Site icon Palestinealyoum

مجزرة قبية.. 73 عامًا على ليلةٍ دمّر فيها شارون القرية وقتل عشرات الفلسطينيين

مجزرة قبية.. 73 عامًا على ليلةٍ دمّر فيها شارون القرية وقتل عشرات الفلسطينيين

المركز الفلسطيني للإعلام

تحلّ اليوم الأربعاء، الذكرى الثالثة والسبعون لمجزرة قرية قبية غرب رام الله، التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بقيادة أريئيل شارون في 14 أكتوبر/تشرين الأول 1953، وأسفرت عن استشهاد نحو 69 فلسطينيًا، معظمهم من النساء والأطفال، بعدما هاجمت القرية وفجّرت عشرات المنازل فوق رؤوس سكانها.

وتُعدّ المجزرة واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبتها العصابات والقوات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين بعد نكبة عام 1948، إذ كشفت التحقيقات والوثائق الأممية والأرشيفات الإسرائيلية لاحقًا عن الدور المباشر للجيش في تنفيذ الهجوم، ومحاولات حكومة الاحتلال آنذاك التنصل من المسؤولية وإلقاء اللوم على مدنيين.

هجوم عسكري استمر حتى الفجر

وقعت المجزرة في قرية قبية، التي كانت تخضع للإدارة الأردنية آنذاك وتقع بالقرب من خط الهدنة، ونفذتها الوحدة العسكرية الإسرائيلية الخاصة «101» بقيادة شارون، بمشاركة عناصر من الكتيبة 890 التابعة لسلاح المظليين.

وجاء الهجوم عقب حادثة وقعت في بلدة يهود داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، ليلة 12-13 أكتوبر/تشرين الأول 1953، وأسفرت عن مقتل امرأة إسرائيلية وطفليها إثر إلقاء قنبلة يدوية على منزلهم.

واتهمت سلطات الاحتلال متسللين قدموا من الأراضي الخاضعة للإدارة الأردنية بالوقوف وراء الحادثة، واتخذتها ذريعة لتنفيذ عملية عسكرية واسعة حملت اسم «شوشانا»، وهو اسم إحدى الطفلتين اللتين قتلتا في الهجوم.

غير أن الوثائق الأممية أظهرت أن التحقيقات لم تكن قد حددت هوية منفذي الحادثة بصورة قاطعة، وأن السلطات الأردنية تعاونت مع الجهود الرامية إلى تعقبهم، قبل أن تشن القوات الإسرائيلية هجومها على قبية.

وبحسب تقارير هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة المقدمة إلى مجلس الأمن، بدأ الهجوم نحو الساعة التاسعة والنصف مساء 14 أكتوبر، واستمر حتى فجر اليوم التالي، مستخدمًا المدافع وقذائف الهاون والأسلحة الرشاشة.

ولم تقتصر الاعتداءات على قبية، إذ تعرضت قريتا بدرس وشقبا المجاورتان للقصف، في محاولة لمنع وصول المساعدات والقوات الأردنية إلى المنطقة.

تفجير المنازل فوق رؤوس ساكنيها

دخلت القوات الإسرائيلية القرية، وأطلقت النار على منازلها، ثم استخدمت المتفجرات لتدميرها، في وقت كان فيه السكان يحاولون الاحتماء من القصف داخل بيوتهم.

وتشير المصادر التاريخية إلى تدمير نحو 45 منزلًا، إلى جانب منشآت عامة، بينها مدرسة القرية وخزان المياه، فيما ارتقى عشرات الفلسطينيين بعدما انهارت المنازل فوق رؤوسهم.

ونقل تقرير قائد هيئة مراقبة الهدنة الأممية، الجنرال فاغن بينيكي، شهادات لسكان وصفوا ليلة من الرعب، أطلق خلالها الجنود النار على الأبواب والنوافذ، وألقوا القنابل اليدوية داخل المنازل قبل تفجيرها.

كما لاحظ المراقبون الأمميون آثار إطلاق نار كثيف على أبواب المنازل المدمرة، وجثثًا مصابة بالرصاص قرب مداخلها، وهو ما عزز الاستنتاج بأن بعض السكان لم يتمكنوا من مغادرة منازلهم قبل نسفها.

وعثر المحققون كذلك على قنابل يدوية تحمل كتابات عبرية تشير إلى تصنيعها في إسرائيل، إلى جانب أكياس من مادة «تي إن تي» المتفجرة.

وكان المراقبون قد أحصوا عشرات الجثث خلال الساعات الأولى من الهجوم، قبل أن ترتفع الحصيلة النهائية إلى نحو 69 شهيدًا فلسطينيًا، وفق الحصيلة الأكثر تداولًا في المصادر التاريخية.

وفي تحقيق ميداني نشرته صحيفة «ذا أوبزرفر» البريطانية عام 2001، استعاد ناجون من قبية تفاصيل الهجوم وما خلّفه من مآسٍ إنسانية.

