
أحمد الحاج علي / خاص المركز الفلسطيني للإعلام
لم تكن الساحة اللبنانية هامشية في تاريخ العمل الفلسطيني المسلح. فمنذ أواخر ستينيات القرن الماضي، شكّل لبنان إحدى ساحاته الرئيسية، واحتضنت مخيماته فصائل وقوى فلسطينية متعددة، قبل أن يشهد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وما أعقبه من تحولات عميقة في الوجود الفلسطيني السياسي والعسكري.
وفي هذه البيئة، التي تجمع بين تاريخ طويل من المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي وحساسية لبنانية متراكمة تجاه السلاح الفلسطيني، تشكل حضور حركة حماس تدريجيًا، قبل أن تعلن كتائب الشهيد عز الدين القسام، جناحها العسكري، في تشرين الأول/أكتوبر 2023 تنفيذ عمليات انطلاقًا من الأراضي اللبنانية.
ولسنوات طويلة، بقي الحديث عن وجود عسكري للقسام في لبنان محاطًا بمعلومات متفرقة، غذتها حوادث أمنية واغتيالات وبيانات نعي وتقارير إسرائيلية ولبنانية، من دون إعلان واضح من الكتائب عن طبيعة هذا الوجود أو حجمه.
في أواخر عام 2009، أعاد انفجار وقع في حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت طرح أسئلة حول طبيعة حضور الحركة في لبنان، بعدما أعلنت حماس استشهاد اثنين من عناصرها، حسن سعيد الحداد وباسل أحمد جمعة. لكن الحركة لم تقدم آنذاك رواية عن وجود عسكري منظم لكتائب القسام في البلاد، وظلت المسألة في دائرة التقديرات والتقارير الإعلامية.
بعد نحو أربعة عشر عامًا، انتقل الأمر إلى الإعلان العلني. ففي 10 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أعلنت كتائب القسام قصف مواقع وبلدات في شمال فلسطين المحتلة انطلاقًا من جنوب لبنان، وقالت إن العملية جاءت في إطار مشاركتها في معركة “طوفان الأقصى”.
لكن إعلان 2023 لا يروي وحده قصة تشكل هذا الحضور؛ إذ سبقه مسار طويل ارتبط بتحولات التيار الإسلامي داخل المجتمع الفلسطيني في لبنان، ثم صعود حماس، ومحطة مرج الزهور، وتطور حضور الحركة السياسي والتنظيمي، وصولًا إلى محطات أمنية وعسكرية أصبحت أكثر وضوحًا خلال العقدين الأخيرين.
الحركة الإسلامية في المخيمات
سبق وجود التيار الإسلامي الفلسطيني في لبنان تأسيس حركة حماس بعقود. فالمجتمع الفلسطيني الذي تشكل في المخيمات بعد نكبة 1948 شهد، شأنه شأن المجتمع الفلسطيني عمومًا، تنافس تيارات قومية ويسارية وإسلامية، وإن بقيت موازين القوى بينها متغيرة من مرحلة إلى أخرى.
وخلال الخمسينيات والستينيات، كان الحضور القومي هو الأبرز، خصوصًا مع صعود حركة القوميين العرب وحزب البعث، ثم بروز حركة فتح وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية. وفي المقابل، احتفظ التيار الإسلامي بحضور متفاوت في عدد من المخيمات، ولا سيما مخيمات الجنوب، مثل الرشيدية والبرج الشمالي والبص، إضافة إلى حضور في مخيم عين الحلوة.
ومنذ منتصف السبعينيات، بدأ هذا الحضور يأخذ أشكالًا تنظيمية أكثر وضوحًا، بالتوازي مع نشاط الجماعة الإسلامية اللبنانية وعلاقاتها داخل الوسط الفلسطيني. وجاء ذلك في بيئة كانت القوى الوطنية والقومية واليسارية صاحبة النفوذ الأكبر فيها، ما أوجد تنافسًا سياسيًا وتنظيميًا داخل بعض المخيمات.
وبالتوازي مع النشاط الدعوي والتنظيمي، شارك إسلاميون فلسطينيون في المواجهات مع الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان. وتذكر مصادر الحركة الإسلامية استشهاد فيصل ناصر وحسني عبد الله وعصام موسى عام 1976 في مواجهات مع إسرائيل، ضمن البدايات المبكرة لمشاركة عناصر من هذا التيار في العمل المسلح.
واتسعت هذه المشاركة خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وخصوصًا في مخيم عين الحلوة ومحيطه، حيث شاركت قوى فلسطينية متعددة في مقاومة القوات الإسرائيلية.
