Site icon Palestinealyoum

في مواصي خان يونس.. رغيف الخبز رحلة شاقة وسط الغلاء وشح الوقود

في مواصي خان يونس.. رغيف الخبز رحلة شاقة وسط الغلاء وشح الوقود

المركز الفلسطيني للإعلام

في خيام النزوح بمواصي خان يونس، لم يعد رغيف الخبز طعامًا عابرًا على موائد الأسر، بل تحوّل إلى حاجة يومية شاقة تتطلب ساعات من الانتظار، وقدرة مالية تتآكل تحت وطأة الغلاء، في ظل شح غاز الطهي وارتفاع أسعار الحطب وتراجع المساعدات التي يعتمد عليها آلاف النازحين.

ومنذ ساعات الصباح، تتشكل طوابير طويلة أمام محال بيع الخبز وأماكن توزيعه، يقف فيها عشرات النازحين لساعات، على أمل العودة إلى خيامهم بربطة خبز تكفي أسرهم ليوم واحد، فيما يضطر من لا يحالفه الحظ إلى شراء الخبز من الباعة المتجولين بأسعار مضاعفة.

وتفاقم شح غاز الطهي وارتفاع أسعار الحطب من صعوبة الحياة اليومية للنازحين، إذ بات إعداد الخبز داخل الخيام مكلفًا إلى حد يفوق قدرة كثير من الأسر، ما دفعها إلى الاعتماد على الخبز الجاهز، رغم ما يفرضه ذلك من طوابير وانتظار وتكاليف إضافية.

الغاز.. عبء يتكرر كل أسبوعين

النازح محمد انشاصي (48 عامًا)، الذي يعيل أسرة من تسعة أفراد، يقول إن تأمين الخبز يبدأ بالنسبة إليه منذ ساعات الصباح الأولى، حين يتوجه إلى أماكن توزيعه ويقف لساعات طويلة في طوابير مكتظة، على أمل الحصول على ربطة خبز تكفي أسرته.

ويشير انشاصي إلى أن جرة الغاز، التي تبلغ سعتها ثمانية كيلوغرامات، ويتسلمها من الموزع مرة كل ثلاثة أشهر، لا تكفي أسرته لأكثر من أسبوعين، وبعد نفادها يجد نفسه أمام خيارين كلاهما مرّ: شراء الغاز من السوق السوداء بأسعار مرتفعة، أو البحث عن بدائل أخرى لإعداد الطعام.

ويصل سعر كيلوغرام الغاز في السوق السوداء إلى نحو 85 شيقلًا، بينما تبلغ تكلفة الجرة المعبأة بثمانية كيلوغرامات لدى الموزع 75 شيقلًا فقط، وهو فارق يعكس حجم العبء الذي تتحمله الأسر النازحة في ظل محدودية دخلها وارتفاع تكاليف المعيشة.

ويقول انشاصي إن هذا الواقع يدفعه يوميًا إلى الاصطفاف في طوابير طويلة لشراء ربطة خبز بسعر ثلاثة شواقل، لكن نفاد الخبز قبل وصول دوره يجبره أحيانًا على اللجوء إلى الباعة المتجولين المنتشرين بين أزقة المخيمات، حيث يصل سعر الربطة إلى ستة شواقل، وقد يرتفع إلى ثمانية شواقل.

ولا تتوقف المعاناة عند سعر الربطة، إذ إن هذه الزيادات اليومية تتراكم لتشكّل عبئًا إضافيًا على أسر تعاني أصلًا من نقص الغذاء وارتفاع أسعار مختلف السلع الأساسية.

الحطب.. خيار آخر يفوق القدرة

وفي ظل أزمة الغاز، يصبح الحطب بديلًا اضطراريًا، غير أن ارتفاع أسعاره يجعله بدوره خيارًا صعبًا.

النازح أبو محمد الأسطل (51 عامًا)، الذي يعيل أسرة من ستة أفراد، يفضّل الوقوف يوميًا أمام أماكن توزيع الخبز بدلًا من شراء الحطب وإعداد الخبز داخل خيمته، بعدما وصل سعر كيلوغرام الحطب إلى نحو عشرة شواقل.

