
المركز الفلسطيني للإعلام
من أزقة المخيمات الفلسطينية في لبنان وسوريا إلى أعماق البحر المتوسط، تتواصل فصول مأساة اللاجئين الذين ضاقت بهم سبل العيش، حتى باتت رحلة البحث عن مستقبل أفضل مغامرة محفوفة بالموت، تنتهي أحيانًا بجثامين تعود إلى الشاطئ، وأحيانًا أخرى بانتظار طويل ينهش قلوب العائلات التي لا تعرف مصير أبنائها.
وفي أحدث فصول هذه المأساة، عُثر على خمسة جثامين لمواطنين فلسطينيين قبالة جزيرتي ليسفوس وساموس اليونانيتين، بعد فقدانهم خلال محاولتهم الوصول إلى الجزيرتين قبل يومين، في حادثة تعيد إلى الواجهة الثمن الإنساني الباهظ الذي يدفعه اللاجئون الفلسطينيون في رحلات الهجرة غير النظامية، هربًا من واقع يضيق فيه الأفق وتتراجع فيه فرص الحياة الكريمة.
وأعلنت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية، اليوم الأربعاء، أن مديرية خفر السواحل اليوناني أكدت العثور على أربعة جثامين في البحر قرب جزيرة ليسفوس، وجثمان آخر قرب جزيرة ساموس، مشيرة إلى أن الضحايا ينحدرون من مخيمات فلسطينية في لبنان وسوريا، ومن بين جثامين لم تُحدد هوية أصحابها جميعًا حتى الآن.
وأكدت الوزارة أن سفارتي فلسطين لدى اليونان ولبنان تتابعان القضية مع السلطات المختصة، في مسعى لمتابعة الإجراءات المتعلقة بالضحايا، فيما دعت الفلسطينيين إلى عدم سلوك طرق الهجرة غير النظامية، محذرة من مخاطرها الكارثية على حياتهم.
لكن خلف هذه الأرقام الموجعة حكايات عائلات تركها البحر معلقة بين الرجاء والخوف، وأمهات وآباء ينتظرون خبرًا يعيد إليهم أبناءهم، أو يكشف مصيرهم بعد رحلة لم يكن هدفها سوى الوصول إلى مكان تتوافر فيه فرص العمل والأمان والاستقرار.
من ضيق المخيم إلى مخاطر البحر
لا يمكن فصل هذه المأساة عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، حيث تتشابك البطالة والفقر ومحدودية فرص العمل مع القيود المفروضة على ممارسة عدد من المهن، في وقت تواجه فيه المخيمات تحديات متراكمة تتعلق بالبنية التحتية والخدمات الأساسية، وتتزايد فيه الأعباء المعيشية على العائلات.
وفي ظل هذه الظروف، يجد كثير من الشباب أنفسهم أمام خيارات محدودة، تتراجع فيها القدرة على بناء مستقبل مستقر، ويصبح البحث عن فرصة خارج الحدود أقرب إلى محاولة للنجاة من واقع يزداد قسوة، رغم ما تنطوي عليه الرحلة البحرية من مخاطر الغرق والفقدان والاستغلال.
وتتضاعف هذه الضغوط مع تراجع خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، وتقليص بعض برامجها الإغاثية والتعليمية والصحية، الأمر الذي يزيد هشاشة الفئات الأكثر احتياجًا، ويضع الأسر أمام أعباء تتجاوز قدرتها على الاحتمال.
وفي المخيمات التي امتدت فيها معاناة اللجوء عبر أجيال، لا تبدو المأساة مجرد أزمة عابرة، بل انعكاسًا لواقع طويل من الحرمان، يجد فيه الفلسطيني نفسه مطالبًا بالتمسك بحق العودة، فيما يواجه في الوقت ذاته صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاته الأساسية وبناء حياة تحفظ كرامته.
حقوق غائبة وأفق يزداد ضيقًا
وفي قراءة لأسباب المأساة، اعتبر نائب رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، علي فيصل، أن البطالة والفقر وانسداد آفاق المستقبل تقف في صلب معاناة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، متسائلًا عن المدة التي سيظل فيها الشباب ضحايا لرحلات الموت، في ظل الحرمان وشح الإمكانات والتقصير في معالجة جذور الأزمة.