وشهدت تلك المرحلة أيضًا تحولات فكرية داخل بعض الأوساط الفلسطينية المسلحة، من أبرزها تجربة “الكتيبة الطلابية” أو “كتيبة الجرمق”، التي ضمت عناصر انتقل عدد منهم تدريجيًا من خلفيات يسارية إلى تبني الفكر الإسلامي.
ولا يعني ذلك وجود امتداد تنظيمي مباشر بين تلك التجارب وكتائب القسام التي تأسست لاحقًا في فلسطين، لكنه يكشف البيئة السياسية والاجتماعية التي نما فيها التيار الإسلامي الفلسطيني في لبنان، قبل أن تصبح حركة حماس أحد أبرز ممثليه ابتداء من أواخر ثمانينيات القرن الماضي.
مرج الزهور.. محطة مفصلية
مثّل عام 1992 محطة فارقة في علاقة حركة حماس بالساحة اللبنانية، بعد إبعاد سلطات الاحتلال الإسرائيلي 415 فلسطينيًا من الضفة الغربية وقطاع غزة إلى منطقة مرج الزهور في جنوب لبنان، وكان معظمهم من المنتمين إلى حركتي حماس والجهاد الإسلامي.
أقام المبعدون قرابة عام في مخيم أقيم في منطقة وعرة قرب الحدود، بعدما رفض لبنان إدخالهم إلى أراضيه، ورفض الاحتلال إعادتهم في البداية إلى الأراضي الفلسطينية.
وبمرور الوقت، تحولت قضية المبعدين إلى حدث سياسي وإعلامي واسع، واستقطب المخيم وفودًا وشخصيات سياسية وإعلامية ومتضامنين، كما أوجد مساحة اتصال مباشرة بين كوادر إسلامية فلسطينية قادمة من الداخل الفلسطيني وأوساط فلسطينية ولبنانية.
بالنسبة إلى حماس، كانت التجربة تتجاوز البعد الإنساني والسياسي لقضية الإبعاد. فقد أتاحت لمئات الفلسطينيين في لبنان التعرف بصورة أقرب إلى الحركة التي كانت لا تزال في سنواتها الأولى، وإلى عدد من قياداتها وكوادرها الذين سيصبح بعضهم لاحقًا في مواقع قيادية متقدمة.
وفي الاتجاه المقابل، تعرّف المبعدون عن قرب إلى واقع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وإلى تركيبة المخيمات وقواها السياسية والاجتماعية.
كما وسعت تجربة مرج الزهور دائرة علاقات حماس مع قوى لبنانية وفلسطينية، وجاءت في مرحلة كانت فيها الحركة تبني شبكة علاقاتها الإقليمية تدريجيًا. وتطورت خلال السنوات التالية صلاتها السياسية مع أطراف لبنانية مختلفة، وفي مقدمتها الجماعة الإسلامية، كما تطورت قنوات التواصل مع حزب الله، في سياق أوسع من العلاقات التي كانت حماس تنسجها في المنطقة.
وجرت هذه التحولات في ظل نفوذ سوري واسع في لبنان خلال تلك المرحلة، وفي وقت كانت فيه علاقة حماس بدمشق تتطور تدريجيًا، قبل أن تستضيف سوريا لاحقًا قيادة الحركة في الخارج لسنوات.
وتشير دراسات تناولت الحركات الإسلامية الفلسطينية في لبنان إلى وجود اتصالات ونشاط لحماس في الساحة اللبنانية حتى قبل تجربة مرج الزهور؛ ويذكر الباحث رأفت مرة، في دراسته عن الحركات الإسلامية في المجتمع الفلسطيني في لبنان، زيارات لقياديين في الحركة إلى البلاد مطلع التسعينيات ضمن خطوات بناء حضورها وعلاقاتها هناك.
ومن هنا، يصعب اعتبار مرج الزهور نقطة تأسيس تنظيمية للقسام في لبنان، لكنه شكّل محطة مهمة في توسيع معرفة حماس بالساحة اللبنانية، وتعميق صلاتها بالمجتمع الفلسطيني وقواه السياسية والاجتماعية.
من الحضور السياسي إلى مؤشرات النشاط العسكري
مع نهاية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، أصبح حضور حماس داخل المجتمع الفلسطيني في لبنان أكثر وضوحًا، وصولًا إلى إعلان الحركة انطلاقتها التنظيمية في البلاد عام 2000.
وجاء اتساع هذا الحضور ضمن بيئة سياسية وأمنية شديدة الخصوصية. فمن جهة، ظل لبنان إحدى ساحات المواجهة المباشرة مع إسرائيل، خصوصًا في الجنوب، واستمرت معادلة الصراع على الحدود بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، مع بروز حزب الله بوصفه القوة العسكرية الرئيسية في مواجهة إسرائيل.
