
المركز الفلسطيني للإعلام
لا تبدأ معاناة الطالب الفلسطيني عند بوابة المدرسة، بل قد تبدأ قبل الفجر وهو يقدّر الوقت الذي يحتاجه لعبور حاجز عسكري، أو يراجع احتمال إغلاق طريقه، أو ينتظر قراراً مفاجئاً يمنعه من الوصول. والسؤال عن كيف تؤثر الحواجز على التعليم هو سؤال عن حق شعب كامل في أن يتعلم دون إذلال أو تعطيل أو تهديد دائم. فحين تتحول حركة الطفل والمعلم إلى امتياز مرهون بمزاج جندي إسرائيلي وإجراءات الاحتلال، يصبح التعليم نفسه ساحة من ساحات الصراع على الوجود والهوية والمستقبل.
الحاجز ليس نقطة تفتيش عابرة
تتعامل سلطات الاحتلال مع الحواجز والبوابات العسكرية والجدار الفاصل والإغلاقات باعتبارها أدوات للسيطرة على الأرض والسكان. لكن أثرها لا يقف عند تعطيل المركبات أو إطالة الطريق. الحاجز يعيد رسم الجغرافيا اليومية للفلسطينيين: قرية تصبح أبعد من مدرستها، ومدينة تنفصل عن محيطها، وطالب جامعي يجد أن محاضرته مرهونة بفتح بوابة أو السماح له بالمرور.
في الضفة الغربية، لا تكون المسافة بين البيت والمدرسة هي المعيار الحقيقي للوقت. قد تكون المدرسة على بعد كيلومترات قليلة، لكن الالتفاف حول الحواجز والمستوطنات والطرق المغلقة يحول الرحلة إلى ساعات. وفي القدس المحتلة، يواجه الطلبة الفلسطينيون واقعاً مختلفاً في تفاصيله، متشابهاً في غايته: قيود على الحركة، وسياسات تهويد تمس المناهج والمؤسسات، وضغط متواصل لدفع التعليم الفلسطيني إلى الهامش.
وتقيم قوات الاحتلال أكثر من 800 حاجز وبوابة في الضفة الغربية تحول مدنها وقراها إلى كانتونات منعزلة.
أما في قطاع غزة، فإن الحصار الممتد والعدوان العسكري وتدمير البنية التعليمية يضيفون طبقة أشد قسوة من الحواجز. هناك لا يتعلق الأمر أحياناً بالوصول المتأخر إلى الفصل، بل بفقدان المدرسة ذاتها، أو النزوح المتكرر، أو تحوّل المباني التعليمية إلى مراكز إيواء ثم إلى أهداف للقصف.
وعلى مدار 3 سنوات من الإبادة دمرت إسرائيل غالبية مدارس غزة، وقتلت آلاف الطلبة وأثر من 1100 من المعلمين والعاملين في سلك التعليم، فيما يدرس جزء من الطلبة حاليا في نقاط تعليمية ومدارس مؤقتة.
كيف تؤثر الحواجز على التعليم؟
أول الأثر هو ضياع الزمن التعليمي. التأخر الصباحي المتكرر ليس تفصيلاً بسيطاً، لأن الحصة التي تضيع لا تعوض دائماً، خصوصاً في المواد التراكمية وفي سنوات الشهادات العامة والجامعة. وقد يضطر المعلمون إلى اختصار الدروس أو تغيير مواعيد الاختبارات أو إلغاء الأنشطة، كي يتجنب الطلبة العودة المتأخرة عبر طرق قد تغلق في أي لحظة.
الأثر الثاني نفسي وتربوي. الطفل الذي يعتاد التفتيش المسلح والصراخ والانتظار الطويل لا يدخل الصف بالذهن نفسه الذي دخل به طفل آخر من طريق آمن. القلق من التأخر، والخوف من الاحتجاز أو الاعتداء، ومشاهدة الإهانات الواقعة على الأهل والمعلمين، كلها عوامل تستنزف التركيز وتضعف الإحساس بالأمان. والتعليم يحتاج إلى بيئة تمنح الطالب حق السؤال والخطأ والتجربة، لا بيئة تجعله منشغلاً بإثبات حقه في المرور.
ثم يأتي الأثر الاجتماعي. فالحواجز تعزل الطلبة عن زملائهم، وتحد من المشاركة في المسابقات والأنشطة الثقافية والزيارات الجامعية والتدريب العملي. وهي تضرب، بصورة خاصة، فرص الطلبة القادمين من القرى والمخيمات والمناطق القريبة من المستوطنات أو الواقعة خلف الجدار. وهكذا يتسع التفاوت داخل المجتمع الفلسطيني نفسه، ليس بسبب قدرات الطلبة، بل بسبب مستوى الحصار المفروض على أماكن سكنهم.
المعلمون أيضاً تحت الحصار
لا يمكن فصل تحصيل الطالب عن قدرة معلمه على الوصول والاستقرار. المعلم الذي يعبر حاجزاً يومياً قد يصل منهكاً أو متأخراً، وقد يضطر إلى الغياب حين تغلق الطرق أو تندلع الاقتحامات. وفي بعض المناطق، يصبح تعيين الكوادر المتخصصة أكثر صعوبة، لأن الانتقال بين المدن والبلدات ليس أمراً مضموناً.
هذا الواقع يضغط على المدارس لتغطية النقص ببدائل مؤقتة أو دمج الشعب أو تقليص المواد الداعمة. وقد ينجح المعلمون والإدارات في ابتكار حلول كثيرة، لكن لا ينبغي تحويل صمودهم إلى ذريعة للتعامل مع الأزمة كأنها طبيعية. المرونة الفلسطينية قوة، لكنها لا تلغي مسؤولية الاحتلال عن إنتاج العائق من أساسه.
