
المركز الفلسطيني للإعلام
عاد ملف المخيمات الفلسطينية في لبنان إلى واجهة المشهد السياسي، مع إطلاق الحكومة اللبنانية مسار المشاورات حول الخطة الوطنية لحوكمة المخيمات، في خطوة تعيد فتح واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في العلاقة اللبنانية الفلسطينية، بما تحمله من أبعاد أمنية وسياسية وقانونية وإنسانية متشابكة.
وبينما يتصدر ملف السلاح النقاشات المتعلقة بمستقبل المخيمات، فإن القضية تتجاوز حدود الإجراءات الأمنية إلى أسئلة أوسع تتصل بطبيعة وجود اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وحقوقهم المدنية والاجتماعية، ودور الفصائل الفلسطينية، ومستقبل العلاقة مع الدولة اللبنانية، ومدى قدرة أي خطة جديدة على معالجة أزمات تراكمت على مدار عقود.
وتطرح التطورات الأخيرة تساؤلات جوهرية بشأن ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستقتصر على إعادة تنظيم الوضع الأمني والإداري داخل المخيمات، أم أنها ستفتح المجال أمام معالجة شاملة لأوضاع اللاجئين، بما يضمن تحسين ظروف حياتهم دون المساس بحقهم في العودة أو تحويل اللجوء إلى واقع دائم.
قضية تتجاوز السلاح
في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إطلاق مسار المشاورات حول الخطة الوطنية لحوكمة المخيمات الفلسطينية، مؤكدًا أن المخيمات تقع ضمن السيادة اللبنانية وتخضع للقانون اللبناني، وأن المطلوب تعزيز حضور مؤسسات الدولة فيها بصورة واضحة ومنتظمة.
وأشار سلام إلى أن الحكومة بدأت، بالتعاون مع القيادة الفلسطينية، خطوات لمعالجة ملف السلاح الفلسطيني، في إطار التفاهمات اللبنانية الفلسطينية التي جرى التأكيد عليها خلال القمة التي جمعت الرئيسين اللبناني جوزاف عون والفلسطيني محمود عباس في بيروت في مايو/أيار 2025.
لكن الإعلان عن الخطة لم يقتصر على الجانب الأمني؛ إذ تحدث سلام عن ضرورة معالجة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والخدماتية، إلى جانب تنظيم المسؤوليات بين مؤسسات الدولة والجهات الفلسطينية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”.
وتعمل لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني على إعداد مشروع قانون شامل لتنظيم وضع اللاجئين الفلسطينيين وتحديد حقوقهم وواجباتهم، بما يشمل مسائل العمل والضمان الاجتماعي وغيرها من القضايا العالقة.
وهنا تتضح طبيعة الملف: فالمخيمات ليست مجرد مناطق تحتاج إلى ترتيبات أمنية، بل تجمعات سكانية يعيش فيها لاجئون منذ عقود، وتداخلت داخلها الأزمات القانونية والاجتماعية والخدماتية مع المسائل الأمنية والسياسية.
ومن ثم، فإن فهم الخطة يتطلب النظر إلى جذور القضية، وليس الاكتفاء بمتابعة خطوات معالجة السلاح.
كيف نشأت خصوصية المخيمات الفلسطينية في لبنان؟
تعود قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان إلى نكبة عام 1948، حين لجأ آلاف الفلسطينيين إلى الأراضي اللبنانية بعد تهجيرهم من مدنهم وقراهم في فلسطين.
ومع مرور السنوات، تحولت المخيمات التي أنشئت لاستيعاب اللاجئين إلى تجمعات سكانية دائمة، في ظل تعثر الحل السياسي لقضية اللاجئين وعدم تحقق حق العودة.
وبخلاف دول عربية أخرى استوعبت أعدادًا من اللاجئين الفلسطينيين ضمن أنظمة قانونية واجتماعية مختلفة، بقيت أوضاع الفلسطينيين في لبنان محكومة بقيود قانونية واسعة، أثرت في قدرتهم على العمل والتملك والحصول على بعض الحقوق والخدمات.
كما اكتسبت المخيمات خصوصية أمنية وسياسية بفعل تطور الحركة الوطنية الفلسطينية، وانتقال مركز ثقلها إلى لبنان بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من الأردن عام 1970.
وخلال تلك المرحلة، أصبحت المخيمات جزءًا من المشهد السياسي والعسكري الفلسطيني، وتداخلت فيها أدوار الفصائل مع التحولات التي شهدها لبنان، وصولًا إلى الحرب الأهلية اللبنانية وما رافقها من مواجهات واعتداءات على المخيمات.
وقد تركت تلك الأحداث آثارًا عميقة على العلاقة بين المخيمات والدولة اللبنانية، وأسهمت في نشوء ترتيبات أمنية وإدارية معقدة، لم تنتهِ بصورة كاملة حتى اليوم.