ومن جهة أخرى، بقي السلاح الفلسطيني مسألة شديدة الحساسية داخل لبنان، بفعل إرث الحرب الأهلية والعلاقة التاريخية المعقدة بين الدولة اللبنانية والفصائل الفلسطينية، فضلًا عن الوضع القانوني والأمني الخاص للمخيمات.
وبين هذين العاملين تحركت حماس: حركة فلسطينية توسع حضورها السياسي والاجتماعي داخل المخيمات، وتتقاطع في أهدافها مع معسكر إقليمي يرفع خيار مقاومة إسرائيل، لكن أيضا ضمن حسابات واقع لبناني يفرض حسابات سياسية وأمنية خاصة على أي نشاط فلسطيني مسلح.
ولذلك لم يظهر تطور الحضور العسكري للحركة في لبنان من خلال إعلان تأسيسي واضح، بل عبر سلسلة من الوقائع المتباعدة التي أخذت، مع مرور الوقت، ترسم صورة أكثر وضوحًا.
ومن أبرز تلك المحطات محاولة اغتيال محمد حمدان في مدينة صيدا مطلع عام 2018، إثر انفجار عبوة وضعت في سيارته وأدت إلى إصابته. ووجهت السلطات اللبنانية لاحقًا الاتهام إلى جهاز الموساد الإسرائيلي بالوقوف وراء العملية، فيما قدمت وسائل إعلام إسرائيلية حمدان باعتباره مسؤولًا مرتبطًا بالنشاط العسكري لحماس.
وفي كانون الأول/ديسمبر 2021، وقع انفجار في مخيم البرج الشمالي قرب مدينة صور، أسفر عن استشهاد حمزة إبراهيم شاهين، أحد عناصر الحركة. وقالت حماس آنذاك إن الحادث نجم عن تماس كهربائي، فيما أثار الانفجار مجددًا نقاشًا إعلاميًا حول طبيعة نشاط الحركة داخل لبنان.
وبحلول عام 2023، أصبحت المؤشرات العسكرية أكثر وضوحًا. ففي نيسان/أبريل من ذلك العام، أطلقت عشرات الصواريخ من جنوب لبنان باتجاه شمال فلسطين المحتلة، وحمّلت إسرائيل حركة حماس مسؤولية إطلاقها.
ومع أن حماس لم تعلن في تلك المرحلة عن بنية عسكرية مستقلة للقسام في لبنان، فإن تلك التطورات جعلت مسألة النشاط العسكري للحركة جزءًا متزايد الحضور في النقاش السياسي والأمني المتعلق بالساحة اللبنانية.
طوفان الأقصى.. الانتقال إلى الإعلان العلني
بعد ثلاثة أيام من طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وبدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، أعلنت كتائب القسام في 10 تشرين الأول/أكتوبر قصف مواقع في شمال فلسطين المحتلة من جنوب لبنان.
وقال بيان الكتائب إن العملية جاءت “قيامًا بالواجب في معركة طوفان الأقصى”، وإنها قصفت أهدافًا في الجليل الغربي.
كان الجديد في البيان أقل ارتباطًا بإطلاق الصواريخ من لبنان، الذي سبق أن شهد وقائع مماثلة نُسب بعضها إلى حماس، وأكثر ارتباطًا بتبني كتائب القسام العملية رسميًا وباسمها من الأراضي اللبنانية.
وبذلك دخل الحضور العسكري للحركة في لبنان مرحلة أكثر علنية.
وخلال الأيام والأسابيع التالية، أعلنت الكتائب عمليات أخرى، بينها محاولات تسلل وإطلاق صواريخ باتجاه مواقع إسرائيلية على الحدود.
وفي 14 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أعلنت الكتائب استشهاد ثلاثة من عناصرها، أحمد أسامة العثمان ويحيى نايف عبد الرازق وصهيب عمر كايد، خلال عملية عبر الحدود، في واحدة من أولى العمليات التي أعلنت فيها أسماء عناصرها المشاركين في القتال انطلاقًا من لبنان.
ومع امتداد الحرب، أصبح لبنان إحدى جبهات الإسناد لقطاع غزة، وإن بقيت طبيعة مشاركة القوى الموجودة فيه وحجمها متفاوتين، وظل حزب الله الطرف الرئيسي في المواجهة على الجبهة اللبنانية.
