
المركز الفلسطيني للإعلام
لم يعد الوصول إلى المستشفى أو السوق أو مركز الإيواء في قطاع غزة رحلة عادية، بل تحول إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر. ففي ظل تدمير معظم وسائل النقل خلال حرب الإبادة، برزت مركبات “العقلاة” كخيار اضطراري فرضه الواقع على آلاف المواطنين، رغم افتقارها لأدنى معايير السلامة.
ومع تكرار حوادث انقلابها وتعطلها على الطرق المدمرة، باتت هذه الوسيلة عنوانًا جديدًا لمعاناة الغزيين، الذين يجدون أنفسهم كل يوم أمام معادلة قاسية: المجازفة بحياتهم أو البقاء دون قدرة على الوصول إلى احتياجاتهم الأساسية.
حادث يعيد التحذير من واقع النقل الخطير
وأعاد انقلاب إحدى مركبات “العقلاة” في شارع مجلس الوزراء بمدينة غزة، والذي أسفر عن إصابة ثلاثة مواطنين، أحدهم تعرض لبتر في يده، تسليط الضوء على المخاطر التي ترافق استخدام هذه الوسيلة، بعدما أصبحت جزءًا من الحياة اليومية في القطاع.
ويأتي ذلك في وقت أدى فيه العدوان إلى تدمير نحو 70% من أسطول المركبات، بينما خرجت أعداد كبيرة من السيارات والحافلات عن الخدمة، سواء بفعل الاستهداف المباشر أو بسبب استحالة إصلاحها نتيجة منع إدخال قطع الغيار والزيوت والإطارات.
وسيلة فرضتها الحرب
مع استمرار حرب الإبادة وشح الوقود، انتشرت “العقلاة” في مختلف محافظات قطاع غزة، وأصبحت وسيلة يعتمد عليها آلاف المواطنين للوصول إلى المستشفيات والأسواق ومراكز الإيواء ونقاط توزيع المساعدات.
كما وجد عشرات السائقين فيها مصدرًا وحيدًا للدخل بعد فقدان أعمالهم، لتتحول من وسيلة نقل مؤقتة إلى واقع يومي فرضته الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع.
السائقون بين لقمة العيش وهاجس الحوادث
يقول سائق “العقلاة” جواد أبو جزر (41 عامًا)، إن قيادة هذه المركبة لم تكن خيارًا شخصيًا، وإنما فرضتها ظروف الحرب بعد فقدانه مصدر رزقه.
ويضيف لمراسلنا: “قيادة العقلاة ليست سهلة، فهي لا تشبه أي مركبة أخرى، ولا توجد فيها وسائل أمان، لذلك نبقى طوال الطريق نخشى أي عطل أو مفاجأة”.
ويشير إلى أن الأعطال أصبحت جزءًا من العمل اليومي، سواء بسبب نقص الزيوت أو تلف الإطارات، مؤكدًا أن الخطر يزداد عندما يحدث العطل أثناء نقل الركاب.
ويلفت إلى أن صيانة المركبة أصبحت فوق قدرة معظم السائقين، بعدما ارتفع سعر لتر الزيت من نحو عشرة شواكل قبل الحرب إلى قرابة ثلاثة آلاف شيكل، فيما تجاوز سعر الإطار الواحد عشرة آلاف شيكل.
ويضيف أن كثيرًا من السائقين اضطروا لاستخدام زيوت مجهولة الجودة بسبب نفاد الزيوت الأصلية، الأمر الذي زاد من الأعطال، موضحًا: “إذا تعطلت المركبة يتوقف العمل ويتوقف دخل الأسرة، لكن أكثر ما يشغلنا هو سلامة الركاب.”
المرضى يدفعون ثمن غياب البدائل
ولا تقتصر المعاناة على السائقين، بل تمتد إلى آلاف الركاب الذين لا يجدون وسيلة أخرى للتنقل، خاصة المرضى.
وتقول أم محمد مصلح، التي تضطر لنقل طفلها بشكل شبه يومي إلى أحد مستشفيات مدينة غزة، إن “العقلاة” أصبحت الخيار الوحيد رغم خطورتها.
وتضيف لمراسلنا: “لم أكن أتخيل يومًا أن أوصل ابني إلى المستشفى بهذه الطريقة، لكن لم يعد أمامنا خيار آخر. إذا وجدت سيارة تكون أجرتها أعلى من قدرتي”.
وتؤكد أن القلق يرافقها طوال الرحلة بسبب اهتزاز المركبة أثناء السير فوق الطرق المدمرة، مضيفة: “كلما دخلت العقلاة حفرة أو مالت على أحد الجانبين أشعر أن الحادث قد يقع في أي لحظة”.
وتروي أنها تعرضت أكثر من مرة لمواقف كادت تنتهي بكارثة، سواء بسبب ميلان المركبة المفاجئ أو تعطلها في منتصف الطريق، ما اضطر الركاب إلى النزول وانتظار وسيلة أخرى.
وتتابع: “لا يمر وقت إلا ونسمع عن انقلاب عقلاة أو إصابة ركاب، لكن ماذا نفعل؟ إذا بقيت في البيت سيفوت ابني موعد علاجه.”
قطاع النقل يقترب من الانهيار
من جانبه، يؤكد نائب رئيس جمعية أصحاب شركات النقل الخاص في غزة، جهاد اسليم، أن قطاع النقل يقترب من مرحلة التوقف الكامل نتيجة استمرار منع إدخال الزيوت وقطع الغيار والإطارات والبطاريات.
ويقول في تصريح صحفي إن أصحاب المركبات باتوا يشترون سيارات كاملة لتفكيكها واستخدامها مصدرًا لقطع الغيار، بعد استحالة الحصول على قطع جديدة.
ويحذر من أن الأزمة لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت تهدد سلامة المواطنين، مشيرًا إلى أن بعض الحافلات تعمل بأربعة إطارات فقط بدلًا من ستة، بسبب نقص الإطارات، وهو ما يزيد احتمالات وقوع الحوادث.
ويضيف أن استمرار منع إدخال مستلزمات الصيانة سيؤدي إلى خروج المزيد من المركبات عن الخدمة، ما سيدفع المواطنين للاعتماد بصورة أكبر على وسائل نقل بديلة تفتقر إلى الحد الأدنى من معايير السلامة.

