت مصيرهم.

ولهذا، فإن سؤال «أين أبناؤنا؟» لم يعد سؤال عائلات فقط، بل أصبح اختبارًا لقدرة المؤسسات الدولية على كشف مصير آلاف الأشخاص وإنهاء سنوات من الانتظار.

Exit mobile version