الاغتيالات تكشف جانبًا من الحضور
أدت المواجهة التي بدأت في تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى ظهور معلومات عن حضور حماس والقسام في لبنان أكثر مما ظهر خلال السنوات السابقة، خصوصًا مع سلسلة الاغتيالات الإسرائيلية وبيانات النعي التي أعقبتها.
وكان أبرز تلك الضربات اغتيال الشيخ صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي لحماس، في الضاحية الجنوبية لبيروت في كانون الثاني/يناير 2024، إلى جانب عدد من كوادر الحركة والقسام.
كما استهدفت إسرائيل خلال الحرب شخصيات أخرى من الحركة في مناطق مختلفة من لبنان، فيما أعلنت حماس وكتائب القسام تباعًا أسماء عناصر استشهدوا في غارات عدوانية إسرائيلية.
وتظهر البيانات المتاحة حتى حزيران/يونيو 2026 استشهاد عشرات المنتمين إلى حركة حماس وجناحها العسكري في لبنان، إلى جانب أفراد من عائلاتهم ومدنيين استشهدوا في بعض الغارات.
وبحسب رصد بيانات النعي المتاحة، بلغ عدد الشهداء المنتمين إلى حماس والقسام 81 شهيدا حتى 18 حزيران/يونيو 2026، بينهم قيادات سياسية وعسكرية وعناصر ميدانيون. وتحتاج هذه الحصيلة، مع ذلك، إلى التعامل معها بوصفها رصدًا للبيانات المنشورة، لا كشفًا كاملًا عن حجم البنية التنظيمية للحركة.
ويظهر من أسماء الشهداء وبيانات النعي توزع المنتمين إلى الحركة والكتائب على عدد من المخيمات والتجمعات الفلسطينية في مناطق مختلفة من لبنان، وهو ما يشير إلى اتساع الحضور الجغرافي لحماس، لكنه لا يعطي معلومات دقيقة لبنية القسام العسكرية أو حجمها أو طريقة انتشارها.
كما تظهر بين الأسماء شخصيات لبنانية إلى جانب الفلسطينيين، بما يعكس وجود دوائر اتصال وتداخل تتجاوز الوسط الفلسطيني، من دون أن تكفي المعلومات المنشورة لتحديد طبيعة هذه العلاقة تنظيميًا.
مسار طويل وأسئلة ما تزال مفتوحة
لا يبدأ تاريخ حضور القسام في لبنان مع “طوفان الأقصى”، كما لا يمكن إرجاع نشوء البنية العسكرية لكتائب القسام في البلاد إلى تاريخ محدد استنادًا إلى المعلومات العلنية المتاحة.
فما يمكن تتبعه هو مسار أطول بدأ في بيئة إسلامية فلسطينية سبقت تأسيس حماس، ثم اكتسب بعدًا جديدًا مع نشوء الحركة أواخر الثمانينيات، وجاءت تجربة مرج الزهور عام 1992 لتوسع اتصالها بالساحة اللبنانية، قبل أن تبني خلال السنوات التالية حضورًا سياسيًا وتنظيميًا متزايدًا داخل المخيمات. ومنذ مطلع الألفية، بدأت تظهر على فترات متباعدة وقائع مرتبطة بالنشاط العسكري للحركة، أصبحت أكثر وضوحًا خلال السنوات الأخيرة، وصولًا إلى تبني كتائب القسام عمليات انطلاقًا من لبنان باسمها في تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ومع ذلك، تبقى المعلومات العلنية غير كافية للإجابة عن أسئلة أساسية تتعلق بالتاريخ الدقيق لنشوء البنية العسكرية للكتائب في لبنان، وحجمها ومراحل تطورها وعلاقتها ببقية مكونات الساحة اللبنانية.
وما تكشفه المحطات الموثقة هو أن “طوفان الأقصى” شكّل نقطة انتقال في طبيعة ظهور جناحها العسكري، من سنوات اتسمت بمعلومات متفرقة ومؤشرات محدودة، إلى مرحلة أصبحت فيها العمليات وبيانات النعي والاغتيالات تكشف جانبًا أكبر من هذا الحضور.
ويبقى فهم هذه التجربة مرتبطًا بخصوصية لبنان نفسه: مجتمع فلسطيني يعيش في مخيماته منذ النكبة ويحمل قضية العودة، وحدود ظلت على مدى عقود إحدى ساحات الصراع المباشر مع إسرائيل، وفي المقابل ذاكرة لبنانية ثقيلة تجاه السلاح الفلسطيني وتعقيدات سياسية وأمنية تجعل موقع أي قوة فلسطينية مسلحة في لبنان مختلفًا عن موقعها داخل الأراضي الفلسطينية.