ودعا فيصل الدول المانحة و«الأونروا» إلى توفير التمويل اللازم لضمان استمرار الخدمات الأساسية، ووقف تقليص البرامج الإغاثية والتعليمية والصحية، واستكمال إعمار مخيم نهر البارد، وترميم مدارس مخيم عين الحلوة، إلى جانب إنصاف العاملين في الوكالة.
كما طالب الدولة اللبنانية ولجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني بمنح اللاجئين حقوقهم الإنسانية والاجتماعية، وفي مقدمتها حق العمل في مختلف المهن والمجالات، وحق تملك منزل، مؤكدًا أهمية تنظيم العلاقات الفلسطينية–اللبنانية على مختلف المستويات، وعدم اختزالها في الجانب الأمني.
وشدد على ضرورة تحرك منظمة التحرير الفلسطينية والجهات الرسمية والشعبية لمضاعفة المساعدات المقدمة للاجئين، وتكثيف الاتصالات مع الدول المانحة، ومتابعة مصير المفقودين مع السلطات اليونانية، وتقديم الدعم لعائلاتهم التي تواجه تداعيات الفقد والانتظار.
حين يصبح البحر ملاذًا من قسوة اليابسة
وتختصر الباحثة هاجر ضرافاة جوهر المأساة في سؤال إنساني موجع عن الظروف التي تجعل البحر، بكل ما يحمله من أهوال، يبدو لبعض أبناء المخيمات أرحم من اليابسة، معتبرة أن اختزال القضية في وصف الهجرة غير النظامية يتجاهل الأسباب التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم، وفي مقدمتها الحرمان وانسداد الآفاق وتراجع مقومات العيش الكريم.
وتلفت هذه القراءة إلى أن الفلسطيني الذي اقتُلع من أرضه بفعل النكبة، ثم وجد نفسه في مخيمات اللجوء، لا ينبغي أن يُترك أسيرًا لحرمان متوارث، أو أن يدفع ثمن فقدان وطنه بحرمانه من حقوقه الأساسية في أماكن لجوئه.
وقالت ضرافاة: إن لجوء الشباب الفلسطيني إلى ركوب قوارب الموت لا ينبع من رغبة في المخاطرة بحياتهم، بل من واقع قاسٍ تتضافر فيه وطأة الفقر والحرمان وتراجع الحقوق وانسداد آفاق المستقبل، مؤكدة أن اللاجئ الذي اقتُلع من أرضه بفعل الاحتلال، ثم حُرم في مخيمات اللجوء من فرص العمل ومقومات الحياة الكريمة، يجد نفسه محاصرًا بين حق العودة الذي يسعى الاحتلال إلى طمسه، وحقوق أساسية تُنتقص في المنافي.
وأضافت أن اختزال المأساة في إجراءات ضبط الهجرة، دون معالجة أسبابها، يقلب مواقع الضحية والجلاد، إذ يُلام الفلسطيني على بحثه عن الرزق والأمان بدل إنصافه ورفع الحرمان عنه، ليجد نفسه يدفع ثمن جريمة لم يرتكبها، ويواجه مصيرًا محفوفًا بالموت.
ومع العثور على الجثامين الخمسة، تتجدد الحاجة إلى تحرك عاجل لمتابعة مصير المفقودين، وتكثيف جهود البحث والإنقاذ، ومساندة العائلات المنكوبة، بالتوازي مع معالجة الظروف التي تدفع الشباب إلى ركوب البحر، بدل الاكتفاء بالتحذير من مخاطره.
فالجثامين التي لفظتها المياه ليست مجرد حصيلة جديدة في سجل الهجرة غير النظامية، بل مأساة تكشف حجم الفجوة بين حق الإنسان في الحياة الكريمة والواقع الذي يعيشه آلاف اللاجئين. ولن يكون وقف هذه الرحلات ممكنًا بمجرد التحذير منها، ما لم تقترن الكلمات بإجراءات تضمن الحقوق، وتوفر فرص العمل، وتحمي الخدمات الأساسية، وتمنح الشباب أملًا حقيقيًا في المستقبل.
وإلى أن تتحقق هذه المقومات، ستظل المخيمات تودع أبناءها على وقع الخوف من البحر، فيما تنتظر عائلات أخرى أخبارًا عن مفقوديها، في مأساة لا تنتهي عند حدود الشاطئ، بل تمتد إلى حياة كاملة من الفقد والحرمان، وتضع المجتمعين اللبناني والدولي أمام مسؤولية إنسانية لا تحتمل التأجيل.