من اتفاق القاهرة إلى ترتيبات ما بعد الحرب
شكّل اتفاق القاهرة عام 1969 محطة بارزة في تاريخ العلاقة بين الدولة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية، إذ تناول تنظيم الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، وترتيبات العمل الفدائي، والعلاقة بالمخيمات.
لكن الاتفاق أصبح لاحقًا جزءًا من جدل سياسي وقانوني واسع، خصوصًا بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، وما رافقها من تدخلات إقليمية وصراعات داخلية.
وفي عام 1982، أدت الحرب الإسرائيلية على لبنان وخروج قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت إلى تغيرات كبيرة في موازين القوى داخل المخيمات.
ومع انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، نص اتفاق الطائف على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية وحل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية.
غير أن تطبيق هذا المبدأ على المخيمات الفلسطينية ظل محكومًا بتعقيدات سياسية وأمنية، وبحساسية العلاقة بين لبنان والفصائل الفلسطينية، وباستمرار قضية اللاجئين دون حل.
وبقيت المخيمات على مدى سنوات طويلة مناطق ذات ترتيبات أمنية خاصة، تتداخل فيها مسؤوليات الدولة اللبنانية مع الأدوار التي تضطلع بها الفصائل الفلسطينية.
وهذا الوضع لم يكن مجرد خيار إداري، بل نتاج مسار تاريخي طويل، تشكلت خلاله موازين قوى وتفاهمات ومخاوف متبادلة.
السلاح الفلسطيني.. لماذا عاد إلى الواجهة؟
يمثل السلاح داخل المخيمات أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة اللبنانية الفلسطينية.
فمن وجهة نظر الدولة اللبنانية، يرتبط الملف بمبدأ السيادة، وبضرورة أن تكون المؤسسات الرسمية صاحبة المسؤولية الأمنية والقانونية على كامل الأراضي اللبنانية، دون وجود مناطق تخضع لترتيبات منفصلة.
أما على المستوى الفلسطيني، فإن السلاح ارتبط تاريخيًا بوجود الفصائل الفلسطينية، وبالتحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية، وبمفهوم حماية المخيمات في ظل غياب الحل السياسي لقضية اللاجئين.
فالمخيمات تواجه تحديات أمنية واجتماعية واقتصادية، كما أن استمرار وجود السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية يثير إشكالات تتعلق بالقانون، وبالمسؤوليات الأمنية، وبقدرة الدولة على إدارة الأزمات.
وفي المقابل، فإن معالجة ملف السلاح وحده لا يمكن أن تنهي المشكلات المتراكمة داخل المخيمات، ما لم تترافق مع إجراءات قانونية واجتماعية واضحة، وتحسين ظروف الحياة، وضمان الحقوق الأساسية للاجئين.
ومن هنا، فإن النقاش حول السلاح يتجاوز مسألة تسليمه أو بقائه إلى سؤال أوسع: ما طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تقوم بين الدولة اللبنانية والمخيمات الفلسطينية في المرحلة المقبلة؟
ماذا تريد الدولة اللبنانية من الخطة؟
تسعى الخطة الوطنية لحوكمة المخيمات، وفق ما أعلنته الحكومة اللبنانية، إلى تعزيز حضور مؤسسات الدولة وتنظيم المسؤوليات الأمنية والإدارية والخدماتية.
وتقوم الفكرة على الانتقال من ترتيبات جزئية أو ظرفية إلى إطار أكثر انتظامًا، يحدد صلاحيات الجهات المعنية وآليات التعاون بينها.
ومن بين المسائل التي يطرحها هذا المسار تنظيم العلاقة بين الدولة اللبنانية والجهات الفلسطينية، وتحديد المسؤوليات في الملفات الأمنية والقضائية والإدارية، إلى جانب معالجة قضايا الخدمات والبنية التحتية والأوضاع الاجتماعية.
وتستند الخطة إلى تفاهمات سابقة، من بينها “الرؤية اللبنانية الموحدة لقضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان” التي جرى التوصل إليها عام 2017.
لكن نجاح أي خطة من هذا النوع لا يتوقف على إعلانها أو صياغة أهدافها، بل على قدرتها على تحويل تلك الأهداف إلى سياسات وإجراءات قابلة للتنفيذ، وعلى مدى مشاركة سكان المخيمات والجهات الفلسطينية في بلورة تفاصيلها.
كما أن طبيعة المخيمات تختلف من منطقة إلى أخرى، سواء من حيث الكثافة السكانية أو الأوضاع الأمنية أو البنية التحتية أو التركيبة السياسية، ما يجعل تطبيق نموذج واحد بصورة متطابقة على جميع المخيمات أمرًا يحتاج إلى دراسة وتدرج.
