
المركز الفلسطيني للإعلام
«أنا بدي علاج لابني.. أبسط حق لأي طفل مريض هو حقه في العلاج».. بهذه الكلمات الموجعة، تختصر والدة الطفل زين معاناة آلاف المرضى في قطاع غزة، حيث لم يعد الحصول على الأنسولين وأدوات قياس السكر أمرًا بديهيًا، بل رحلة يومية من البحث والقلق والخوف من مضاعفات قد تودي بحياة طفل في أي لحظة.
زين، الذي يعاني مرض السكري منذ عشر سنوات، يحتاج إلى نوعين من الأنسولين؛ أحدهما طويل المفعول، والآخر قصير المفعول، لضبط مستوى السكر في الدم قبل الوجبات اليومية وبعدها. لكن الحرب والحصار ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية جعلت تأمين علاجه مهمة شاقة، فيما تواجه والدته معضلة قاسية بين ما يحتاج إليه جسده وما تستطيع توفيره له من علاج.
تقول الأم، بصوت تختلط فيه مشاعر الخوف بالعجز: «ما في أي أنسولين في البلد، وما في أنواع أنسولين تناسب أطفالنا. إحنا حاليًا بنستخدم أنسولين منتهي الصلاحية، وبعطي ابني الجرعة، وبكتشف إنها ما عملت مفعولها».
لا يتوقف الخطر عند نقص الدواء، إذ تفتقد الأم شرائط قياس السكر التي تمكنها من متابعة مستوى السكر لدى طفلها بصورة منتظمة، والتدخل في الوقت المناسب لتجنب دخوله في غيبوبة.
وتروي أن قراءة السكر لدى ابنها وصلت إلى نحو 600، في مؤشر خطير يزيد مخاوفها من تدهور حالته الصحية والحاجة إلى العناية المركزة.
وتضيف أن اختلاف فاعلية الأنسولين المتاح يربك حساب الجرعات، موضحة أنها كانت تعطي ابنها عشر وحدات من الأنسولين للوجبة، لكنها اضطرت إلى مضاعفة الجرعة باستخدام النوع المتوفر لديها، من دون أن تجد بديلًا آمنًا ومضمونًا للعلاج الذي يحتاج إليه.
وبينما تحاول الأم إنقاذ طفلها بما يتوافر من إمكانات محدودة، تتآكل قدرتها على الاستمرار في توفير العلاج، وتبقى حياة زين معلقة بتوافر الأنسولين وشرائط الفحص وأدوات المتابعة التي يحتاج إليها يوميًا.
وتناشد الأم الجهات الحقوقية والإنسانية التدخل العاجل لإدخال الأدوية إلى القطاع، مؤكدة أن مطلبها لا يتجاوز حق ابنها في الحياة والعلاج، وأن أطفال السكري لا يستطيعون انتظار انتهاء الحرب أو تحسن الظروف الصحية، لأن مرضهم لا يمنحهم رفاهية الانتظار.
وقفة احتجاجية.. «أين العلاج؟»
على وقع هذه المعاناة، احتضن مجمع ناصر الطبي، صباح الخميس، وقفة احتجاجية لمرضى السكري للمطالبة بإدخال الأدوية والمستلزمات العلاجية إلى قطاع غزة، في ظل استمرار القيود المفروضة على وصول الإمدادات الطبية ونفاد أصناف أساسية يحتاج إليها المرضى بصورة يومية.
ورفع المشاركون شعار «في غزة.. أطفال السكري يموتون بصمت، أين العلاج؟»، في رسالة تختصر حجم المخاطر التي تواجه المرضى، ولا سيما الأطفال الذين يعتمدون على الأنسولين وأجهزة قياس السكر للحفاظ على استقرار حالتهم الصحية وتجنب المضاعفات الخطيرة.
وخلال الوقفة، حذر الدكتور أحمد الفرا، مدير مبنى التحرير في مجمع ناصر الطبي، من خطورة نقص أدوية السكري وانعكاساته المباشرة على صحة المرضى، مؤكدًا ضرورة توفير العلاجات الضرورية بصورة عاجلة، بما يضمن استمرارية الرعاية الطبية ويحمي المرضى من المضاعفات التي قد تهدد حياتهم.
وشدد المشاركون على أن إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية ليس مطلبًا قابلًا للتأجيل، بل ضرورة إنسانية وطبية ملحة، في ظل الظروف الصحية الصعبة التي يعيشها المرضى، وعجز كثيرين منهم عن تأمين العلاج اللازم أو متابعة مستويات السكر لديهم بانتظام.
وتعكس الوقفة جانبًا من أزمة أوسع يعيشها مرضى الأمراض المزمنة في القطاع، حيث لم تعد المعاناة مقتصرة على نقص صنف دوائي بعينه، بل امتدت إلى تراجع خدمات الرعاية الأولية، ونقص أدوات الفحص، وصعوبة الحصول على الغذاء المناسب، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى المتابعة الطبية المنتظمة.