وروت الفلسطينية صفية حسين طيب، التي كانت تبلغ 83 عامًا وقت إجراء المقابلة، أنها كانت تستعد للنوم عندما سمعت تحذيرات من اقتراب القوات الإسرائيلية، فلجأت مع أفراد من عائلتها إلى الطابق السفلي.

وأضافت أنها سمعت طوال الليل أصوات الانفجارات الناجمة عن تفجير المنازل، وفقدت خلال المجزرة ابنتها وزوج ابنتها وأحد أبناء إخوتها.

وثائق تكشف محاولة التنصل من المسؤولية

لم تتوقف تداعيات المجزرة عند عدد الضحايا وحجم الدمار، إذ واجهت حكومة الاحتلال انتقادات دولية دفعتها إلى محاولة نفي مسؤولية الجيش عن الهجوم.

وفي 19 أكتوبر/تشرين الأول 1953، ألقى رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك دافيد بن غوريون خطابًا إذاعيًا أنكر فيه مشاركة أي وحدة عسكرية إسرائيلية في العملية، ملمحًا إلى أن سكان المستوطنات الحدودية نفذوا الهجوم بدافع الانتقام.

لكن يوميات وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك، موشيه شاريت، كشفت أن هذه الرواية كانت موضع نقاش داخل المؤسسة الإسرائيلية، وأن مسؤولين اقترحوا تحميل مدنيين غاضبين مسؤولية العملية لإبعاد الشبهات عن الجيش.

وفي مدونة مؤرخة في 17 أكتوبر 1953، أشار شاريت إلى أن رواية تورط المدنيين لا تستند إلى أساس، لأنها تتجاهل الطبيعة العسكرية الواضحة للهجوم.

وتعززت الأدلة على مسؤولية الجيش من خلال الأرشيف الرسمي الإسرائيلي، الذي أقر بأن الوحدة 101 بقيادة شارون نفذت عملية قبية في 14 أكتوبر 1953، وفجّرت نحو 45 منزلًا في القرية.

كما خلصت دراسة أكاديمية نشرتها مجلة «Israel Law Review» عام 2025 إلى أن العملية جاءت بقرار من القيادة الإسرائيلية، وأن الأوامر العسكرية تضمنت إلحاق أكبر قدر من الضرر بالقرية.

إدانة أممية بلا عقوبات

أثارت المجزرة غضبًا واسعًا في الأردن، الذي كان يتولى إدارة الضفة الغربية آنذاك، ودفعته إلى التحرك دبلوماسيًا لدى الدول الغربية والأمم المتحدة.

وتكشف برقية دبلوماسية أمريكية مؤرخة في 15 أكتوبر 1953، ومنشورة ضمن الأرشيف التاريخي لوزارة الخارجية الأمريكية، أن وزير الخارجية الأردني استدعى القائم بالأعمال الأمريكي، وأبلغه احتجاجًا شديدًا على الهجوم.

وحمّل الوزير الأردني رئيس حكومة الاحتلال ووزير حربها المسؤولية المباشرة، معتبرًا الاعتداء تهديدًا خطيرًا لا يمكن التساهل معه.

وأكد الجانب الأردني أنه سيواصل ضبط النفس، لكنه حذّر من صعوبة الاستمرار في ذلك إذا تكررت الهجمات، مطالبًا الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا باتخاذ إجراءات حازمة ضد إسرائيل.

وفي 16 أكتوبر 1953، تقدم الأردن بشكوى رسمية إلى مجلس الأمن، تضمنت تفاصيل قتل المدنيين وتدمير المنازل، واتهمت القوات الإسرائيلية باستخدام الأسلحة الرشاشة والقنابل والمتفجرات ضد سكان القرية.

وفي 24 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 101، الذي أكد أن الهجوم على قبية نفذته قوات مسلحة إسرائيلية، وأنه شكّل انتهاكًا لاتفاق الهدنة الأردني الإسرائيلي وأحكام ميثاق الأمم المتحدة.

وأدان المجلس العملية بشدة، ودعا إسرائيل إلى اتخاذ تدابير فعالة لمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات. وصدر القرار بتأييد تسع دول، بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، فيما امتنعت لبنان والاتحاد السوفييتي عن التصويت.

لكن القرار لم يتضمن فرض عقوبات على إسرائيل أو تقديم تعويضات مباشرة للضحايا، في وقت لم تمنع فيه الإدانة الدولية شارون من مواصلة صعوده داخل المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية.

فقد تولى لاحقًا مناصب قيادية، وأصبح وزيرًا للحرب خلال اجتياح لبنان عام 1982، قبل أن يصل إلى رئاسة حكومة الاحتلال عام 2001.

وبعد مرور 73 عامًا على المجزرة، لا تزال قبية شاهدًا على جريمة استهدفت المدنيين الفلسطينيين في منازلهم، وعلى محاولات إسرائيلية مبكرة للتنصل من المسؤولية عن قتلهم وتدمير ممتلكاتهم، رغم ما وثقته التقارير الأممية والأرشيفات التاريخية من أدلة على طبيعة الهجوم والجهة التي نفذته.

Exit mobile version