
المركز الفلطسيني للإعلام
مع تجاوز درجات الحرارة مستويات مرتفعة خلال فصل الصيف، يعيش سكان قطاع غزة واحدة من أقسى موجات الحر في ظل الانقطاع المستمر للكهرباء، الأمر الذي جعل الحصول على شربة ماء بارد أو تشغيل مروحة لساعات قليلة أمنية تراود آلاف العائلات.
ولم يعد انقطاع الكهرباء يقتصر على إطفاء المنازل، بل امتد ليطال أدق تفاصيل الحياة اليومية.
فالثلاجات فقدت وظيفتها في حفظ المياه والأطعمة، والمراوح وأجهزة التكييف تحولت إلى أدوات جامدة، بينما يقضي السكان ساعات طويلة تحت درجات حرارة مرتفعة داخل خيام النزوح أو المنازل المدمرة جزئيًا.
العطش في ظل حرارة الصيف
تقول أم محمد، وهي نازحة تقيم في إحدى الخيام غرب مدينة غزة، إن أكثر ما يؤلم أطفالها ليس الجوع فقط، وإنما العطش في ظل حرارة الصيف.
وتضيف لمراسلنا: “أطفالي يطلبون ماءً باردًا، ولا أجد ما أقدمه لهم سوى ماء ساخن بفعل حرارة الجو. أحيانًا نضع زجاجات المياه في الظل لساعات على أمل أن تصبح أقل سخونة، لكن دون جدوى”.
أما أبو أحمد، وهو أب لخمسة أطفال، فيؤكد أن انقطاع الكهرباء حرم عائلته من أبسط مقومات الحياة. ويقول: “لم نشغل مروحة منذ فترة طويلة. الأطفال لا يستطيعون النوم من شدة الحر، ونقضي الليل نحاول تهويتهم بقطع من الكرتون أو المناشف”.
جفاف وإجهاد
ولا تقتصر المعاناة على الشعور بعدم الراحة، إذ يحذر أطباء من أن التعرض الطويل لدرجات الحرارة المرتفعة قد يؤدي إلى الجفاف والإجهاد الحراري، خاصة بين الأطفال وكبار السن والمرضى المزمنين، في وقت تواجه فيه المرافق الصحية تحديات كبيرة نتيجة نقص الوقود والطاقة.
ويشير الطبيب أحمد السعدي، وهو طبيب عام، إلى أن ارتفاع درجات الحرارة مع غياب وسائل التبريد يزيد من احتمالية الإصابة بضربات الشمس والجفاف. ويضيف: “الأطفال هم الأكثر عرضة للخطر، لأن أجسامهم تفقد السوائل بسرعة، كما أن المرضى وكبار السن يحتاجون إلى بيئة مناسبة وشرب كميات كافية من المياه، وهو أمر يصعب توفيره في الظروف الحالية”.
أزمة إنسانية
بدوره، يقول المهندس المختص بشؤون الطاقة سامر الخطيب إن أزمة الكهرباء لم تعد مجرد أزمة خدمات، بل تحولت إلى أزمة إنسانية تمس مختلف القطاعات. ويوضح أن غياب التيار الكهربائي يؤثر على تشغيل آبار المياه ومحطات التحلية، ويعطل حفظ الأغذية والأدوية، ويزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين.
وفي الأسواق، يؤكد البائع أبو يوسف أن الطلب على الثلج والمياه المبردة يرتفع بشكل كبير كلما توفرت كميات محدودة، إلا أن الكميات المتاحة لا تكفي احتياجات السكان، ما يجعل الحصول على الماء البارد أمرًا نادرًا بالنسبة لكثير من الأسر.
ومع استمرار موجة الحر، يواصل سكان غزة البحث عن أي وسيلة للتخفيف من حرارة الصيف، سواء بالجلوس في الظل، أو استخدام المراوح اليدوية، أو رش المياه على أجساد الأطفال، في مشاهد تختصر حجم المعاناة اليومية التي يعيشها القطاع.
وفي وقت ينشغل فيه العالم بموجات الحر وتوفير وسائل الراحة لمواطنيه، يقف سكان غزة أمام واقع مختلف، حيث تحولت الكهرباء إلى حلم، والمروحة إلى رفاهية، وشربة الماء البارد إلى أمنية بسيطة قد لا تتحقق إلا لساعات قليلة، إن تحققت أصلًا.

