
المركز الفلسطيني للإعلام
في مخيم الفوار جنوب الخليل، لم يعد الوصول إلى البيت أو المدرسة أو العيادة أمرًا عاديًا. فمنذ أكثر من عامين، يعيش نحو 13 ألف لاجئ تحت وطأة إغلاق المدخل الرئيسي وعدد من الطرق المؤدية إلى المخيم، التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي بشكل غاشم، في واقع حوّل تفاصيل الحياة اليومية إلى رحلة شاقة، وفرض على السكان قيودًا تمس الحركة والعمل والتعليم والصحة، وتضاعف قسوة الظروف التي يعيشونها وحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية.
وتزداد وطأة هذه القيود في الحالات الطارئة، خصوصًا لدى المرضى وكبار السن، في ظل صعوبة وصول سيارات الإسعاف إلى داخل المخيم، بينما تتواصل الاقتحامات الإسرائيلية التي تضيف إلى الخوف اليومي عبئًا جديدًا على السكان.
اقتحامات متكررة.. والخوف يسكن الأزقة
ويصف رئيس اللجنة الشعبية لخدمات مخيم الفوار، نعمان أبو ربيع، ما يجري بأنه استهداف يتجاوز التضييق على الحياة اليومية، ليطال قضية اللاجئين والهوية الفلسطينية ذاتها.
ويقول أبو ربيع إن المخيمات تتعرض للاستهداف في محاولة لطمس الهوية الفلسطينية ودفع الناس إلى الاستسلام والخنوع، مؤكدًا أن ارتباط الإنسان الفلسطيني بأرضه ووطنه يجعل من الصعب انتزاعه من المكان أو دفعه إلى التخلي عن قضيته.
ويشير إلى أن مخيم الفوار يتعرض لاقتحامات متكررة واعتقالات، إلى جانب تحويل البيوت الآمنة إلى مواقع عسكرية، موضحًا أن طبيعة المخيم المكتظة تجعل أي اقتحام تأثيره شاملًا على السكان.
ويضيف أن أزقة المخيم الضيقة لا تحتمل حتى الأصوات العادية، فكيف بأصوات القنابل الصوتية وأزيز الرصاص الذي كان يتردد بعد منتصف الليل وفي ساعات الصباح المبكرة، مشيرًا إلى أن بعض الأيام شهدت اقتحامات شبه يومية.
ويكشف أبو ربيع أن المخيم سجل خلال عامي 2024 و2025 نحو 453 حالة اقتحام، وهو رقم يعكس، بحسب وصفه، حجم الضغط الذي يتعرض له السكان، إذ شهدت بعض الأيام أكثر من اقتحام.
ويشرح أن المخيم، الذي تبلغ مساحته نحو 272 دونمًا، يقوم على مساحة محدودة وبيوت متلاصقة، ما يجعل أي عملية اقتحام مصدر خوف وتأثير مباشر على جميع السكان، وليس على المنزل أو الحي الذي تستهدفه القوات فقط.
ويؤكد أن الأطفال يعيشون تحت وطأة الرعب والفزع، في وقت أدى فيه الإغلاق إلى تفاقم الفقر وتعطيل جوانب أساسية من الحياة، من التعليم إلى الصحة والعمل.
المرضى أمام أبواب مغلقة
ولا يتوقف أثر الإغلاق عند تقييد الحركة، إذ يجد المرضى وكبار السن أنفسهم أمام عوائق إضافية في الوصول إلى العلاج والأدوية والعيادات المحيطة بالمخيم.
ويقول أبو ربيع إن الأطباء واجهوا صعوبة في الوصول إلى المخيم وممارسة عملهم، كما عانى المرضى، ولا سيما كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، من صعوبة الوصول إلى الأدوية والعيادات خلال فترات الاقتحامات والإغلاقات الطويلة.
ويؤكد أن هذه التداعيات، إلى جانب غيرها من جوانب الحياة اليومية، تأتي في سياق ما يصفه بـ”التضييق المستمر والاستهداف المبرمج للمخيمات الفلسطينية”.
