
المركز الفلسطيني للإعلام
لا تبدو الطقوس التي تشهدها محيطات المسجد الأقصى خلال الأعياد اليهودية مجرد ممارسات موسمية عابرة، في ظل تصاعد محاولات جماعات الهيكل المزعوم تحويلها تدريجياً إلى مشهد متكرر وحضور ديني دائم، بالتوازي مع تحذيرات مقدسية من أن ما يجري عند باب الرحمة ومحيط السور الشرقي يمثل مساراً متدرجاً لفرض واقع جديد على أحد أبرز معالم القدس المحتلة.
ومع انقضاء أيام الأعياد اليهودية، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت الطقوس التي جرى الدفع بها خلال موسم رأس السنة العبرية ستتوقف بانتهاء المناسبة، أم ستتحول إلى ممارسات منتظمة يجري تثبيتها على الأرض، خصوصاً في ظل دعوات متصاعدة لتنظيم صلوات وطقوس يهودية في محيط المسجد الأقصى، ومحاولات توسيع نطاقها زمانياً ومكانياً.
نفخ البوق.. من محاولة خاطفة إلى طقس جماعي
في هذا السياق، نشر بعض نشطاء جماعات الهيكل المزعوم تقارير تتحدث عن نفخ البوق داخل المسجد الأقصى للعام السادس على التوالي، خلال يوم الأحد 13 أيلول/ سبتمبر الجاري، وسط استمرار التعتيم الذي حال دون قدرة أي جهة فلسطينية أو إسلامية على توثيق ما جرى داخل المسجد أو تأكيد تفاصيله بشكل مستقل.
وبحسب ما نشره هؤلاء النشطاء، أقيمت صباح الأحد ما وصفوها بـالصلاة الجماعية التاريخية في الساحة الشرقية للمسجد الأقصى، قبالة قبة الصخرة، بمشاركة 220 مستوطناً دفعة واحدة، فيما تحدثت المنشورات عن نفخ الأبواق المصنوعة من العظم، إلى جانب أبواق معدنية صغيرة.
وتضمن الترتيب، وفق الرواية المنشورة، نفخ أحد المستوطنين بالبوق من خارج المسجد الأقصى، في منطقة مقبرة باب الرحمة، بالتزامن مع الطقس داخل المسجد، بهدف إيصال صوت البوق إلى ما يسمونه الهيكل.
كما أرفقت تلك التقارير صوراً لخمسة أبواق مصنوعة من العظم وخمسة أخرى معدنية، قيل إنها استخدمت خلال الطقوس، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة المخاوف من ترسيخ هذه الممارسة داخل الأقصى.
ويعود أول توثيق لمحاولة نفخ البوق داخل المسجد الأقصى إلى عام 2021، عندما جرت محاولة خاطفة، قبل أن تتوسع الممارسة تدريجياً وتتحول إلى طقس جماعي تحاول جماعات الهيكل فرضه في المكان، في ظل حماية شرطة الاحتلال.
وكان وزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير قد دعا في آخر اقتحام له للمسجد الأقصى في 31 آب/ أغسطس الماضي إلى نفخ البوق داخله، في موقف سبق هذه الطقوس بأيام، وأكد من خلاله الدفع السياسي نحو تكريس مثل هذه الممارسات.
باب الرحمة.. محطة جديدة للطقوس اليهودية
في موازاة ذلك، تحذر محافظة القدس من أن جماعات الهيكل المزعوم تعمل على تثبيت حضور ديني يهودي متكرر في محيط المسجد الأقصى، ولا سيما عند الجهة الشرقية للسور المحاذية لمقبرة باب الرحمة.
وخلال الأسابيع الماضية، رصدت المحافظة تحركات متكررة تضمنت إقامة صلوات وطقوس جماعية ونفخ البوق بالقرب من السور الشرقي، بعدما دخل المشاركون إلى المنطقة المحاذية لباب الرحمة، في تحركات تجاوزت، بحسب المحافظة، نطاق الطقوس المرتبطة بالأعياد والمناسبات اليهودية.
وتشير المعطيات التي أعلنتها المحافظة إلى أن هذه التحركات أخذت منحى أكثر انتظاماً، مع تنظيم تجمعات في 27 آب/ أغسطس و3 و10 أيلول/ سبتمبر الجاري، والدعوة إلى استمرارها خلال الأيام المقبلة.