ويقول الأسطل إنه لم يعد قادرًا على خبز الخبز داخل خيمته بسبب الارتفاع الكبير في تكلفة الحطب، الأمر الذي يدفعه إلى الانتظار يوميًا في طوابير طويلة للحصول على ربطة خبز تسد حاجة أسرته.

وبالنسبة لعائلة تعيش أصلًا في ظروف نزوح قاسية، فإن الاختيار بين الغاز والحطب والخبز الجاهز لم يعد مرتبطًا بالتفضيل، وإنما بقدرة الأسرة على تحمّل تكلفة كل خيار.

طابور الخبز.. معاناة تتكرر كل يوم

وبين المنتظرين أمام أماكن بيع الخبز، يقف النازح حسن الغلبان (50 عامًا)، الذي يعيل أسرة من ثمانية أفراد، وقد بدت عليه آثار التعب والانتظار الطويل.

ويقول الغلبان: “متى ستنتهي هذه المعاناة؟ أصبحت حياتنا لا تطاق، فكل يوم نعيش الظروف نفسها، ونضطر إلى الاصطفاف لساعات طويلة من أجل الحصول على ربطة خبز واحدة فقط”.

ويضيف أن الربطة بالكاد تكفي أسرته، مشيرًا إلى أن ارتفاع أسعار الحطب والغاز ترك أمام العائلات خيارات محدودة لتأمين احتياجاتها اليومية.

ويقول إن الأسر النازحة لا تستطيع شراء الحطب بسبب ارتفاع تكلفته، كما لا تستطيع شراء الغاز بالأسعار المضاعفة، لذلك تلجأ إلى شراء الخبز الجاهز من المحال، باعتباره أقل تكلفة مقارنة بما ستدفعه لشراء الغاز أو الحطب وإعداد الخبز داخل الخيام.

طحين يفسد.. وخوف من عودة النقص

أما المواطن أبو حمود شعت (47 عامًا)، فلم يكن تخزين الطحين بالنسبة إليه مجرد احتياط منزلي، بل محاولة لحماية أسرته من تكرار ظروف قاسية عاشها أهالي قطاع غزة خلال فترات الإغلاق ومنع دخول الطحين والمواد الغذائية.

ويقول شعت إن مخاوفه من عودة النقص الحاد في الغذاء دفعته إلى تخزين كميات إضافية من الطحين، لكنه اضطر في نهاية المطاف إلى حرق الكمية التي خزّنها بعدما فسدت ولم تعد صالحة للاستخدام.

ولا تقتصر الضغوط على الخبز ومستلزمات إعداده، إذ يشير شعت إلى الارتفاع الكبير في أسعار الخضروات، في وقت لا يملك فيه دخلًا ثابتًا يساعده على تأمين احتياجات أسرته، ما يزيد من صعوبة ظروفه المعيشية.

ويقول إنه يرى يوميًا شاحنات محمّلة بالبضائع تدخل إلى قطاع غزة، لكنه لا يرى انعكاسًا ملموسًا لذلك على حياة الناس في الأسواق، أو على قدرتهم الفعلية على شراء احتياجاتهم الأساسية.

مساعدات غائبة عن خيام النازحين

ومع استمرار الأزمة المعيشية، تتراجع أيضًا المساعدات التي كانت تشكل سندًا رئيسيًا للنازحين في مواصي خان يونس.

ويقول شعت إن المساعدات التي كانت تقدم للنازحين في المنطقة لم تعد تصل إليهم كما في السابق، موضحًا أنه لم يتلقَّ أي طرد من المساعدات منذ أكثر من ثلاثة أشهر.

وهكذا، يجد النازحون أنفسهم أمام معادلة قاسية: غاز شحيح وأسعاره مرتفعة، وحطب يتجاوز قدرة كثير من الأسر، وخبز يتطلب ساعات من الانتظار، وأسعار سوق تثقل كاهل العائلات، إلى جانب تراجع المساعدات التي كانت تخفف جزءًا من أعبائها.

وفي مواصي خان يونس، لا تختصر حكاية رغيف الخبز أزمة سلعة واحدة، بل تكشف جانبًا من واقع يومي يعيشه النازحون، حيث تتحول أبسط الاحتياجات إلى رحلة شاقة، ويصبح تأمين قوت الأسرة معركة يومية تتداخل فيها ندرة الوقود والغلاء وتراجع القدرة الشرائية والمساعدات.

Exit mobile version