الحقوق المدنية.. الجانب الذي لا يمكن تجاهله
تعيش المخيمات الفلسطينية في لبنان أوضاعًا اجتماعية واقتصادية صعبة، في ظل قيود قانونية أثرت في فرص العمل والتملك والحماية الاجتماعية.
ويواجه الفلسطينيون قيودًا تتعلق بممارسة عدد من المهن، كما أن أوضاعهم القانونية لا توفر لهم الحقوق نفسها التي يتمتع بها المواطن اللبناني في العديد من المجالات.
وتبرز قضية التملك بوصفها واحدة من أكثر المسائل تعقيدًا، إلى جانب القيود المتعلقة بالعمل والضمان الاجتماعي، وما يترتب عليها من آثار في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للأسر الفلسطينية.
كما يعاني اللاجئون من مشكلات تتعلق بالأوراق الثبوتية، خصوصًا بعض الفئات التي لا تمتلك تسجيلًا قانونيًا مكتملًا، ما يجعل حصولها على الحقوق والخدمات أكثر صعوبة.
وفي هذا السياق، فإن مشروع القانون الذي تعمل لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني على إعداده يكتسب أهمية خاصة، لأنه قد يشكل مدخلًا لمعالجة عدد من القضايا القانونية العالقة.
لكن المسألة الأساسية تتمثل في مدى استعداد الأطراف المعنية للانتقال من النقاش العام حول تحسين الأوضاع إلى إقرار إجراءات ملموسة تعالج القيود القائمة.
فلا يمكن النظر إلى الأمن باعتباره بديلًا عن الحقوق، كما لا يمكن التعامل مع الحقوق باعتبارها ملفًا منفصلًا عن الاستقرار داخل المخيمات.
هل ترتبط الحقوق بتسليم السلاح؟
من أبرز النقاط التي برزت في المواقف الفلسطينية خلال إطلاق المشاورات التأكيد على أن الحقوق الإنسانية والمدنية لا ينبغي أن تكون مشروطة بأي مسار أمني.
وأكد رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني رامز دمشقية أن الحقوق ليست ثمنًا لتسليم السلاح، وأن حصرية السلاح ليست موضع مقايضة.
ويعكس هذا الموقف إدراكًا بأن معالجة ملف المخيمات تحتاج إلى مسارات متوازية، لا إلى ترتيب يجعل الحقوق مؤجلة إلى حين الانتهاء من الإجراءات الأمنية.
فإذا جرى التعامل مع الحقوق باعتبارها جزءًا من معالجة شاملة، فإن ذلك قد يفتح المجال أمام بناء علاقة أكثر استقرارًا بين الدولة اللبنانية واللاجئين الفلسطينيين.
أما إذا بقيت الحقوق رهينة التفاهمات السياسية أو الترتيبات الأمنية، فقد تستمر الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها المخيمات، حتى مع حدوث تغييرات في الوضع الأمني.
حق العودة ورفض التوطين
تظل قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان مرتبطة بصورة مباشرة بحق العودة، باعتباره أحد الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني.
ويؤكد لبنان رسميًا رفض التوطين، والتمسك بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.
ويشكل هذا الموقف عنصرًا أساسيًا في العلاقة اللبنانية الفلسطينية، إذ ينظر لبنان إلى قضية اللاجئين باعتبارها قضية سياسية مرتبطة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وليست مجرد مسألة إنسانية أو اجتماعية.
وفي المقابل، يرفض الفلسطينيون تحويل وجودهم في لبنان إلى بديل عن العودة إلى وطنهم، أو التعامل مع تحسين ظروفهم المعيشية باعتباره حلًا نهائيًا لقضيتهم.
لكن التمسك بحق العودة لا يلغي الحاجة إلى تحسين الظروف القانونية والاجتماعية للاجئين خلال فترة وجودهم في لبنان.
فحق العودة لا يتعارض مع توفير حياة كريمة للاجئين، كما أن تحسين أوضاعهم لا يعني التخلي عن حقهم في العودة.
وهنا تكمن إحدى أهم معادلات الملف: كيف يمكن معالجة واقع اللجوء بما يضمن الكرامة والحقوق، دون تحويله إلى حالة دائمة أو فرض حلول سياسية على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية؟
الأونروا.. مسؤولية لا يمكن تجاوزها
تضطلع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” بدور أساسي في تقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين في لبنان، خصوصًا في مجالات التعليم والصحة والإغاثة والخدمات الاجتماعية.
ويأتي هذا الدور في ظل محدودية قدرة اللاجئين على الوصول إلى الخدمات العامة، والقيود التي تواجههم في عدد من المجالات القانونية والاقتصادية.
وتؤكد الحكومة اللبنانية استمرار دور الأونروا في أداء مهامها وفق ولايتها الدولية، وعدم حلول الدولة اللبنانية محلها.