71 ألف مريض سكري.. وأزمة تتجاوز نقص الأنسولين
تتضح أبعاد الأزمة في الأرقام التي أوردتها وزارة الصحة في قطاع غزة، إذ يتجاوز عدد المصابين بالأمراض المزمنة نحو 350 ألف مريض، بينهم قرابة 71 ألف مريض بالسكري بنوعيه الأول والثاني، فيما يعتمد نحو 3500 مريض مصاب بالسكري من النوع الأول اعتمادًا كليًا على الأنسولين.
وتعني هذه الأرقام أن نقص الأنسولين لا يمثل مشكلة دوائية عابرة، بل تهديدًا مباشرًا لاستمرارية حياة آلاف المرضى الذين لا يستطيعون الاستغناء عنه، ولا سيما الأطفال الذين يحتاجون إلى ضبط دقيق للجرعات ومراقبة متواصلة لمستويات السكر في الدم.
وبحسب التقرير السنوي لدائرة الأمراض غير المعدية، ارتفع عدد ملفات مرضى الأمراض المزمنة المسجلة في مراكز الرعاية الأولية التابعة لوزارة الصحة بأكثر من 100 بالمئة مقارنة بالأعداد المسجلة قبل الحرب، في ظل تدمير معظم مراكز الرعاية الأولية التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، وتفاقم عوامل الخطورة المرتبطة بالضغط النفسي وسوء التغذية وقلة الحركة والتلوث.
وتفاقمت الأزمة مع توقف 81 بالمئة من مراكز الرعاية الأولية التابعة لوزارة الصحة ووكالة «أونروا» عن العمل، بعدما كانت الخدمات تقدم قبل الحرب عبر 50 مركزًا تابعًا للوزارة و22 مركزًا تابعًا للوكالة. وأدى هذا الانهيار إلى تقليص الخدمات المتاحة، لتقتصر في كثير من الحالات على صرف الدواء إن توافر، من دون متابعة صحية متكاملة.
وبالنسبة إلى الأطفال المصابين بالسكري، تعني هذه الظروف صعوبة إجراء الفحوص الدورية، ومراجعة الأطباء لتعديل الجرعات، والكشف المبكر عن المضاعفات، وهي إجراءات أساسية لتجنب الارتفاع أو الانخفاض الحاد في مستوى السكر.
أنسولين بلا ضمانات.. وشرائط فحص مفقودة
وتواجه مخازن وزارة الصحة وشركائها نقصًا حادًا في أدوية الأمراض المزمنة، مع وصول أصناف عديدة إلى مستوى المخزون الصفري، ولا سيما أقلام الأنسولين وبعض الأدوية الأساسية. واضطر المرضى، نتيجة ذلك، إلى استخدام عبوات الأنسولين بدلًا من الأقلام التي اعتادوا عليها، الأمر الذي يزيد صعوبة حساب الجرعات وإعطائها بدقة، خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن.
ولم تتوقف الأزمة عند الدواء، إذ أدى انقطاع سرنجات الأنسولين لفترات طويلة إلى اضطرار بعض المرضى لإعادة استخدامها مرات متعددة، بما يرفع مخاطر التلوث والالتهابات ويزيد صعوبة الالتزام بالممارسات الطبية الآمنة.
أما أجهزة قياس السكر وشرائط الفحص، التي تمثل خط الدفاع الأول لمراقبة حالة المرضى في منازلهم، فقد شهدت نقصًا حادًا، ما حرم كثيرين من القدرة على متابعة مستويات السكر واتخاذ الإجراءات اللازمة في الوقت المناسب.
حق العلاج.. نداء يتجاوز أسوار المستشفيات
أمام هذه الأزمة، تطالب دائرة الأمراض المزمنة بضمان تدفق مستمر وآمن للأدوية والمستلزمات الطبية، وتوفير أقلام الأنسولين وأجهزة قياس السكر وشرائط الفحص، إلى جانب تأمين الوقود ومصادر الكهرباء البديلة اللازمة لحفظ الأدوية الحساسة وتشغيل الخدمات الصحية.
كما تدعو إلى فتح المعابر وتسهيل تحويل المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج خارج القطاع، وتفعيل الزيارات المنزلية وخدمات التطبيب عن بُعد، بما يتيح الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة، خصوصًا الأطفال وكبار السن والمرضى الذين تعيق ظروفهم الصحية حركتهم.
وفي غزة، حيث أثقلت الحرب كاهل المستشفيات ودمرت مقومات الحياة، يبقى توفير الأنسولين وأدوات قياس السكر حقًا أساسيًا لا يحتمل التأجيل، وضرورة لإنقاذ الأطفال من مضاعفات يمكن تجنبها، ومنحهم فرصة العيش بكرامة وأمان، بعيدًا عن الخوف اليومي من نفاد الدواء أو غياب العلاج.
