
المركز الفلسطيني للإعلام
لم تعد اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي على المسجد الأقصى المبارك تقتصر على الاقتحامات ومحاولات فرض الوقائع التهويدية في ساحاته، بل امتدت إلى ملاحقة خطبائه وأئمته ومرجعياته الدينية بالاعتقال والاستدعاء والإبعاد، في سياسة تستهدف تقييد رسالة المنبر الإسلامي والحد من حضور العلماء والشخصيات المقدسية المدافعة عن هوية المسجد ومكانته.
وتثير هذه الإجراءات مخاوف من مساعٍ متصاعدة لتفريغ المسجد الأقصى من رموزه الدينية، وتقليص دوره بوصفه منبرًا جامعًا يتناول قضايا القدس وفلسطين والأمة الإسلامية، بالتزامن مع استمرار اقتحامات المستوطنين ومحاولات فرض واقع ديني وسياسي جديد في المسجد.
وحذّر رئيس الهيئة الإسلامية العليا وخطيب المسجد الأقصى، الشيخ عكرمة صبري، من أن قرارات الإبعاد المتكررة بحق الخطباء والمرجعيات الدينية تأتي ضمن مخطط لتكميم الأفواه ومنع حراس المنبر من تناول القضايا الحيوية التي تمس واقع الأمة الإسلامية.
وأكد صبري أن استهداف الرموز الدينية يهدف إلى تفريغ الأقصى من العلماء والشخصيات الفاعلة التي تقف في وجه مخططات التهويد، إلى جانب تقليص أعداد المصلين وإضعاف الوجود الإسلامي في رحابه، معتبرًا أن إبعاد الخطباء واقتحامات المستوطنين يشكلان مسارين متكاملين لفرض واقع جديد داخل المسجد.
اعتقالات وإبعادات تطال خطباء الأقصى
وتصاعدت خلال الفترة الأخيرة إجراءات الاحتلال بحق خطباء المسجد وأئمته، من خلال مراقبة خطب الجمعة واستدعاء الخطباء والتحقيق معهم واعتقالهم، وصولًا إلى إصدار قرارات إدارية تمنعهم من دخول المسجد أو أداء مهامهم الدينية فيه.
وفي 23 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، اعتقلت شرطة الاحتلال خطيب المسجد الأقصى الشيخ خالد أبو جمعة، عقب انتهائه من خطبة الجمعة والصلاة، قبل الإفراج عنه بشرط إبعاده عن المسجد أسبوعًا، مع إمكانية تمديد القرار لأيام إضافية.
وجاء الاعتقال على خلفية خطبة تناولت أهمية الرباط في القدس والمسجد الأقصى، وما يرتبط به من أجر وثواب، إلى جانب الحديث عن موسم قطف الزيتون وعلاقة الفلسطينيين بأرضهم وتمسكهم بها.
ولم يقتصر الاستهداف على أبو جمعة، إذ جدّدت سلطات الاحتلال قرار إبعاد الشيخ عكرمة صبري عن المسجد الأقصى ستة أشهر، تنتهي في منتصف نيسان/أبريل 2027، بعدما منعته من دخوله منذ آب/أغسطس 2024 بموجب قرارات إبعاد متواصلة.
كما طالت الإجراءات المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية وخطيب الأقصى، الشيخ محمد حسين، الذي صدر بحقه قرار إبعاد لمدة ستة أشهر، اعتبارًا من 10 تموز/يوليو 2026 وحتى 10 كانون الثاني/يناير 2027.
وتعكس هذه القرارات، وفق ما يطرحه مراقبون للشأن المقدسي، توجّهًا نحو تقييد الخطاب الديني الذي يتناول انتهاكات الاحتلال في القدس والمقدسات، ومحاصرة الشخصيات التي تؤدي دورًا دينيًا ووطنيًا في الدفاع عن المسجد الأقصى.
استهداف المنبر ومحاولة تفريغه من رسالته
من جهته، حذّر مدير مركز القدس الدولي حسن خاطر من خطورة استهداف خطباء الأقصى وإبعادهم ومنعهم من الخطابة، معتبرًا أن هذه الإجراءات تمثل تدخلًا سافرًا في رسالة المسجد ودوره الديني والوطني.
وقال خاطر إن المسجد الأقصى كان من أبرز المنابر القادرة على مناقشة الواقع بجرأة، وتسليط الضوء على ممارسات الاحتلال وجرائمه، وما تشهده القدس وفلسطين والعالم الإسلامي من أحداث، مشيرًا إلى أن التضييق على الخطباء والأئمة مستمر منذ احتلال المدينة عام 1967، لكنه تصاعد بصورة ملحوظة في الآونة الأخيرة.
وأوضح أن استهداف الاحتلال لم يعد مقتصرًا على جغرافية المسجد ومكانته الدينية، بل امتد إلى مضمون رسالته، من خلال ملاحقة كل من يخرج عن الخطاب الذي يسعى إلى فرضه، سواء بالاعتقال أو المنع من الخطابة أو الإبعاد عن المسجد.
وشدد خاطر على أن رسالة الأقصى وحرية إيصالها تمثلان جوهر هويته، وأن تغييب الخطيب القادر على التعبير عن نبض الشارع ومواجهة الانتهاكات يحوّل المسجد إلى معلم عمراني ذي طابع ديني، منزوع من دوره الحقيقي.
تضييق على الأوقاف وتعزيز السيطرة
وأشار خاطر إلى أن الإجراءات الإسرائيلية تترافق مع محاولات إضعاف دور دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، وحصر مهامها في إدارة شكلية لشؤون المسجد، مقابل توسيع تدخل شرطة الاحتلال في تفاصيل إدارته والتحكم في حركة الدخول والخروج وفتح الأبواب وإغلاقها.
ولفت إلى أن الهيمنة امتدت إلى الجوانب العمرانية، مع منع أعمال الإصلاح وإزالة المخلفات والأتربة المتراكمة في أجزاء من ساحات المسجد، في ظل تدخل الاحتلال في شؤونه المختلفة.
وحذّر من أن استمرار إبعاد العلماء وتقييد دور الأوقاف، بالتوازي مع تكثيف اقتحامات المستوطنين، يهدد بتعزيز السيطرة الإسرائيلية على المسجد الأقصى، داعيًا إلى تحرك جاد لحماية مكانته الدينية وصون حرية رسالته، في ظل ما تواجهه القدس من إجراءات تستهدف هويتها العربية والإسلامية.
73 قرار إبعاد خلال الربع الثالث
وتكشف الإحصائيات الرسمية حجم التصعيد الإسرائيلي بحق المسجد الأقصى والمرجعيات المقدسية؛ إذ وثّقت محافظة القدس إصدار 73 قرار إبعاد خلال الربع الثالث من عام 2026، بينها 63 قرارًا استهدف الإبعاد عن المسجد الأقصى، وطالت حراسًا وموظفين وخطباء وأسرى محررين وصحفيين وناشطين. كما سجلت اقتحام 27,830 مستوطنًا للمسجد خلال الفترة ذاتها، و357 حالة اعتقال في محافظة القدس.
وتأتي هذه الأرقام في سياق سياسة متصاعدة لتقييد الوجود الفلسطيني في المسجد، بما يشمل العلماء والخطباء والمصلين، الأمر الذي يثير مخاوف من استهداف هوية الأقصى الدينية والتاريخية، وتقويض دور منابره في الدفاع عن المقدسات وفضح الانتهاكات الإسرائيلية.