إغلاق البوابات.. حين يصبح الطعام نفسه أكثر صعوبة
ويعيش سكان المخيم أيضًا أزمة اقتصادية متفاقمة بفعل إغلاق البوابات والطرق، إذ لا تقتصر تداعياتها على حركة الأشخاص، بل تمتد إلى حركة البضائع والمواد الأساسية.
ويقول أحد سكان المخيم، جهاد أبو ربيع، إن إغلاق البوابات جعل حتى دخول المواد الغذائية أكثر صعوبة، بعدما بدأ التجار يترددون في الوصول إلى المخيم، ما أدى إلى نقص عدد من الاحتياجات الأساسية داخله.
ويصف الإغلاق بأنه “إعدام للحياة داخل المخيم”، مؤكدًا أن الظروف المعيشية الصعبة التي يعانيها السكان ازدادت قسوة بسبب القيود المفروضة على الحركة.
الإسعاف لا يصل.. والمرضى يُنقلون بين البوابات
ويشير أبو ربيع إلى أن المرضى يواجهون معاناة مضاعفة عند الحاجة إلى النقل، إذ يضطر السكان في بعض الحالات إلى نقل المريض على سرير الإسعاف من بوابة إلى أخرى للوصول إلى سيارة الإسعاف.
ويضيف أن كبار السن يواجهون المصاعب ذاتها، لافتًا إلى وجود شبان من ذوي الإعاقة في المخيم يضطرون إلى التعامل مع الطرق المغلقة والقيود المفروضة على الحركة.
ويقول إن إغلاق الطرق يجبر السكان على استخدام طرق بديلة طويلة، مشيرًا إلى أن الطريق البديلة تصل إلى نحو 30 كيلومترًا، في حين أُغلقت “طريق العقد” الترابية بالتراب، رغم كونها طريقًا بديلة يستخدمها الأهالي لتسهيل حركتهم.
مخيم يحاصر الحياة ولا يطرد أهله
ويؤكد أبو ربيع أن ما يجري في مخيم الفوار لا يمكن فصله عن واقع فلسطيني أوسع، معتبرًا أن إغلاق البوابات ووضع السواتر الترابية يمثلان جزءًا من محاولات التضييق على الفلسطينيين ودفعهم إلى ترك أماكنهم.
ويشدد على أن السكان، رغم كل هذه الضغوط، يتمسكون بالبقاء في مخيمهم، قائلًا إن إغلاق بوابة أو وضع أكوام من التراب لن يدفعهم إلى الرحيل، وإنهم سيبقون صامدين في المخيم.
ويقول إن وجهتهم الوحيدة، إذا كان الرحيل مفروضًا عليهم، هي العودة إلى بلادهم الأصلية، مستذكرًا بلدات وقرى فلسطينية منها بيت جبريل والفلوجة وعرق المنشية، وصولًا إلى يافا وعكا والقدس وسائر أرض فلسطين.
ويختصر موقفه من محاولات دفع الفلسطينيين إلى الرحيل بالقول إنهم “يختارون الموت ولا يخرجون من بلادهم”، في تعبير يلخص حجم التمسك بالمكان في مواجهة سياسات الحصار والإغلاق والتهجير.
انتهاكات متصاعدة
وتأتي معاناة مخيم الفوار في سياق أوسع من تصاعد الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية، والتي تشمل إغلاق الطرق والحواجز والاقتحامات وهدم المنازل والمنشآت والاستيلاء على الأراضي، إلى جانب التوسع الاستيطاني. ويرى الفلسطينيون أن هذه الإجراءات تتقاطع مع مخططات أوسع لفرض وقائع جديدة على الأرض، وصولًا إلى مشاريع الضم وتهجير السكان، ولا سيما في المناطق التي تسعى سلطات الاحتلال إلى تفريغها من الوجود الفلسطيني.