من تعطيل الدرس إلى إضعاف الحق في المستقبل
حين تمنع الحواجز الوصول المنتظم إلى التعليم، فإنها تمس سلسلة كاملة من الحقوق. الطالب الذي تتراجع علاماته بسبب الغياب والتوتر قد يفقد فرصة في تخصص جامعي أو منحة أو وظيفة. والطالبة التي يتضاعف خطر الطريق عليها قد تواجه ضغطاً عائلياً للانقطاع، لا لقلة الرغبة أو الكفاءة، بل لأن الوصول إلى المؤسسة التعليمية بات محفوفاً بالمخاطر.
كما تؤثر القيود على التعليم العالي والبحث العلمي. الجامعات الفلسطينية ليست مجرد قاعات محاضرات، بل فضاءات لإنتاج المعرفة الوطنية، وتأهيل الأطباء والمهندسين والمعلمين والباحثين. وعندما يصبح انتقال الطلبة والأكاديميين بين المدن صعباً، تتضرر المختبرات والشراكات العلمية والندوات والتدريب الميداني. النتيجة بعيدة المدى هي إبطاء قدرة المجتمع على بناء مؤسساته وخدمة احتياجاته الذاتية.
هذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط اللغة الإجرائية عن «الأمن» و«التصاريح». الحاجز ليس إجراءً محايداً حين يطبق في سياق احتلال عسكري وتوسع استيطاني ومصادرة للأرض. إنه جزء من نظام يفتت المجتمع الفلسطيني ويجعل أبسط حقوقه اليومية قابلة للتعطيل.
غزة: حين تصبح المدرسة هدفاً وملجأً
في غزة، تتجاوز الحواجز معناها التقليدي لتظهر في الحصار وإغلاق المعابر ومنع دخول الاحتياجات التعليمية وتدمير المدارس والجامعات. العدوان لا يقطع الدوام فقط، بل يقطع الاستمرارية التي يحتاجها أي نظام تعليمي: مبانٍ آمنة، معلمون حاضرون، كتب ووسائل، كهرباء واتصال، وبيوت مستقرة يستطيع الطالب أن يذاكر فيها.
التعليم عن بعد قد يقدم مساعدة جزئية في بعض الظروف، لكنه ليس بديلاً عادلاً في بيئة تتعرض فيها الاتصالات والكهرباء للانقطاع، وتفقد فيها أسر كثيرة المأوى والأجهزة والخصوصية. كما أن التعلم الإلكتروني لا يعالج صدمة طفل نزح مرات عدة، أو فقد قريباً، أو يعيش تحت تهديد القصف. الحديث عن الحلول التقنية هنا يجب أن يبقى واقعياً: التكنولوجيا أداة دعم، وليست بديلاً عن وقف العدوان وضمان الحماية الفعلية للمؤسسات التعليمية.
صمود المدارس لا يعفي العالم من مسؤوليته
رغم كل ذلك، يواصل الطلبة والمعلمون والأهالي ابتكار وسائل للحفاظ على التعلم. تُنظم حصص في أماكن بديلة، وتتبادل العائلات الكتب، ويعيد المعلمون ترتيب الخطط وفق الوقت المتاح، ويتمسك الطلبة بجامعاتهم ومدارسهم بوصفها جزءاً من تمسكهم بالحياة والحق الوطني. هذه الصور تستحق أن تُروى لأنها تكشف أن التعليم الفلسطيني فعل بقاء ومقاومة معرفية، لا خدمة ثانوية يمكن تأجيلها إلى وقت أكثر ملاءمة.
لكن الإشادة بالصمود يجب أن تقترن بموقف واضح: لا يكفي تقديم مساعدات مؤقتة أو إصدار بيانات قلق. المطلوب حماية المدارس والجامعات، ووقف استهدافها، وضمان حرية الحركة للطلبة والمعلمين، ومحاسبة من يحول حق التعليم إلى أداة للعقاب الجماعي والسيطرة السياسية.
ما الذي يحمي حق الطالب الفلسطيني؟
حماية التعليم تبدأ بالاعتراف بأن الوصول الآمن والمنتظم إلى المدرسة حق غير قابل للمساومة. وهذا يقتضي إنهاء الإغلاقات التي تقطع التجمعات الفلسطينية، ووقف الاعتداءات على الطلبة والمعلمين، وحماية المؤسسات التعليمية من الاقتحام والتدمير، ودعمها بما يسمح لها بالاستمرار دون فرض شروط تمس هويتها أو روايتها الوطنية.
كما تحتاج القضية إلى توثيق مستمر لا يختزل الأثر في أرقام الغياب. كل ساعة انتظار على حاجز، وكل طالبة عدلت طريقها خوفاً، وكل محاضرة ألغيت بسبب اقتحام، هي شهادة على كلفة الاحتلال في حياة الناس. وللإعلام الفلسطيني دور حاسم في نقل هذه التفاصيل من هامش الخبر إلى مركزه، لأن ما يبدو حادثاً يومياً هو في الحقيقة سياسة مستمرة ضد مستقبل الفلسطينيين.
أن يحمل الطالب حقيبته ويصل إلى مدرسته بأمان ليس مطلباً استثنائياً، بل حق بسيط وواضح. الدفاع عن هذا الحق يعني الدفاع عن جيل يرفض أن يرث الجهل الذي يحاول الاحتلال فرضه، ويصر على أن المعرفة طريق للحرية وحفظ الذاكرة وبناء فلسطين التي يستحقها أبناؤها.