ويكتسب هذا الموقف أهمية في ظل الأزمات المالية التي تواجه الوكالة، وما قد يترتب على أي تراجع في خدماتها من آثار مباشرة على حياة اللاجئين.
فالمخيمات لا تواجه فقط تحديات أمنية أو إدارية، بل تعاني أيضًا من تراجع الخدمات، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتدهور البنية التحتية.
ومن ثم، فإن أي خطة لمعالجة أوضاع المخيمات تحتاج إلى التنسيق مع الأونروا، وإلى ضمان استمرار دورها، إلى جانب مسؤولية المجتمع الدولي في توفير التمويل اللازم.
المخيمات في ظل التحولات الإقليمية
لا يمكن فصل ملف المخيمات الفلسطينية في لبنان عن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
فالتغيرات السياسية والأمنية في لبنان، والحرب الإسرائيلية على البلاد، والضغوط الاقتصادية، وتراجع قدرة المؤسسات على تقديم الخدمات، كلها عوامل أثرت في أوضاع المخيمات.
كما أن التطورات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، واستمرار الحرب والتهجير في الأراضي الفلسطينية، أعادت التأكيد على أن قضية اللاجئين لا تزال مفتوحة، وأن أي معالجة داخل لبنان لا يمكن أن تكون بديلًا عن حل سياسي عادل للقضية الفلسطينية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تجنيب المخيمات الانخراط في الصراعات الإقليمية، وضمان ألا تتحول إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية أو الأمنية.
وتتطلب هذه المسألة تعاونًا بين الدولة اللبنانية والجهات الفلسطينية، بما يضمن حماية السكان، ويمنع استخدام المخيمات في صراعات لا تخدم مصالح اللاجئين.
ما الذي سيحدد نجاح الخطة؟
إن إطلاق المشاورات حول الخطة الوطنية لحوكمة المخيمات يشكل بداية لمسار جديد، لكنه لا يمثل بحد ذاته ضمانة لحل المشكلات القائمة.
فنجاح الخطة سيعتمد على مجموعة من العوامل، أبرزها وضوح المسؤوليات والصلاحيات، ومشاركة الجهات الفلسطينية وسكان المخيمات في صياغة الإجراءات، وتوفير ضمانات قانونية واجتماعية واضحة.
كما سيعتمد على قدرة الأطراف المعنية على معالجة ملف السلاح ضمن مسار متدرج، وعلى عدم تحويله إلى مدخل لإهمال القضايا المدنية والاقتصادية.
وتبقى مسألة التمويل عنصرًا أساسيًا، سواء فيما يتعلق بتحسين البنية التحتية والخدمات، أو بدعم الأونروا، أو بتنفيذ المشاريع التي تستهدف تحسين ظروف الحياة داخل المخيمات.
ومن المهم كذلك أن تراعي الخطة خصوصية كل مخيم، وأن تضع آليات للمساءلة والمتابعة، حتى لا تبقى الإجراءات مجرد تفاهمات سياسية أو إعلانات عامة.
مرحلة جديدة أم إعادة إنتاج للأزمات؟
تفتح التطورات الأخيرة بابًا أمام إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة اللبنانية والمخيمات الفلسطينية، في ظل توافق معلن على تعزيز حضور المؤسسات الرسمية، ومعالجة ملف السلاح، وتحسين أوضاع اللاجئين.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على تحويل هذا التوافق إلى نتائج ملموسة، تعالج الأزمات الأمنية والاجتماعية والقانونية بصورة متوازنة.
فالمخيمات الفلسطينية ليست مجرد ملف أمني، كما أنها ليست خارج إطار الدولة اللبنانية أو قوانينها؛ بل هي تجمعات يعيش فيها لاجئون يحملون قضية وطنية وحقوقًا سياسية، ويواجهون في الوقت ذاته أزمات معيشية وقانونية تحتاج إلى معالجة.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة الأطراف اللبنانية والفلسطينية على بناء مقاربة تتجاوز المعالجات الجزئية، وتضع أمن المخيمات وكرامة سكانها وحقوقهم في إطار متكامل.
وبين السلاح والحقوق، وبين السيادة وحق العودة، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الخطة الجديدة أن تؤسس لعلاقة أكثر استقرارًا بين الدولة اللبنانية واللاجئين الفلسطينيين، دون أن تتحول معالجة واقع اللجوء إلى بديل عن الحل السياسي للقضية الفلسطينية؟
الإجابة لن تتحدد بما يعلن في المؤتمرات أو المشاورات، بل بما ستشهده المخيمات فعليًا من تغيرات في الأمن والخدمات والحقوق، وبمدى قدرة اللاجئين على العيش بكرامة، مع الحفاظ على حقهم في العودة إلى وطنهم.