ووفق التحذيرات المقدسية، لم تعد المسألة مرتبطة بمناسبة واحدة، إذ يجري الترويج لإقامة ما تسمى صلوات السليحوت عند منتصف ليلة الخميس 17 أيلول/ سبتمبر، وكذلك عقب خروج السبت ليلة 20 أيلول/ سبتمبر، عشية ما يسمى يوم الغفران.
وتربط المحافظة هذه التحركات بأوري أوحيون، الضابط السابق في جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي بدأت، وفق رصدها، دعوته إلى إقامة صلوات منتظمة في هذه المنطقة منذ 16 آب/ أغسطس الماضي، قبل تنظيم التجمع الأول في 27 من الشهر ذاته، ثم تجمعين آخرين في 3 و10 أيلول.
من طقوس موسمية إلى حضور دائم
وتحذر محافظة القدس من أن خطورة هذه التحركات تكمن في انتقالها من طقوس مرتبطة بمواسم محددة إلى محاولة إنشاء نقطة صلاة يهودية متكررة في محيط الأقصى، بما قد يمهد لتحويلها لاحقاً إلى موقع ديني دائم.
كما رصدت المحافظة منشورات دعائية لجماعات الهيكل عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب إنشاء مجموعة عبر تطبيق واتساب تحت اسم أبواب الرحمة افتحي لنا، للترويج لرواية دينية يهودية تمنح الجهة الشرقية من سور الأقصى، ولا سيما باب الرحمة، مكانة دينية خاصة.
وتحاول هذه الرواية، بحسب المحافظة، تقديم باب الرحمة والمنطقة المحيطة به باعتبارهما موقعاً يمكن الوصول إليه وإقامة الصلاة والطقوس فيه، في خطوة ترى فيها القدس محاولة لإعادة تعريف المكان وفرض سردية دينية جديدة عليه.
ولم تقف الدعوات عند حدود الترويج، بل انتقلت إلى تنظيم تجمعات فعلية في المنطقة المحاذية للسور الشرقي، حيث أقيمت صلوات جماعية وطقوس دينية بالقرب من قبور المسلمين، بما يعزز المخاوف من تثبيت واقع جديد بالتكرار والممارسة.
الأقصى أمام مرحلة جديدة بعد الأعياد
وتؤكد محافظة القدس أن المسجد الأقصى، بكامل مساحته البالغة 144 دونماً، مكان عبادة إسلامي خالص، وأن حرمته الوقفية تشمل باحاته ومصلياته وأسوارَه وأبوابه ومعالمه كافة، بما فيها باب الرحمة الواقع ضمن السور الشرقي للمسجد.
وبينما تترقب القدس ما ستؤول إليه التحركات بعد انتهاء الأعياد اليهودية، يحذر نشطاء مقدسيون من أن الاختبار الحقيقي لا يكمن فقط في حجم الطقوس التي جرت خلال الموسم الحالي، وإنما في ما إذا كانت ستتحول إلى سلوك متكرر خارج إطار المواسم، بما يرسخ حضوراً جديداً في محيط الأقصى.
وتذهب التحذيرات إلى أن السماح بتطبيع هذه الممارسات أو التعامل معها باعتبارها طقوساً عابرة قد يفتح المجال أمام جماعات الهيكل لتوسيع نطاق تحركاتها، ونقلها إلى نقاط أخرى حول المسجد، وصولاً إلى تحويل أماكن التجمع المؤقتة إلى مواقع صلاة وطقوس دائمة.
ومن هنا، تبدو مرحلة ما بعد الأعياد اختباراً جديداً لمسار المسجد الأقصى، في ظل مخاوف مقدسية من أن تكون الطقوس التي شهدها موسم الأعياد مجرد خطوة ضمن مسار أطول، يبدأ بالتكرار والتطبيع، ثم ينتهي بفرض حضور ديني يهودي دائم في محيط المسجد.
وترى محافظة القدس أن ما يجري عند باب الرحمة يمثل مساراً منظماً لفرض واقع ديني يهودي جديد، يبدأ بتطبيع الطقوس وتكرارها، ثم تحويلها تدريجياً إلى حضور دائم وممارسة اعتيادية، وهو ما يجعل ما بعد الأعياد محطة لا تقل أهمية عن أيامها نفسها.

